الحث على حج بيت الله الحرام

الخطبة بعنوان الحث على حج بيت الله الحرام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٥ شعبان ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فريضة الحج وشروط وجوبها

الحج ركن من أركان الإسلام وفرض على كل مسلم بالغ عاقل قادر حر، مع استثناء الصبي والمجنون وغير المستطيع بدنيًا أو ماليًا. كما تشترط للمرأة وجود محرم للسفر استنادًا إلى الآيات والأحاديث الصحيحة.

اشتراط المحرم للمرأة وحكم تعجيل الحج

يجب على المرأة أن تصحب محرمًا في سفر الحج، ولا يصح سفرها مع نساء فقط، ويؤكد العلماء وجوب تعجيل أداء الفريضة فور الاستطاعة محذرين من التسويف. ترك الحج مع القدرة يستوجب الوعيد الشديد بينما فضله عظيم.

فضائل الحج والعمرة في السنة النبوية

الحج المبرور يعد من أفضل الأعمال بعد الإيمان والجهاد، يكفر الذنوب ويعيد الحاج كيوم ولدته أمه، والمتابعة بين الحج والعمرة تنفي الفقر والذنوب. الحجاج والعمار وفد الله يُعطون ما سألوا، وخير الدعاء دعاء يوم عرفة، والحج جهاد النساء، والعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

الختام بالدعاء والاستغفار

يختتم المتحدث بالدعاء إلى الله بالتوفيق لأداء الفرائض والطاعات، طالبًا المغفرة والرحمة والتوبة للجميع. ويختتم الحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من أركان الإسلام ومبانيه العظام حج بيت الله الحرام، فالحج فريضة فرضها الله سبحانه وتعالى بالكتاب والسنة، وأجمعت على ذلك الأمة. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. وفي الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت النبي عليه الصلاة والسلام، فكرر الرجل ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم». أيها المسلمون، عباد الله، إن هذه الفريضة من يسر الله عز وجل ومن رحمته بخلقه أن جعلها واجبة على كل بالغ عاقل قادر حر. فأما الصبي فلا يجب عليه الحج، وإنما إن حج قبل منه وصح حجه، ولم يغنه عن حجة الإسلام، لما جاء في الصحيحين أو في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أن امرأة رفعت صبيًا لها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: يا رسول الله، أعلى هذا حج؟ فقال: «نعم، ولك أجر». وكذلك لا يجب الحج إلا على العاقل، فالمجنون الذي جنونه قبل البلوغ لا حج عليه، وأما إن جاءه الجنون بعد البلوغ وكان فترة في بلوغه عاقلًا فيجب عليه الحج، فإن ملك ما لا يستطيع به الحج أناب غيره فحج عنه. وكذلك لا يجب الحج إلا على القادر المستطيع، بقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. والقدرة تشمل قدرة المال وقدرة البدن، والقدرة أنواع: فمنهم من يكون قادرًا ببدنه وماله، فهذا يجب عليه الحج. ومنهم من يكون قادرًا بماله عاجزًا ببدنه، وهذا العجز ملازم له، كأن يكون مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه، أو يكون شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، فهنا ينيب غيره يحج عنه، لما جاء في حديث ابن عباس أن امرأة من خثعم - أو من خثعم - قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم»، وذلك في حجة الوداع. ومن الناس من يكون غير قادر بماله وإن كان قادرًا ببدنه، فهذا ينتظر حتى يستطيع أن يحج بماله، فإن لم يستطع فلا حرج عليه ولا حج عليه، رحمة من الله سبحانه وتعالى، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وأما المرأة فتشملها الشروط المتقدمة، ويضاف في حقها شرط المحرمية، فإنه داخل في معنى الاستطاعة، لما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم». فقال - فقال رجل: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اذهب فانطلق فحج مع امرأتك». فحج مع امرأتك. فدل هذا الحديث على شرطية المحرمية للمرأة، فيجب عليها أن ترافق معها محرمًا، سواء أكان من النسب أو من الرضاع أو من المصاهرة ممن يحرمن عليها حرمة أبدية. فما يفعله البعض من جعل المرأة مع جماعة من النساء وأنهن محرم لها، فهذا القول غير صحيح، يخالف ما تقدم من الأدلة، ومنها حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المتقدم. فالمرأة إن لم تجد محرمًا فلا يجب عليها الحج، فتنتظر حتى يتيسر لها محرم، حتى يتيسر لها محرم. هكذا رجح جماعة من المحققين من أهل العلم. أيها المسلمون، عباد الله، يا من وسع الله عليه في ماله ورزقه، وصحة في بدنه، اعلم أن الحج فرض عليك، وقد اتفق العلماء على تعجيل الحج للمستطيع، وذلك باتفاق أهل العلم في استحبابه، وإنما اختلفوا في كون هذا الحج هل يجب على الفور أو على التراخي. وجماعة من أهل العلم ذهبوا إلى أنه على الفور لأمور ثلاثة: الأمر الأول: الأدلة الواردة في الأمر بالحج، والأصل في الأمر أنه يدل على الفور. فقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي هريرة: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». فالأصل في هذه الأوامر أنها على الفور، وهي قاعدة أصولية مشهورة، استدل لها أهل العلم بما جاء في الصحيح في صلح الحديبية، لما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الصحابة بالإحلال من الإحرام فتباطؤوا عن ذلك، فغضب عليه الصلاة والسلام لتأخرهم. والأمر الثاني مما يدل على أن فريضة الحج على الفور للمستطيع: أن العبد ربما يمنعه مانع في المستقبل أن يحج بيت الله الحرام، فطالما أنه قادر الآن فهي فرصة له، ربما يحرمها في المستقبل. ولذلك صحح العلامة الألباني ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «تعجلوا بالحج قبل أن تعرض العارضة»، أي قبل أن يأتي أمر يمنعكم من الحج. وأما الأمر الثالث مما يستدل به على أن الحج على الفور: ما أمر الله سبحانه وتعالى به من الاستباق إلى الخيرات والمسارعة في الطاعات. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، وآية أخرى: ﴿وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فالتأخير عن الحج فيه مخالفة لما أمر الله سبحانه وتعالى به. لذلك أيها المسلمون، قد جاء الوعيد الشديد في من لم يحج بيت الله الحرام، مما يجعل المرء في خوف أن يداهمه الأجل فيحرم من حج بيت الله الحرام، وقد كان قبل ذلك مستطيعًا. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، فإن الله غني عن العالمين، فالله غني عن دراهمك التي تنفقها والتي تخرجها في حجك. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وصح عن عمر رضي الله تعالى عنه بسند صحيح، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره، أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا». فلا شك أن هذا من باب التهديد ومن باب الحث على التعجيل إلى حج بيت الله الحرام. أيها المسلمون، عباد الله، إن الناظر في نصوص سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليرى الفضل العظيم والأجر الجزيل في من حج بيت الله الحرام. فلو أن الإنسان أيقن وآمن بما أخبر به نبي عليه الصلاة والسلام، لما وسعه إلا أن يحج كل عام، طالما أنه قادر مستطيع. فمما جاء في السنة مما يحثنا على الحج وعلى كذلك المتابعة فيه، ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل - أو أنه سئل عليه الصلاة والسلام -: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». فقرن الحج عباد الله مع الإيمان بالله ورسوله، ومع الجهاد في سبيل الله. وكذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه»، أي لا ذنب له، يرجع كيوم ولدته أمه. يا سبحان الله! إنها فضيلة عظيمة. وكذلك جاء من حديث أبي سعيد - من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند النسائي والترمذي - أنه عليه الصلاة والسلام قال: «تابِعُوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة». حسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فلا تظنن عبد الله أنك بإخراج شيء من مالك ستصيبك فاقة، أو سيصيبك شيء من النقص في المال، بل إن من أسباب الغنى المتابعة بين الحج والعمرة، فالله سبحانه وتعالى يبارك لك في مالك ويفتح عليك أبوابًا من حيث لا تحتسب. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، ألا وإن مما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما يرغب - في حج بيت الله الحرام - ما جاء عند ابن ماجة من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، سألوه فأعطاهم». والحديث ذكره العلامة الألباني في صحيح الجامع. وكذلك مما يدل على أن أفضل الدعاء هو دعاء يوم عرفة، الذي هو من أعظم أركان حج بيت الله الحرام، ما جاء عند الترمذي وغيره، وحسنه العلامة الألباني - أو صححه - أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، دعاء يوم عرفة»، فهو أفضل وخير الدعاء. وكذلك جاء من حديث عائشة في صحيح البخاري أنها قالت رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، نرى الحج أفضل الطاعات - أو أفضل القربات - أفلا نجاهد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أفضل الجهاد حج مبرور». وذكر أهل العلم أن مراد النبي عليه الصلاة والسلام بذلك ما يخص النساء، فحج النساء جهاد، فجهاد النساء حج بيت الله الحرام، فقرنه عليه الصلاة والسلام بالجهاد في سبيل الله، بالجهاد في سبيل الله. وكذلك جاء عن أبي هريرة في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ليس له جزاء إلا الجنة». فانظر يا عبد الله إلى هذه الأجور العظيمة، وإلى هذه الفضائل الجزيلة، كيف يفرط فيها من رزقه الله عز وجل سعة في المال وصحة في البدن؟ فلتكن من أهل الدثور الذين سبقوا بالأجور. فكم من إنسان يتمنى ويتمنى ويبكي أن يكون معه دراهم يحج بها بيت الله الحرام، فكيف بمن وسع الله عليه وهو يفرط في هذه الشعيرة العظيمة؟ وكذلك إن لم تستطع على تكاليف حج بيت الله الحرام، فلا أقل من أن تعتمر، من أن تعتمر، فإن العمرة قد سمعت شيئًا من فضلها: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، كفارة لما بينهما. بل إن العمرة في رمضان كما جاء في حديث أم عمارة: «العمرة في رمضان تعدل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لعمل الطاعات ولأداء الفرائض والواجبات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يتوب علينا أجمعين. والحمد لله رب العالمين.