الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بتعريف الشفاعة بأنها التوسط للغير لجلب نفع أو دفع ضر، ويؤكد على ضرورة كتابة الفوائد لحفظ العلم وتنشيط الذهن. ثم يستعرض محاور المبحث من أهمية الموضوع وأنواع الشفاعة وشبه المخالفين وأسبابها، مبيناً سبب اختياره للرد على من أنكرها أو أطلقها بلا ضوابط.
يوضح المقطع أن الشيخ مقبل الوادعي ألف الكتاب رداً على الخوارج الذين ينكرون شفاعة أهل الكبائر وعلى الصوفية الذين يطلقونها بلا شروط. ويبين أن الكتاب يرسم منهج أهل السنة والجماعة الوسط في هذا الباب.
تثبت الشفاعة بشروط في الكتاب والسنة، ويتبنى أهل السنة الموقف الوسط بين غلاة الصوفية الذين يثبتونها مطلقاً وجفاة الخوارج الذين ينفونها مطلقاً. ويشير إلى أن الجمع بين الآيات المثبتة والمنفية يتم بفهم أهل السنة للأدلة بعينين مبصرتين.
يتحدث المقطع عن جرأة بعض الناس على الطعن في الصحابة رواة السنة مثل أبي هريرة بهدف رد أحاديثهم وعدم قبولها. ويشير إلى أن هذا الأسلوب يُستخدم لتشكيك الثقة في الرواة وبالتالي إسقاط ما رووه من أحاديث.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: فكما أُعلن عن موضوع هذا الدرس، وهو يتعلق بمباحث مختصرة في الشفاعة، وذكر بعض الشبهات أو الشبه الذين خالفوا في هذه المسألة من أهل الأهواء. وقبل أن أبدأ، أنبه إخواني الطلاب إلى أمر مهم جدًا في حضور مثل هذه الدورات، وهو تقييد الفوائد؛ يكون الطالب معه دفتر وقلم يكتب فوائد هذه الدورة، فسيحتاجها في يوم من الأيام. فمن أعظم فوائد كتابة العلم حفظه واستذكاره ومراجعته، وإنما حياة العلم مذاكرته. والأمر الآخر من فوائد إحضار الدفتر والقلم والكتابة: أن ينشط الطالب في الدرس، فيبتعد عن النوم أو الكسل أو الشرود الذهني أو نحو ذلك؛ فلما يشتغل بالكتابة وبضبط ما يكتب وقراءة ما يكتب، لا شك أن هذا يعينه على التركيز واستحضار الذهن. فاحرصوا، بارك الله فيكم، على هذا الأمر، ولو دفتر أبو عشرين ورقة أو أربعين ورقة، تكتب فيه كل ما تستطيع كتابته من الفوائد التي تلقى في مثل هذه الدروس العامة وكذلك الخاصة. أول ما نبدأ به في هذا المبحث -مبحث الشفاعة-: ما هي هذه الشفاعة؟ عرف العلماء الشفاعة بأنها التوسط للغير، التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة. هذه هي الشفاعة. ومباحثنا في هذا الباب ستكون عن أهمية هذا الموضوع أولاً، ثم عن أنواع الشفاعة الخاصة والعامة، ثم عن ذكر بعض الشبه التي أوردها بعض أهل الأهواء، ثم ننوه إلى أسباب الشفاعة. كلنا يدعو الله عز وجل أن يشفع الله سبحانه وتعالى فيه أنبياءه ورسله وعباده الصالحين، فهذه الشفاعة لها أسباب سنعلمها إن شاء الله من خلال هذا المبحث، وفيها أيضًا مباحث أخرى جانبية تتعلق بهذا الموضوع بإذن الله سبحانه وتعالى، ونسأل الله العونة والتوفيق والسداد. هذا الموضوع: لماذا تم اختياره؟ تم اختياره لأمرين اثنين: الأمر الأول: لوجود من خالف في هذا الباب من أهل البدع والأهواء، فنازعوا في هذا الأمر، فمنهم من نفى نفيًا مطلقًا، ومنهم من أثبت إثباتًا مطلقًا، وكلتا الطائفتين على ضلال. ومن أجل هذا الأمر ألف شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى كتابه «الشفاعة». الشيخ مقبل عليه رحمة الله له مؤلف اسمه «الشفاعة»، كتاب ممتع وهو فريد في بابه، وهو مرجع في هذا الباب. ولذلك فغالب هذه المباحث التي سنأخذها مختصرة، وكذلك مأخوذة من كتاب شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى. فبين شيخنا رحمه الله في مقدمة هذا الكتاب أن من أسباب تأليفه لهذه الرسالة: وجود المخالفين في هذا الباب، ودعوتهم في المجتمع، دعوت هؤلاء إلى نفي الشفاعة مطلقًا أو إلى إثباتها مطلقًا من غير شروط ولا قيود، فأراد الشيخ رحمه الله أن يبين منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب. ولا بأس أن نقرأ شيئًا مما ذكره في مقدمة كتابه «الشفاعة» في سبب تأليفه لهذا الموضوع ولهذا الكتاب. فقال رحمه الله في مقدمة كتابه «الشفاعة»: «وإن مما دفعني إلى اختيار الكتابة في هذا الموضوع: أن هناك بعض مقامات الشفاعة قد أنكرها بعض