الدرس في الاقبال على الله 22، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يهدف الشيطان إلى إدخال بني آدم النار معه من خلال إغوائهم وإضلالهم. يستخدم الشيطان وسائل متعددة لتحقيق ذلك، مثل الشرك بالله وتحريف الناس عن دينهم.
يستخدم الشيطان طرقًا مختلفة لإضلال بني آدم، منها الوقوع في الشرك والمعاصي والبدع. كما يحاول إيقاع الفتنة بين المسلمين وتقديم طاعات أقل أهمية على ما هو أهم.
يستمر الحديث عن أهداف الشيطان في محاربة الإنسان، موضحًا أهدافًا بعيدة المدى مثل إدخال الناس النار وأهدافًا قريبة في الحياة الدنيا. كما يتم ذكر بعض الأحاديث النبوية التي تحذر من وسائل الشيطان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد هو رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، ففي الدرس الذي مضى، تطرقنا إلى بعض ما ذكره الله عز وجل من خطة الشيطان في محاربة وإغواء بني آدم. فالشيطان عنده حقد دفين وأيضًا حسد؛ فلما وُضع في نفسه أنه أُخرج من النعيم الذي كان فيه بسبب آدم عليه السلام، لهذا حقد عليه وحلف كما تقدم أنه يغوي بنيه ويحاربهم بشتى الوسائل وبكافة الأسلحة التي يستخدمها في محاربة بني آدم. وذكرنا بعض ما ذكره ربنا جل وعلا من خطته. اليوم، إن شاء الله تعالى، قبل أن ندخل في مكائده، أولًا نعلم أن الله عز وجل قد ذكر، وكذلك نبينا عليه الصلاة والسلام قد ذكر للشيطان أهدافًا. هناك أهداف للشيطان يريد أن يحققها في محاربته لابن آدم، وهذه الأهداف منها هدف عام، وهذا الذي يريده ويريد من وسوسة بني آدم، وهو كما ذكره الله عز وجل أنه يدخلهم معه النار. ولهذا قال الله عز وجل لما أقسم أنه سيغوي بني آدم: ﴿اذهب فمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين﴾، أي من هؤلاء الشياطين ومن تبعهم من الإنس. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾، يدعو أصحابه ويدعو من تبعه لأجل أن يكونوا من أصحاب السعير مثله. هو علم أن الله عز وجل قد توعده بالنار، وهذا مصيره، لكن طلب من الله عز وجل أن ينظره، طلب من الله عز وجل أن ينظره إلى يوم يبعث، فأنظره الله عز وجل، وهي فتنة لبني آدم. ثم حذر الله عز وجل بني آدم من هذا الشيطان بتحذيرات كثيرة، سيأتي إن شاء الله تعالى تحذير الله عز وجل لبني آدم. ومن هذه الأهداف، كما قلنا، هذا الهدف الرئيسي، وهو أنه يدخلهم النار، لكن هناك له أهداف أيضًا في حياة بني آدم، عن كيف يغويهم وكيف يصرفهم عن الخير. فمما ذكر في الآيات والأحاديث أن الشيطان يحاول لبني آدم في إيقاعهم في الشرك، يعني يريد أن يوقع بني آدم في الشرك بالله جل وعلا، مثل ما قال الله عز وجل: ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان كفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين﴾. وأيضًا في حديث عياض بن حمار المجاشعي في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «أيها الناس، إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يوم هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، أنا أعطيته وكسبه فهو حلال له». ثم قال جل وعلا: «وإني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم». أنا بدل ما يستعملوا هذا المال الذي لهم بالحلال، يأتون به بالحرام. قال: «وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بما لم أنزل به سلطانًا». فلهذا فهو من الهدف الذي يسعى إليه الشيطان أن يوقع بني آدم في الإشراك بالله جل وعلا، وهذا من أعظم الأهداف التي يمشي عليها في أمور الدنيا؛ لأن هذا الهدف يوقعهم في الهدف الرئيسي، وهو النار؛ لأن من أشرك بالله جل وعلا فهو يعتبر من أتباعه من أهل النار. فإذا لم يستطع للرجل أن يوقعه أو للمسلم أن يوقعه في هذا الحبائل الشرك، جاء له من طرق أخرى. ولهذا تجد أن الأمم التي وقعت في الشرك كان الشيطان هو السبب في إيقاعهم، زين لهم عبادة الأصنام، زين لهم عبادة الصور. أولًا صوروا تلك الصور، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قضية قوم نوح، أولًا صوروا تلك الصور، ثم عكفوا عند قبورهم. ثم بعد ذلك لما نسي العلم، أولًا عكفوا عند قبورهم، ثم صوروا تلك الصور تذكارًا، حتى يقولون: نتذكرهم. ثم بعد ذلك لما نسي العلم، جاءهم الشيطان وجاء من بعدهم، وجعلهم يعبدونهم من دون الله جل وعلا. كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في النصارى، لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة للنبي عليه الصلاة والسلام كنيسة رأتها بالحبشة وما فيها من الصور. