التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 4

التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 4

الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

معنى اسمي الله الخالق والخلاق ودلالة ضمير الفصل

يُبيّن المقطع الفرق بين اسمي الله "الخالق" و"الخلاق"، موضحاً أن "الخلاق" صيغة مبالغة تدل على كثرة الخلق، وأن ضمير الفصل "هو" في الآيتين يفيد الحصر والتفرد بالخلق. كما يوضح أن لفظ "الخلق" يطلق على إيجاد الشيء من عدم وعلى التقدير والتسوية، وأن الغاية من الخلق هي العبادة والتوحيد.

تفرد الله بالخلق والفرق بين الخلق الإلهي والبشري

يشرح المقطع الفرق اللغوي والشرعي بين الخلق البشري الذي يعني التقدير والتهيئة، والخلق الإلهي الذي هو إيجاد من العدم لا يشاركه فيه أحد. ويستدل بآيات قرآنية تثبت انفراد الله بالخلق وتنزهه عن العبث، مبيناً أن الغاية من الخلق هي العبادة والتوحيد.

غاية خلق الإنس والجن وضرورة الحساب يوم القيامة

خلق الله الإنس والجن لغاية عظيمة هي عبادته وحده، ولم يخلقهم عبثاً للأكل والشرب واللهو. وبين القرآن أن الخلق ليس عبثاً بل لغاية عظيمة هي العبادة، وأنهم سيرجعون إلى الله ليحاسبوا على أعمالهم، فيجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته يوم القيامة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف -فقه الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: "الخالق والخلاق". قال: وقد ورد اسم الله "الخالق" في القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24]. وورد بصيغة المبالغة "الخلاق" على وزن "فعال"، وهي صيغة من صيغ المبالغة التي تدل على الكثرة. مثل ما تقول مثلاً: فلان تصفه بشيء تريد أن تكثر يعني من ما يفعله، فتقول: بدل ما تقول مثلاً "فلان يغفر يغفر" فتقول "غفار"، يعني يغفر ويعفو عمن أساء إليه. مثلاً فتصفه بالكثرة في ذلك، أو مثلاً: فلان ينفق فتقول "فلان نفاق"، أي كثير النفقة. قال: في موضعين من القرآن، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر: 86]، وقوله: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: 81]. وهنا نرى في الآيتين الإتيان بضمير الفصل في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ﴾، جاء بهذا الضمير يفصل بين اسم "إن" وخبرها، وهذا يفيد الحصر. لو قال: "إن ربك الخلاق العليم" لم يفد هذا الحصر أنه لا يوجد غيره، لكن قوله: ﴿هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ معناه: هو المتفرد بذلك، فلا خالق إلا الله سبحانه وتعالى. قال: والخلق يطلق ويراد به أمران: أحدهما: إيجاد الشيء وإبداعه على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71]. "خلقنا لهم" بمعنى: أوجدناها لهم، ولم يكن لها مثال سابق. ما كانت موجودة هذه الأنعام -الإبل والبقر والغنم- قبل خلق الله عز وجل، كانت عدماً، كانت عدماً غير موجودة وغير معروفة، فأوجدها الله سبحانه وتعالى بعد خلقه لها. وهكذا خلقه للإنسان، وخلقه للحيوان، وكذلك الجبال والبحار، إلى آخر ذلك. والثاني: بمعنى التقدير، الخلق بمعنى التقدير. ومنه قولهم: "خلق الأديم"، أي قدره، والأديم: بمعنى الجلد. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17]، ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، "إفكاً" يعني: كذباً وافتراء وباطلاً، أي: تقدرونه وتهيئونه، تقدرونه وتهيئونه بمعنى: يهيئ الكذب والافتراء ويزينه ويرتبه، نحو ذلك. قال: فالخلق في نعوت الآدميين معناه التقدير. لما يقال: "فلان خلق هذا الباب"، إيش معنى "خلق هذا الباب"؟ يعني: هيأه وقدره، هيأه وقدره. وتقول مثلاً: "خلق هذه السيارة"، بمعنى: قدرها وهيأها. ليس الخلق هنا بمعنى: أوجدها من العدم ولم تكن شيئاً موجوداً، هذا ليس لأحد إلا لله سبحانه وتعالى. قال: أما الخلق الذي هو إبداع الشيء وإيجاده على غير مثال سابق فمتفرد به رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: 3]. "خالق" هنا نكرة في سياق الاستفهام فتفيد العموم، أي أنه لا خالق إلا الله. وهذا الاستفهام استفهام إنكاري، استفهام إنكاري: هل هناك خالق يخلق غير الله سبحانه وتعالى؟ يا من تدعون أن هناك من يخلق، فهذا إنكار لمن زعم أن هناك خالق غير الله سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان: 11]. والمعنى: أنه عز وجل هو المتفرد بالخلق، فمن زعم أن هناك إله غير الله سبحانه وتعالى فأين خلقه للمخلوقات؟ لأن الإله من صفاته أنه يخلق، فماذا خلق هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله سبحانه وتعالى من الخلق؟ قال: وخلق الله لهذه المخلوقات لم يكن لهواً ولا عبثاً، تنزه الرب وتقدس عن ذلك، بل خلقهم ليعبدوه ويوحدوه. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. فتعالى الله الملك الحق، لا إله إلا هو رب العرش الكريم. إذا علمنا أن الله عز وجل هو المتفرد بالخلق، فخلق الله عز وجل ليس عبثاً. الله عز وجل ما خلق السماوات ولا الأرض، ولا كذلك خلق الخلق والإنس والجن من أجل أن يلعبوا وأن يلهوا وأن يأكلوا وأن يشربوا وأن ينكحوا، وإنما خلقهم لغاية عظيمة وهي عبادته سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، إلا ليعبدون. هذه الغاية والحكمة التي لأجلها خلق الله الإنس والجن. وهنا قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾، يعني: من أجل أن تأكلوا وتشربوا وتلهوا وتلعبوا، لا تؤمرون ولا تنهون. هذا العبث إذا كان وجود الإنسان لغير غاية ولغير حكمة ولغير مقصد. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، إذن هذا المخلوق الذي خلقه الله سبحانه وتعالى سيرجع إلى الله، سيعود إلى الله، سيكون له يوم يقف فيه بين يدي الله سبحانه وتعالى يحاسبه على أعماله. إذا كان اليوم يعمل ولا يحاسب، هذا يعمل الخير وهذا يعمل الشر، هذا يلتزم بالأوامر والواجبات ويقوم بالطاعات، وهذا يتمرد على أوامر الله سبحانه وتعالى ويضيعها ولا يفعلها، وهذا يجتنب المحرمات ولا يرتكبها، وهذا لا يبالي بفعل المحرمات وبفعل المنكرات، هل يعقل أن تكون عاقبتهما سواء؟ هل يعقل أن تكون عاقبتهما سواء؟ كلاهما في درجة واحدة أو في منزلة واحدة، وكلاهما مثلاً تكون له العاقبة الحسنة؟ أبداً، هذا ما يقر به عقل صحيح وسليم. فلذلك لا بد أن يوجد يوم يحاسب كل منهما على عمله، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. فهذا معنى قوله عز وجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، فتعالى الله الملك الحق. تعالى الله أن يكون خلقه عبثاً لا لحكمة ولا لغاية ولا لمقصد، لا إله إلا هو رب العرش الكريم. إذن علمنا أن اسم الله "الخالق" و"الخلاق" يدل على خلق الله عز وجل للمخلوقات، وأنه أوجدها من العدم وأنشأها على غير مثال سابق، وخلقه لهذه المخلوقات لحكمة عظيمة ولغاية جليلة وهي عبادته سبحانه وتعالى وتحقيق توحيده والقيام بطاعته، وأنهم سيحاسبون على أعمالهم وسيردون إلى الله ويقفون بين يدي الله سبحانه وتعالى يجازي كل بما يستحق على عمله. طيب، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر