الدرس في التعليق على الجواب الكافي 109، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الإمام حقيقة الشرك وتأثير انتكاس القلوب على فهم الناس للتوحيد والتشبيه. يوضح أن انتكاس القلوب أدى إلى اعتبار التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما.
يحدد المشرك المخلوق بالخالق في خصائص الألوهية مثل ملك الضر والنفع. تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل على غير الله يعتبر شركاً بالله.
النص يحذر من اتخاذ الوسائط في الدعاء ويبين بطلانه، مشيراً إلى قرب الله من الداعي. كما يأمر الله بدعائه ويتوعد المستكبرين بدخول جهنم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام القيب رحمه الله تعالى: فصل حقيقة الشرك. قال: إذا عرفت هذه المقدمة، فتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول -ومن الله وحده نستمد الصواب-: حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات الصفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. عكس الأمر من نكس الله قلبه، فوعمى عين بصيرة، أن يقول: حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به. فمن تشبه بالخالق جل وعلا في أموره التي اختص بها سبحانه وتعالى، فقد شارك الله عز وجل في ربوبيته. وكذلك من شبه المخلوق به، وأعطاه الصفات التي اختص بها ربنا سبحانه وتعالى، فهو قد أشرك به. فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون، هل تعلم له سمية أي مشابه ومساوي؟ فكيف يجعل الله عز وجل ندا، معنى أنه مثله سبحانه وتعالى، وهو الخالق الرازق جل وعلا، ولم يكن له كفوا أحد، لا يكافئه أحد ولا يساويه ولا يدانيه جل وعلا، وهو المتفرد بالوحدانية والربوبية جل وعز. لكن لما انتكست الفطر وانتكست القلوب وأعمى الله عز وجل بصائر أناس، فصار عندهم العكس، فجعلوا ما كان كمالا لله، وهو وصفه سبحانه وتعالى بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، جعلوه كفرا وشركا كما يفعل كثير من المعتزلة والأشاعرة، وهذا انتكاس عظيم. قال: فعكس الأمر، بل نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته وأركسه بكسبه، وجعل التوحيد تشبيها والتشبيه تعظيما وطاعة. فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، المشرك مشبه للمخلوق، جعل للمخلوق ما للخالق جل وعلا من خصائص وخاصة خصائص الألوهية. قال: فإن من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، ذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل عليه وحده. فمن اعتقد أن هناك من يضر من غير الله جل وعلا، فهذا مشرك، كذلك أنه ينفع من دون الله سبحانه وتعالى، أن له حق الضر والنفع، يضر وينفع أي بنفسه، فهذا يعتبر أنه جعله شريكا لله. فالضار والنافع هو الله سبحانه وتعالى، وهو المعطي جل وعلا والمانع. فمن أعطاه الله عز وجل شيئا، فمن ذا الذي يمنعه منه؟ فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. قال: والخوف والرجاء والتوكل عليه وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق. أن الخوف مراد به الخوف خوف السر، أن الخوف الذي يعتقد فيه أنه سيضره أو ينفعه، أن يخاف منه حتى أنه يعتقد أنه لو لم يفعل أو فعل، فإنه يخاف أن يضره هذا الشخص أو ينفعه بذاته، خاصة بالاعتقاد أن يعتقد مثلا في ميت أو في صنم أو في شجرة أو حجر، إذا اعتقد هذا الاعتقاد فإنه مشرك لأنه أعطى لهذا الوثن ما لله عز وجل، وأنه يعتقد أنه سيضره. وهذا الذي سميه العلماء خوف السر، فإنه يقول: إن فعلت كذا سيأتي الولي الفلاني ويؤذيني، وإن لم أفعل فسيأتي الولي الفلاني ويؤذيني أو كذا، فهذا كله من خوف السر الذي هو شرك بالله جل وعلا. قال: فمن علق ذلك بالمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، فضلا عن غيره. كما قال الله عز وجل: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا﴾، كيف تكون هذه آلهة وهي ليس لها هذه الصفات؟ وقال الله عز وجل لما اتخذ بنو إسرائيل العجل: ﴿لم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾، مع أن كيف يكون إله وهو لا يتكلم؟ وأيضا لا يدلهم على الطريق، ولا أيضا بيده شيء. قال: تشبيها لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيديه ومراجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات، أن يشبه المخلوق بالخالق سبحانه وتعالى، وهذا من أعظم الشرك بالله جل وعلا. ولو كانت الأعذار مهما كانت، ولو كان كما يقولون هؤلاء: جهل الشرك أن هؤلاء كانوا أخلص لله منا وأقرب لله منا، فندعوهم ونستغيث بهم حتى يستغيث بالله أو حتى يدعو الله، فهذا كلام باطل. فالله عز وجل قد قطع هذه الوسائط العلا، وقال جل وعلا: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. وقال جل وعلا: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾، أي: هؤلاء الذين صرفوا عن عبادة الله لعبادة غيري أو دعاء غيره، فإنهم سيدخلون جهنم داخرين. كما ذكر الله عز وجل. وإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.