الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 28، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع الرد على المعترضين الذين يستدلون بأفعال العلماء المخالفة للشريعة، ويؤكد على وجوب طاعة رسول الله واتباع أوامره. يجب الرجوع إلى الله والرسول عند الاختلاف في أمور الدين.
يؤكد على ضرورة الرجوع إلى الكتاب والسنة عند التنازع، ويحذر من التحاكم إلى أقوال الرجال وآرائهم. من يرفض التحاكم إلى الكتاب والسنة يكون مخالفا لأمر الله ورسوله.
يناقش النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها، ويشير إلى اختلاف العلماء في الكتابة عليها. كما يشير إلى لعن الله لليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. يوم نأخذ إن شاء الله وتعالى ما يتيسر من ما ذكره علامة حمد بن ناصر المعمر في كتابه «النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القدرية». قال رحمه الله في فصل: وأما قوله - أي قول هذا المعترض - ومنها أن كثيرا من العلماء الكبار فعلوا هذا الأمر، وفعلت بحضرتهم، ولم ينكروا فعلا. فعلوا هذا الأمر - أي دعاء المقبورين والاستغاثة بهم - قالوا: من ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور، ومن ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور، واتخاذها عيدا في الغالب، ولكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم، يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضر بعض العلماء فلا ينكر. أنا الآن هذا المعترض يقول: إن هذه الأشياء والزيارات والاستغاثات تحصل، ويفعلها ناس من أهل العلم. أنا يريد أن يعترض كما تقدم على أهل السنة الذين يقولون: إن هذه الأمور شركية. فقام أولا يقول: إن كانت شركا فهي من الشرك الأصغر، مثل الحلف بغير الله. ثم الآن يقول: إن هذا يفعله العلماء، وكأنه لم يجترئ على أن ينكر في بداية الأمر ويثبت جوازه. لكن أولا قدم أنه من الشرك الأصغر، وكذا ثم تناقض هنا، فجعل أن هذا مما يفعله العلماء وتتابعوا عليه، وأنهم يتخذون هذه القبور أعيادا، ولكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم. فأجاب عليه الشيخ بقوله: فالجواب المهم: الوجه الأول: يقال قد افترض الله على العلماء طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله. قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. قال: فإذا اختلف الناس في شيء من أمور الدين: هل هو واجب أو محرم أو جائز؟ وجب رد ما وقع فيه النزاع والاختلاف إلى الله والرسول. فهذا هو الواجب، لا يأخذ كلام أحد وهو يخالف كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا الإمام الشافعي - وهو لتلك المثابة في العلم - كان يقول: إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارموا بقولي عرض الحائط. وقال: إن رأيتموني خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلموا أن عقلي قد ذهب. ولما قيل له: أتقول بهذا الحديث يا أبا عبد الله؟ فغضب وقال: لهذا الذي قال هذا أتراني خرجت من كنيسة؟ أنا لما خرجت من مسجد، أتراني علي زنارتين عن أمن اليهود؟ أنا كيف تقول هذا؟ هل هذا مسلم يقال له: هل تقبل هذا وقد جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلهذا الحكم أولا إلى رسول الله عند التنازع والاختلاف. فهناك من يقول: إن هذه الأشياء شرك بالله، وأيضا بدع ومحرمات: البناء على القباب وعلى القبور، واتخاذها عيدا. ومن الناس أو من ينتسب إلى العلم يرى أن هذا جائز، بل يحضره. فإلى أين نذهب؟ نذهب إلى الكتاب والسنة. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: الرسول في حياته، وسنته بعد موته عليه الصلاة والسلام. قال: ويجب على المؤمن إذا دعي إلى ذلك أن يقول: سمعا وطاعة. أنا إذا دعي إلى الكتاب والسنة لا يجادل ولا يشاقق. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. فهذا هو حكم أهل الإيمان، لا يرجعون إلى فلان وفلان، وإلى السيد الفلاني والحبيب الفلاني، لا. ولا يرجعون كذلك إلى أبي حنيفة - كما قال الإمام الذهبي -: أنا إلى العقل وإلى ما يخالف الكتاب والسنة. بل يرجعون إلى كتاب الله وسنة رسوله. فإذا حصل التنازع رجعوا، ويجب عليه أعلى كل من خالف أو من اختصم إذا دعي إلى الكتاب والسنة أن يقبل. قال: فنحن نحاكم من نازعنا في هذه المسألة وغيرها من المسائل إلى الله والرسول، لا إلى أقوال الرجال وآرائهم. وهؤلاء الذين لا يرضون بحكم الكتاب والسنة إذا دعوا، فإن الله عز وجل يقول في مثل