الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح المقطع معاني الأسماء الحسنى الثلاثة: الخالق، البارئ، المصور، مستدلاً بآية الحشر 24، ويبين أن الله منفرد بخلق المخلوقات من العدم وتقديرها وإحكام صورها. كما يوضح أن الخالق يقدر الأشياء بحكمته، والبارئ يوجدها، والمصور يشكلها بالصورة اللائقة مستشهداً بآيات حسن التصوير.
يفصل المقطع كيف تتجلى أسماء الخالق والبارئ والمصور في مراحل خلق الإنسان: التقدير بالحكمة، ثم الإيجاد من العدم، ثم التصوير على أحسن هيئة. ويضرب مثالاً بتكوين أعضاء الإنسان في مواضعها المناسبة دليلاً على إحكام الصنع الإلهي.
يبين المقطع معنى اسم البارئ بالإيجاد من العدم، ثم يوضح تكامل الأسماء الثلاثة لتدل على مراحل الخلق من التقدير إلى الإيجاد فالتصوير. ويختتم المحاضرة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: "الخالق، والبارئ، والمصور". قال: وقد جمع الله هذه الأسماء الثلاثة في قوله سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: 24]. قال: أي هو المنفرد بخلق جميع المخلوقات، وبرأ بحكمته جميع البريات، وصور بإحكامه وحسن خلقه جميع الكائنات، فخلقها وأبدعها وفطرها في الوقت المناسب لها، وقدر خلقها أحسن تقدير، وصنعها أتقن صنع، وهداها لمصالحها، وأعطى كل شيء خلقه اللائق به، ثم هدى كل مخلوق لما هيئ وخلق له. إذن، جمع هذه الأسماء على هذا الترتيب: الخالق، البارئ، المصور، يتبين لنا معاني هذه الأسماء العظيمة: أن الله عز وجل هو المتفرد بخلق جميع المخلوقات، فلا خالق غيره سبحانه وتعالى. ومعنى خلقها: أنه أوجدها من العدم بعد أن كانت معدومة غير موجودة ولا معلومة، فخلقها الله سبحانه وتعالى. وكذلك برأها فأوجدها من العدم، ثم صورها فأحسن تصويرها، صور هذه المخلوقات بالصورة اللائقة بها: الحيوان على هذه الصورة، الطير على هذه الصورة، الإنسان على هذه الصورة، وهكذا كل مخلوق صوره الله سبحانه وتعالى بالصورة المناسبة له. قال: فالخالق هو المقدر للأشياء على مقتضى حكمته، بمعنى أنه قدرها وأوجدها سبحانه وتعالى على ما شاء وما أراد. والبارئ: الموجد لها بعد العدم، أي بعد أن كانت معدومة غير موجودة. قبل خلق الله عز وجل لها لم تكن معروفة، فلما خلقها الله وبرأها علمت ووجدت، وأصبح لها ذكر، وأصبح لها اسم. قال: والمصور: أي المخلوقات والكائنات كيف شاء، كما قال الله عز وجل: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: 8]. قال بعض السلف: لو شاء الله أن يجعلك على صورة حمار أو على صورة كلب لفعل ذلك، الله عز وجل قادر على ذلك: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. لكن الله عز وجل ركب هذا الإنسان على أحسن صورة، ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: 3]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]. يعني: تفكر الإنسان في نفسه، في الهيئة التي خلقه الله عز وجل عليها: له جسد، له رأس في الأعلى، له عينان وأنف وفم وأذنان، ويدان وقدمان. تخيل لو كانت القدمان في الأعلى والرأس في الأسفل واليدان في الوسط، كيف سيكون حال الإنسان؟ كيف سيكون شكله وصورته؟ لكن الله عز وجل صور هذا الإنسان فأحسن صورته سبحانه وتعالى. قال: فالبارئ والمصور فيهما -كما قال من القيم- تفصيل لمعنى اسم الخالق. يعني في قول عز وجل: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، البارئ والمصور تفصيل لمعنى اسم الخالق، تفصيل لمعنى اسم الخالق. قال: فالله عز وجل إذا أراد خلق شيء قدره بعلمه وحكمته، يعني قدر خلقه: كيف سيخلقه، على أي صورة، وعلى أي هيئة. قال: ثم برأه، أي أوجده وفق ما قدر، يعني بعد أن كان معدومًا، في الصورة التي شاءها وأرادها سبحانه. قال: فانتظمت هذه الأسماء الثلاثة حسب ترتيبها في الآية على الخلق أولاً، وهو تقدير وجود المخلوق: الخالق، أي الذي قدر وجود المخلوقات، فهي وجدت بتقدير الله، ووجدت بإرادة الله سبحانه وتعالى. قال: ثم بريه، وهو إيجاده من العدم، البار: بمعنى أوجده من العدم بعد أن كان معدومًا. قال: ثم جعله بالصورة التي شاءها سبحانه. فحينئذ انتظمت هذه الأسماء الثلاثة، وكانت مبينة بعضها لبعض: الخالق، البارئ، المصور. طيب، إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.