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا تلك الصور». أن نحت نحوتًا لهم أو صوروهم بالرسم، كما كانت تفعل النصارى، تجد في كنائسهم صورة لمريم عليها السلام، وأيضًا كذلك لعيسى ابنها عيسى وغيرهم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». فلهذا الشيطان يحرص على أن يوقع بني آدم في شرك بالله جل وعلا، هذا من الأهداف العظيمة التي يسعى إليها في حياة بني آدم. وأيضًا كذلك، ولهذا قال الله عز وجل في التحذير من الشيطان: أن الله عز وجل حذر من عبادته، وقال جل وعلا: ﴿وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلًا كثيرًا أفلم تكونوا تعقلون﴾، أي هذا الشيطان أضل الناس وأبعدهم عن عبادة الله. ﴿ولقد أضل منكم جبلًا كثيرًا﴾، أي كثير من الأمم أضلهم الشيطان. ﴿أفلم تكونوا تعقلون﴾، هذه جهنم، هذه جهنم التي كنتم توعدون، أي وعد الله عز وجل الشيطان ومن اتبعه. فإذا أردتم عبادة الشيطان واتباعه، فهذه جهنم جعلها الله عز وجل لكم، أيضًا كذلك من باب الافتخار. أيضًا كذلك من الأهداف التي يسعى لها الشيطان، إذا لم يستطع أن يوقع العبد في الشرك بالله جل وعلا، أوقعه في المعاصي والذنوب. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في «إغاثة اللهفان» أن أبواب الشيطان سبعة، وذكر أول باب هو الشرك بالله جل وعلا، أول باب يدخله فيه الشرك بالله. فإذا لم يستطع، أدخله في البدع. فإذا لم يستطع، أدخله في الكبائر. فإذا لم يستطع، أدخله في الصغائر. فإذا لم يستطع، أدخله في ترك الواجبات. فإذا لم يستطع أيضًا، أدخله في كثرة المباحات، أن يكثر من المباحات حتى يضيع عليه وقته. فإن لم يستطع أيضًا، ورأى أن الشخص محافظ على وقته، أدخله في شيء غريب، وهو أن يقدم المهم على الأهم، يقدم المهم على الأهم. معنى يجعله في أمور خيرة، لكن يقدم الذي هو مهم، لكن يقدمه على ما هو أهم. معنى ذلك، مثلًا الآن وقت الصلاة، تجد أن مثلًا وقت الصلاة هناك بعض الأشياء، مثلًا تجدها خير طلب علم أو كتابة أو مثلًا قيام بمشاغل الأولاد أو غيرها، قد تكون طاعة لله عز وجل، لكن هذه الطاعة لا ينبغي أن تقدم على ما هو أهم، وهو إقامة الصلاة، ما دام أنه قد حضر وقت الصلاة، فالواجب هو وقت الصلاة. وأيضًا هكذا يشغله بشيء من الطاعات التي هي قد تكون مهمة، لكن هناك في ذلك الوقت ما هو أهم منها. وقد ذكر الإمام ابن القيم بعض الأمثلة. فلهذا فمن هذه الأمور التي يقع فيها المعاصر أو احتقار هذه المعاصي، يحتقر الذنوب يحتقر الذنوب التي يعملها، وهذا من أعظم ما يوقعه في قلوب العباد، فيحتقر هذه الذنوب، ثم تصير بعد ذلك كبائر، وقد يخرجه من دين الله عز وجل بسبب احتقاره لشيء من الصغائر. ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من هذا المسلك الذي يسلكه الشيطان. فجاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم، حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن رضي بالتحريش بينهم». وجاء أيضًا كذلك من طريق الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة في مسند الإمام أحمد، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله يئس أن يعبده المصلون، ولكن رضي بما تحتقرون، بما تحتقرون من أعمالكم»، أي من الذنوب التي تحتقرونها، رضي بذلك. فهو يوسوس للعبد ويأزمه على المعصية، ثم يجعله يحتقر هذا الذي يفعله. وكذلك أيضًا جاء في لفظ في الترمذي، من حديث عمر بن حفص بن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ألا وإن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في بلادكم هذه، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به». فهذا يؤزهم لأجل أن يحتقروا هذه الأعمال الصالحة. وجاء أيضًا كذلك الحديث عن جابر: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب». فهذا كله يدل على ما يفعله الشيطان من هذه الأمور التي يقع فيها بني آدم في الذنوب والمعاصي. كذلك أيضًا من مداخله وأهدافه، أنه يوقع الفتنة بين أهل الإسلام، سواء كانت الفتنة عامة كما جاء في الحديث: «ولكن رضي بالتحريش بينهم»، فتنة عامة، أو فتنة خاصة بين الخاصة، حتى بين الرجل وزوجته، حتى بين الرجل وزوجته، وبين الأخ وأخيه، والصديق والصديقة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾. وأيضًا جاء في حديث جابر في صحيح مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الشيطان ينصب عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، يبعث جنوده، ثم يأتيهم أو يأتيه هؤلاء الجنود، فيقول: ذاك فعل كذا وفعل كذا، فيضمه ويقربه». وجاء في رواية: أنه يأتي الشخص فيقول: «لزمت به حتى فرقت بينه وبين زوجته». حتى فرقت بينه وبين زوجته، قال: «فيضمه ويأخذه ويقول: أنت أنت». معنى هذا الذي أردته أنكم تفرقون بين الرجل وبين زوجته؛ لأن فراق الرجل بزوجته هو إضاعة للأسرة؛ لأنه إذا ضيعت أو إذا تفرق الرجل مع زوجته، ضاع الأولاد، وضاعت تربيتهم، وكذا. فلهذا كان الشيطان يحرص على مثل هذه الأمور. فهذه شيء مما يذكر، إن شاء الله تعالى، نكمل في درس لاحق في أهداف الشيطان في محاربة بني آدم. فهناك له أهداف، كما قلنا، أهداف بعيدة، وهي الهدف الوحيد، وهو إدخال الناس النار والعياذ بالله، وإجعلهم يتبعونه ومن جنوده. وكذلك أيضًا الهدف، وهناك أهداف قريبة، أي في هذه الحياة، غالبًا، وهو ما ذكرنا. وإن شاء الله أيضًا بقيت أهداف نذكرها في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، الله تعالى أعلم.