ذوي الأهواء». ويريد ببعض مقامات الشفاعة: الشفاعة لأهل الكبائر من هذه الأمة. فإن الخوارج ينكرون هذا المقام، وهذا النوع من أنواع الشفاعة. الخوارج يقولون: إن من دخل النار فلا يخرج منها، وأن من استحق النار فهو كافر في الدنيا ومخلد في النار يوم القيامة، فما تنفعه شفاعة الشافعين. هكذا أطلقوا. وهو ما أراده الشيخ بقوله «ذوي الأهواء»: يعني الخوارج ومن نحوهم من التكفيريين ونحوهم. قال ثم قال شيخنا: «أولئك المنكرون لبعض مقامات الشفاعة في جانب، وهذه طائفة ممن ضلت في هذا الباب -باب الشفاعة-. وقال: وبعض الجهلة من المسلمين في جانب آخر، يعني طرف نقيض، وهم الذين يظنون أن الرسول صلى الله عليه وسلم، أو أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللصالحين أن يدخلوا الجنة من شاء، ويخرجوا من النار من شاء. وهكذا يظنون أن لهم التصرف المطلق في الدنيا». وشيخنا يعني بهذه الطائفة: الصوفية؛ فإنهم توسعوا في هذا الباب، وأثبتوا الشفاعة مطلقًا من غير شروط ولا قيود. فلربما يقول بعضهم لبعض: «اعمل ما شئت، اعصِ، فإن جدك رسول الله صلى الله عليه وسلم سيشفع لك يوم القيامة». سبحان الله! هكذا كان هذا الاعتقاد سببًا في تهوين المعصية، وفي الجرأة على المعاصي بسبب الضلال في هذا الباب. ربما يتجرأ على المعاصي، ويعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن آل البيت وأولياءه الذين يزعم أنهم أولياء، سيشفعون له يوم القيامة. سبحان الله! هكذا، دون نظر في شروط الشفاعة، وفي القيود التي ذكرت في الكتاب والسنة، كما سيأتي بيانها إن شاء الله. قال: «وكلتا الطائفتين -الخوارج والصوفية- مجانبة للصواب، والحق وسط، والحق وسط؛ فإن الرسول والصالحين يشفعون في الآخرة، لكن بشروط». سيأتي في الجمع بين الآيات المثبتة للشفاعة والآيات المنفية. فأنت إذا نظرت في القرآن لرأيت أن هناك آيات تثبت الشفاعة، وأن هناك آيات تنفي الشفاعة، تنفي الشفاعة، وسنذكر شيئًا من هذه الآيات إن شاء الله فيما سيأتي. قال الشيخ رحمه الله: «وهكذا لهم في حياتهم -أي الأنبياء والصالحين- أن يشفعوا عند الله، لكن فيما يقدرون عليه. وقد شفع النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين عند الله أن يسقوا، كما في الصحيحين». وهذا سيأتي أيضًا: الشفاعة في الدنيا بالدعاء، أو بالوجاهة والسلطان والمال، أو القدرة، أو نحو ذلك، بقول الله عز وجل: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةٍ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ [النساء: 85]. سيأتي إن شاء الله مبحث في هذا النوع من أنواع الشفاعة الدنيوية. قال: «فمذهب أهل السنة رحمهم الله وسط بين الغالي والجافي». من هم الغالون؟ الغالون: الصوفية، غلوا في باب الشفاعة فأثبتوها مطلقًا. والجافون: هم الخوارج، لأنهم أنكروها مطلقًا. قال: «أي: أهل السنة؛ لأنهم رحمهم الله يجمعون بين الأدلة، وبقية الطوائف تأخذ بجانب من الأدلة وتترك الجانب الآخر. أهل الأهواء في كل باب من أبواب الدين يأخذون بجانب واحد، كما قال الشيخ ابن عثيمين: ينظرون إلى الأدلة بعين عوراء؛ الأعور هو الذي يرى بعين واحدة. فمثلًا: الخوارج يأخذون بآيات الوعيد، والمرجئة يأخذون بآيات الوعد، ما يجمعون بين الأمرين أبدًا، إنما يأخذون بجانب ويتركون جانبًا واحدًا. أما أهل السنة فهم ينظرون إلى الأدلة بعينين مبصرتين، فوفقهم الله عز وجل إلى الجمع بين الأدلة، سواء كان في باب الإيمان، أو في باب القدر، أو في باب كرامات الأولياء، أو في باب الشفاعة، أو في غيرها من الأبواب. تجد ما من باب من هذه الأبواب إلا وأهل الأهواء خالفوا فيه، إما بغلو أو بتفريط. ومن ذلك باب الشفاعة كما تقدم معنا». قال: «فمن ثم تخبطوا وتعسفوا -أهل الأهواء- في دحض الأدلة التي لا توافق أهواءهم. الآن صاحب الهوى إذا حاججته بدليل ينسف باطله، هو الآن يريد أن يرد هذا الدليل فيتعسف في رده ويتكلف في رده». قال الشيخ رحمه الله: «فتارة يتجرؤون فيطعنون في الصحابة راوي السنة؛ أتيت له بحديث عن أبي هريرة، يقول لك: من هذا أبو هريرة؟ ويطعن في أبي هريرة حتى يرد حديثه». كما قال الإمام الأوزاعي في كلامه