هؤلاء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. فالذي يقول: نتحاكم إلى العقل، فهو أبو جهل - كما قال إمام الذهبي -: يقول: دعونا من الكتاب والسنة، ونتحاكم بالعقل مثل ما يفعل المعتزلة والجهمية. قال: فنقول لمن أجاز بقاء القباب على القبور بالجص والعجير - الجص هو نوع من أنواع التراب الذي يقوى مثل الإسمنت - مثل الجص، كان تعرفون البيضاء، هذه حجارة الجص، حجارة والإسمنت حجارة، والنورة كذلك. المراد به أن يبنى ويقوى بهذه الأشياء. قال: فنقول لمن أجاز بقاء القباب على القبور بالجص والعجير، وأسرجها وفرشها بالرخام، وعلق عليها قناديل الفضة وبيض النعام - يعني علق عليها القناديل، القناديل جمع القنديل، والقنديل هو المصباح أو السراج الذي يكون فيه فتيلة وتكون الفتيلة طرفها في الزيت ثم تشعل فيشعل هذا القنديل - فقال: وعلق عليها قناديل الفضة وبيض النعام. أنا لعل هذا كانوا يفعلونه يكون بيض النعام ويعلقونه عند القبور. قال: وكساها كما يكسى بيت الله الحرام. أنا تجد هذه القبور مكسوة، وهذا مضاهاة لبيت الله الحرام. أنا يكسون القبر مثل ما يكسى بيت الله الحرام، فتجد أكثر من عشرين كسوة، حتى أنك لتجد القبر الواحد تجد أنه كبيرا جدا بسبب هذه الفرشة التي فوقه. قال: هل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا وحث عليه؟ أم نهى عنه وأمر بإزالة ما وضع من ذلك عليه؟ أن هذا أول أمر. هل هذه الأشياء التي يفعلها أولئك - كما يقول هذا المعترض ويؤيده أو يقول ويؤيد ذلك العلماء - هل هذا مخالف لأمر الله وأمر رسوله؟ أم واه؟ لا شك أنه مخالف. لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن هذه الأمور. قال: فما أمرنا به نتمرن، وسنته هي الحاكمة بيننا وبين خصومنا في محل النزاع. قال: فنقول: قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي أنه قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ ألا أدع تمثالا إلا طمسته - في الرواية: صورة - ولا قبرا مشرفا إلا سويته. مشرفا أو مشرفا - أي مرتفع مرتفع وظاهر - إلا سويته. فهذا فيه الأمر بتسوية القبور. قالوا: وفي صحيحه أيضا - صحيح مسلم - عن ثمامة بن شفي الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبري فسوى، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها. قال: قال العلماء: إنه يدفن بهذا التراب الذي أخرج به، وإن زاد شيئا يسيرا لأجل أن يعرف أنه قبر، فإن كانت هناك حجارة تكفي. والمهم أنه يعرف أنه قبر فقط، وإلا فهو يسوى بالأرض. قالوا: وفي صحيحه أيضا عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه. أخرجه مسلم كذلك. قال: وروى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهذا الإسناد فيه ضعف، لأن هذه الرواية: «وأن يكتب عليه» فيها شيء من الضعف، وبعض العلماء يحسنها - كما هو كلام الشيخ الألباني رحمه الله عليه. قالوا: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وهذا الحديث من طريق صالح مولى أم هانئ، أو أبو صالح باذام مولى أم هانئ، فهو ضعيف. وأيضا بعضهم أنكر سماعه من ابن عباس، فالحديث لا يصح. لكن صح في لفظ آخر: «لعن الله زوارات القبور». وأما زيادة: «المتخذين عليها المساجد والسرج» هذه لم تثبت. قال: فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البناء عليها، وأمر بهدمه بعد ما يبنى، ونهى عن الكتابة عليها، ولعن من أسرجها. أما من ناحية الكتابة، وقد أجازها جمهور العلماء. وقلنا: الحديث مختلف فيه. وإن كانت هذه الكتابة لأجل معرفة القبر: أن يعرف قبر الشخص، قبر ميتة - معنى: إما ابنه أو أباه أو كذا - فهذا إن شاء الله تعالى لا شيء فيه. لكن إن كان من أجل الفخر والتباهي، وأن هذا السيد الفلاني وأنه كذا وكذا، هذا لا يجوز. وإنما الجائز هو إذا كان لأجل المعرفة، حتى إذا جاء زائر مثلا يأتي يزوره ويدعو له، لا بأس بذلك. فقد جاء ذلك في السنة. وهناك حديث أيضا هو حسن في سنن أبي داود، وصححه الشيخ الألباني كذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات عثمان بن مضعون وضع عنده حجر كبير، قال: أعرف بها قبر أخي، أعرف بها قبر أخي. فإن كان من باب المعرفة فلا بأس، وهو قول جمهور العلماء. وأما إن كان من باب التفاخر وكذا فهذا لا يجوز. فهذه بعض الأحاديث التي ذكرها المؤلف، وفيها النهي عن البناء على القبور وتشريفها، وكذلك أيضا اتخاذها عيدا، كما جاء في حديث أبي داود: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وسيذكره المؤلف إن شاء الله. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.