التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 6

التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 6

الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

معنى الملك والمليك ودلالتهما على التوحيد

يشرح المقطع معنى اسمي الله "الملك" و"المليك" الدالين على انفراده سبحانه بملك كل شيء وتصريف شؤون المخلوقات بلا شريك. ويبين أن إقرار العبد بتفرد الله بالربوبية والملك يلزمه إفراده بالعبادة والألوهية استدلالاً بالآيات القرآنية.

استحقاق الله للعبادة بتفرد الملك وعجز الأنداد

يقرر المقطع أن تفرد الله بالملك يستلزم تفرده بالألوهية واستحقاق العبادة، وأن عبادة من لا يملك ضراً ولا نفعاً هي أظلم الظلم. ويستدل بقول إبراهيم وآيات سورة فاطر التي تقرر أن المدعوين من دون الله لا يملكون من قطمير.

عجز الأصنام عن الخلق والنفع وإثبات ألوهية الله

يستعرض المقطع آيات سورة الفرقان وسورة الحج المبينة لعجز الآلهة المعبودة من دون الله عن خلق ذباب فضلاً عن أشياء أكبر، فهم مخلوقون لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً. ويخلص إلى أن العبادة بجميع أنواعها لا تصح إلا لله وحده المالك الخالق.

إخلاص العبادة لله الملك العظيم خاتمة الدرس

يؤكد المقطع وجوب صرف جميع العبادات لله وحده لأنه الملك العظيم والخالق المدبر للكون لا شريك له. ويختتم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف - فقه الله - في رسالته "مختصر فقه الأسماء الحسنى": قال: "الملك والمليك". قال: وقد ورد اسم "الملك" في القرآن الكريم في خمسة مواضع، منها قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾، وورد اسم "المليك" في موضع واحد، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾. إذن، من أسماء الله: الملك والمليك، وهذان الاسمان دالان على أن الله سبحانه ذو الملك، أي: صاحب الملك المتفرد به سبحانه وتعالى، أي: المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة. فكل شيء هو ملك لله سبحانه وتعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، لله ما في السماوات وما في الأرض، أي: الذي في السماء والذي في الأرض، كله ملك لله سبحانه وتعالى. ما في السماء من الملائكة، وما في الأرض من جن وإنس، وشجر وحجر، وبحار وأنهار، ودواب وحيوانات، وغير ذلك من المخلوقات، كلها ملك لله سبحانه وتعالى. قال: وقد تكرر في القرآن الكريم بيان أن تفرد الله بالملك لا شريك له، دليل ظاهر على وجوب إفراده وحده بالعبادة. قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾. فالله عز وجل كثيرًا ما يقرر في القرآن ويذكرنا بأن تفرده جل وعلا بالربوبية يلزم به أن من أقر بذلك أن يفرده سبحانه وتعالى بالألوهية وبالعبادة. ومن أمور الربوبية أن الله عز وجل هو المالك لجميع المخلوقات، فإذا كان له الملك ولا شريك معه جل وعلا في ملكه، وجب كذلك أن لا يكون له شريك في ألوهيته وفي عبادته. لهذا قال الله جل وعلا: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾، له الملك، ما قال: "الملك له"، بل قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾، وقدم الجار والمجرور لإفادة الحصر: له الملك، أي: ليس لغيره سبحانه وتعالى، بل الملك له عز وجل وحده. ثم قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، له الملك، لا إله إلا هو، أي: هذا الذي له الملك هو الذي لا إله إلا هو، أي: لا معبود بحق إلا هو سبحانه وتعالى. ومعنى هذا: أنه إذا كان الله جل وعلا المتفرد بالملك، فهو المتفرد بالعبادة والمستحق للألوهية وحده دون من سواه. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾، أي: عن عبادته، وعن توحيده، وعن ألوهيته، وتتخذون آلهة من دون الله سبحانه وتعالى، وأنتم تقرون بأن الله عز وجل هو المالك المتفرد بالملك سبحانه وتعالى. قال: وأن عبادة من سواه ممن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا حياة ولا موتًا ولا نشورًا، أظل الظلال وأبطل الباطل. نعم، كل إنسان يتخذ إلهًا من دون الله سبحانه وتعالى وهو عاجز لا يملك من الأمر شيئًا، هذا من سخافة العقول. ومن أعظم أظلال الظلال أن يتخذ الإنسان إلهًا وهو لا يملك من الأمر شيئًا، لا يستطيع أن ينفع نفسه فضلًا أن ينفع غيره، ولا أن يدفع الضر عن نفسه فضلًا أن يدفعه عن غيره. ولهذا لما عاب إبراهيم عليه السلام على أبيه وقومه عبادتهم للأصنام، قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟ من كان كذلك ما يستحق أن يعبد وأن يتخذ إلهًا. كيف تدعو من لا يسمعك؟ وكيف تعبد من لا يبصرك؟ وكيف تستغيث وتدعو من لا يستطيع أن ينفعك بشيء؟ هذا من سخافة العقول أن تتخذ إلهًا عاجزًا، يعني: موصوفًا بوصف العجز من جميع جوانبه. وقد ورد في القرآن آيات عديدة تقرر هذه الحقيقة وتجلي هذا الأمر، كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾. ذلكم الله ربكم له الملك، هذا ربكم وخالقكم وإلهكم الذي تفرد بالملك سبحانه وتعالى، فهو المالك لجميع المخلوقات، هو المستحق للعبادة. والذين تدعون من دونه، يعني: من الآلهة، من أصنام أو أشجار أو أحجار أو أنداد، حقيقة أمرهم أنهم عاجزون لا يملكون من الأمر شيئًا، لا من السماوات ولا من الأرض مقدار القطمير. ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، والقطمير هو: لفافة النواة، نواة التمرة، الغشاء الذي عليها، هذا هو القطمير. وهذا معنى أنهم يعني: عاجزون ضعفًا، ما يملكون من الأمر شيئًا، حتى القطمير ما يملكونه، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ كيف يستطيعون أن يدفعوا عنكم ضرًا أو يجلبوا لكم نفعًا، أو يدخلوكم الجنة أو ينجوكم من النار؟ أبدًا ما يستطيعون ذلك. قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾. اتخذوا، أي: هؤلاء المشركون الذين عبدوا من دون الله سبحانه وتعالى آلهة دون الله، اتخذوا من دونه آلهة، جعلوها بمنزلة الألوهية. ﴿لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، هذه الآلهة عاجزة أن تخلق شيئًا، ما تستطيع أن تخلق أي شيء. ﴿لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، "شيئًا" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أي: أي شيء من الأشياء، ولو ذبابًا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، لو اجتمعت جميع الآلهة التي تعبد من دون الله على أن يخلقوا ذبابًا ما استطاعوا، لعجزهم وضعفهم. ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، إذا أخذ الذباب منهم شيئًا ما استطاعوا أن يأخذوه منه ويردوه من الذباب. هذا من ضعفهم، ضعف الطالب والمطلوب. لا ذباب ولا بعوضة ولا نحو هذه المخلوقات الحقيرة ما يستطيعون أن يخلقوا مثلها، فضلًا أن يخلقوا ما هو أعظم من ذلك. وحقيقة أمرهم أنهم مخلوقون: ﴿لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، هم مخلوقون، خلق من خلق الله. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا﴾، يعني: ما يستطيعون أن يدفعوا الضر عن أنفسهم. هذا الإله الآن الصنم، لو جاء إنسان وكسره، هل يستطيع أن يدفع عن نفسه؟ ما يستطيع، عاجز. كيف يتخذ هذا إلهًا؟ أين العقول؟ ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾، ما يستطيعون أن يميتوا أحدًا، ولا أن يحيوه، ولا أن يبعثوه من قبره بعد موته. هذه الأمور كلها بيد المالك الخالق سبحانه وتعالى. فتبين من هذا أنه هو المستحق عز وجل للعبادة وحده. قال: ومن لا يملك في هذا الكون ولا مثقال ذرة، لا يجوز أن يصرف له شيء من العبادة، سواء كانت العبادة قولية أو فعلية، ظاهرة أو باطنة، مالية، جميع العبادات لا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى: من خوف ورجاء، ومحبة ورغبة ورهبة، وإنابة وتوكل، ودعاء واستغاثة، وذبح ونذر، وسجود، إلى آخره. كل هذه العبادات لا تصرف إلا لله سبحانه وتعالى، إذ العبادة حق للملك العظيم، والخالق الجليل، والرب المدبر لهذا الكون، لا شريك له، عز شأنه، وعظم سلطانه، وتعالى جده، ولا إله غيره. طيب، الله هنا... صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.