التعليق على الجواب الكافي 111

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 111، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حقيقة الشرك وتشبه الإنسان بالله

يناقش هذا الفصل حقيقة الشرك بالله وتشبه الإنسان به، ويستعرض آراء ابن القيم وأحاديث النبي التي تنهى عن التكبر والتشبه بالله. يشرح أيضًا عقوبة المتكبرين والمصورين يوم القيامة.

تحذير من التشبه بالله في الخلق والأسماء والخصائص

يشرح هذا الفصل تحريم التشبه بالله في الخلق والأسماء والخصائص، مستندًا إلى أحاديث نبوية، ويبين أن ادعاء الصفات الربوبية للغير هو شرك بالله. يشدد النبي على خطورة التسمية بأسماء الله أو ادعاء صفاته.

أهمية الشكر لله تعالى

يؤكد هذا الفصل على أهمية شكر الله تعالى على نعمه، ويعبر عن ضرورة الاعتراف بالنعم الإلهية والقيام بشكر الله عليها. يشدد على أن الشكر يكون بالقول والعمل.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، إن شاء الله نقرأ في كتاب الجواب الكافي لابن القيم رحمه الله. قال رحمه الله تعالى في ذكر حقيقة الشرك: «وأن حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به، على أن الشرك لا يخرج عن هذه الحقيقة، إما أن يشبه المخلوق بالخالق أو يشبه الخالق بالمخلوق». فقال: «هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به»، تشبيه المخلوق به. فذكرنا التشبه بالخالق، ثم قال رحمه الله: «وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر، ودعا الناس إلى إطرائه في المديح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الإهانة، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه». أراد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يحشر المتكبرون يوم القيامة في مثل صغر الذر»، والذر يقال: النمل الصغير، ويقال: أصغر الأشياء. قالوا: في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته». وهذا الحديث في صحيح مسلم، أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قال الله عز وجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته». وجاء في رواية ابن ماجة: «فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في النار». فهذا الذي يتكبر، وأيضًا يجعل شيئًا في نفسه أو يطلبه من الناس، يكون مثلًا شيء من خصائص ربوبية الله وألوهيته. قالوا: إذا كان المصور الذي يصنع الصور بيده من أشد الناس عذابًا يوم القيامة لتشبهه بالله في مجرد الصنع -أن الله عز وجل هو الخالق، وهذا المصور كأنه يريد أن يصنع مثل الله جل وعلا- قال: فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والألوهية؟ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم». هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود. هذا التصوير الذي يصور ويرسم، سواء كان يرسم أو ينحت. وهل يدخل فيه هذا التصوير الفوتوغرافي؟ صحيح أنه يدخل؛ لأنه صورة. ومن صورة عذب بها في النار. وهل يدخل فيه هذا المباشر أو الفيديو؟ فهذا قد يكون فيه منازعة؛ لأن الفيديو يأتي لك بشيء مباشر خاصة الآن. أما قبل كان يكون أولًا حبس ظل، فيحبس أولًا ظلًا، وهذا الظل يعتبر صورة. لكن الآن غالبًا لا يحبس ظلًا وإنما يكون مباشرًا. فلهذا بعض العلماء سهل فيه، وبعض العلماء جعله مثل الصور؛ لأن المباشر الذي لا يحبس ظلًا يعتبر مثل المرآة. ولهذا دخل كثير منها العلماء من هذا الباب. قالوا: في الصحيحين عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة». وهذا الحديث أخرجه أيضًا البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. وهذا الحديث فيه أن الله عز وجل يبين أن من أظلم الناس الذي يريد أن يتشبه بالخالق جل وعلا. فمن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة. والذرة كما قلنا إما النملة الصغيرة وإما المراد به ما هو أصغر شيء. أنا لا يستطيع أن يخلق أصغر شيء، أصغر مخلوق لا يستطيع أن يخلقه. فلهذا لأنه عاجز، فكيف يصور مخلوقات الله جل وعلا؟ قال: فنبه بالذرة والشعير على ما هو أعظم منها وأكبر. والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة وصوره، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؟ يريد الإمام أن يثبت أن هذا من أعظم الشرك الذي ينازع الله عز وجل في خصائص ربوبيته. مثلًا يقال: إنه يسمع كل شيء ومن كل مكان، فهذه خصيصة من خصائص ربوبية الله؛ معنى أن سمع الله عز وجل وسع كل شيء. فإذا ادعى العبد أو ادعي له أنه يسمع كل شيء، وأن سمعه يسع كل شيء، فهذا ادعى صفة من صفات ربوبية التي هي مختصة بالله جل وعلا. ولهذا قال العلماء: فالذي يقول مثلًا: يا عبدالقادر الجيلاني، ويا ابن علوان، ويا كذا، وهو بعيد، فهذا عنده شرك في الربوبية. وكذلك الشرك في الألوهية. الشرك في الربوبية أنه جعل هؤلاء كما يدعى مثلًا أنهم أولياء، جعلهم يسمعونه من كل مكان، يسمعونه من كل مكان، وأيضًا ينفعونه أو يضرونه، إذا اعتقد فيهم النفع والضر، فهذا كل من خصائص الربوبية وأفعال الله عز وجل. فاعتقادها في الأموات أو في غيرهم، وهو شرك شرك في ربوبية الله جل وعلا. قال: وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الملوك وحاكم الحكام ونحوه. أنه لا ينبغي أن يتشبه بالله عز وجل في الأسماء. يقال: ملك الملوك. قال: قد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل يسمى ملك الملوك؛ لا ملك إلا الله». وفي لفظ: «أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك». وهذا الحديث أيضًا متفق عليه من حديث أبي هريرة، وليس فيه ملك الملوك، وإنما هذه الزيادة من بعض الرواة. وإنما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أغيظ رجل عند الله عز وجل رجل تسمى شاه شاه -أو قال: بملك الأملاك-». فقال سفيان: مثل شاه شاه عند الفرس، شاه شاه: ملك الأملاك أو ملك الملوك. وهذا اسم الله جل وعلا، وصفة الله سبحانه وتعالى، فهو ملك ملك الملوك جل وعلا، وملك الأملاك. قال: فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فهو سبحانه ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، وهو الذي يحكم على الحكام كلهم ويقضي عليهم كلهم لا غيره. فلهذا من تشبه به في مثل هذه الأمور، فهو ادعى صفة ليست له، وإنما هي لله جل وعلا. وهذا من أعظم المحادة لله سبحانه وتعالى. أن الرجل يتصف بصفات الرب جل وعلا التي اختص بها، سواء كان صفات الألوهية أو صفات الربوبية، فكل ذلك لا يجب للعبد أن يتصف بها التي يختص بها ربنا سبحانه وتعالى. وإن سميت أن أحيانًا تسمى الصفة نفسها، لكن ليس كمثله شيء. مثلًا كما قلنا: السمع، السمع هذا المخلوق يسمع، والله عز وجل يسمع، لكن سمع الله عز وجل ليس كسمع المخلوق. فسمع المخلوق محدود وناقص، يسمع إلى مكان محدود. وأما سمع الله عز وجل لا حد له، بل هو كامل من كل الوجوه. ولهذا كما قلنا: من ادعى أن ميتًا أو وليًا أو حيًا أو كذا يسمع كسمع الله عز وجل، أن يسع سمعه كل مكان، ويسمع من كل مكان، فهذا ادعى أن هناك من يشابه الله عز وجل في الصفة الربوبية. فلهذا كما قلنا: أن هذا لا يجوز. وكذلك أيضًا في الإدراك والإحاطة، صفة الإدراك والإحاطة هي لله عز وجل، وهو بكل شيء محيط. فالذي يدعي أن هناك وليًا أو ميتًا يدرك كل شيء ويعرف كل شيء، فإنه ادعى أنه مثل الله جل وعلا. أو أنه ادعى كذلك مثل غلات أهل التصوف، يدعون الصفات التي لا تكون إلا لله جل وعلا. حتى بعضهم يدعي أنه يعلم كل شيء، حتى ما يكون في الجنة والنار، وهو يدعي أنه يعلم. وهذا أيضًا من المحادة لله عز وجل أعظم المحادة. فخلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هنا: أن الشرك بالله جل وعلا، وحقيقة الشرك إما أنه تشبه، تشبيه الله عز وجل بالمخلوق، أو تشبيه المخلوق بالخالق سبحانه وتعالى. ولهذا تجد أهل شرك وقعوا في أن شبهوا المخلوق بالخالق، وأهل التعطيل والحادة شبهوا الخالق بالمخلوق. شبهوا الخالق بالمخلوق، وكلاهما قد وقع في الشرك العظيم. فهذا خلاصة ما يذكر، وما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله. فنكتب به لله تعالى سبحانه وتعالى شكرًا.