الدرس في مباحث في الشفاعة والرد على المخالفين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المحاضر القسم الثاني من أقسام الشفاعة وهو الشفاعة العامة التي يشترك فيها النبي والمؤمنون، مخصصاً الحديث عن شفاعة أهل الكبائر لإخراجهم من النار. يستدل بأحاديث صحيحة كحديث «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» وحديث أنس في إخراج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان رداً على المنكرين.
يبين المقطع أن الشفاعة العامة تختص بالموحدين المخلصين لقوله لا إله إلا الله، مشترطاً الإخلاص فيها، ولا تشمل المشركين. كما يعرض سيرة أبي هريرة في ملازمة النبي لطلب العلم ودعوة النبي له بالحفظ، مع ذكر حديث أبي سعيد الخدري في شفاعة النبي وأمته للفئام والقبائل.
يوضح أن الشفاعة تشمل المؤمنين والشهداء والصالحين من الأمة، وتتنوع بين شفاعة للجماعات والقبائل والأفراد لإخراجهم من النار أو دخولهم الجنة. يذكر شفاعة الشهيد في سبعين من أقاربه، وشفاعة المؤمنين في رفع الدرجات، مستدلاً بأحاديث الاستغفار وصلاة الجنازة.
يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى استكمال باقي أنواع الشفاعة في درس قادم. ويختم بالحمدلة وذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد تقدم في الدرس الماضي الكلام على أقسام الشفاعة، وأن أهل العلم استنباطًا من الأدلة من الكتاب والسنة قسموا الشفاعة إلى قسمين: شفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرنا أنواع هذا القسم في الدرس الماضي، وحان الشروع في بيان أقسام، أو في بيان أنواع القسم الثاني من أقسام الشفاعة، وهي الشفاعة العامة. هناك كذلك شفاعة عامة له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولغيره من المؤمنين، ولغيرهم من المؤمنين. وهذه الشفاعة العامة أنواع، أولها: الشفاعة لأهل الكبائر، أي أن أقوامًا من هذه الأمة استحقوا دخول النار، فيأتي الشفاعة فيشفعون لهم، فيخرجون من النار بشفاعة الشافعين من المؤمنين. ودليل هذا النوع من أنواع الشفاعة: فيه أدلة، أو فيه هذا النوع أدلة خاصة، وفيه أدلة عامة تدخل فيها هذه الشفاعة على وجه العموم. أما الأدلة الخاصة بهذا النوع من أنواع الشفاعة: فحديث رواه ابن ماجه وغيره من أهل السنن كالتirmذي وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وهذا الحديث يحسنه العلامة الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الشفاعة"، وكذلك يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في "صحيح ابن ماجه" وكذلك "صحيح الترمذي"، فهو ثابت عند أهل السنة. هذا الحديث ثابت عند أهل السنة: «شفاعتي لأمتي من أهل الكبائر، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». وهذا الحديث فيه رد صريح على الخوارج ومن نحا نحوهم من منكري هذا النوع من أنواع الشفاعة، فالخوارج ينكرون هذا النوع من أنواع الشفاعة، فيرد عليهم بمثل هذه الأحاديث الصريحة. وكذلك من أدلة هذا النوع من أنواع الشفاعة: ما أخرجه كذلك البخاري ومسلم، ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك في حديث طويل في الشفاعة، وفي آخره قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة». وهكذا حديث الجهنميين، عندما يصير هؤلاء في النار كالفحم، فيأتي الشفعاء فيشفعون لهم، فيخرجون من النار. هذه كلها أدلة صحيحة صريحة خاصة في هذا النوع من أنواع الشفاعة، فتتعجب كيف أهل الأهواء يردون مثل هذه الأحاديث. وكما تقدم، فإن من اتخذ هواه يلوي النصوص الشرعية ويوجهها توجيهًا فاسدًا، إما برد أصلها، وإما بتأويلها التأويل المخالف للتفسير الصحيح لها. وأما الأدلة العامة التي تدخل فيها هذا النوع من أنواع الشفاعة، فحديث كثيرة، منها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله... أو أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، خالصًا من قلبه». فهذا الحديث فيه فوائد عدة، من هذه الفوائد ما نحن بصدده من إثبات الشفاعة العامة، وهي الشفاعة لأهل الكبائر، فيدخلون في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصًا أو خالصًا من قلبه». ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: ما تقدم من شروط الشفاعة، وأنها لا تكون إلا للموحدين المسلمين، أما المشركون فإنهم لا يحظون بهذه الشفاعة. فقوله عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه»، فيه أن لا إله إلا الله ليست كلمة تقال باللسان، وإنما لا بد مع قولها باللسان أن يعمل القائل بما تقتضيه هذه الكلمة من شروطها، ومن أعظم شروط هذه الكلمة الإخلاص لله عز وجل. ومن فوائد هذا الحديث: حرص أبي هريرة على العلم، وما صار رضي الله تعالى عنه من أكثر الصحابة حفظًا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام إلا بجدّه وحرصه، وهذا ما شهد له به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما سأله هذا السؤال: «من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟» قال عليه الصلاة والسلام: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على العلم». فلا ينال العلم بالكسل، ولا كذلك بالتثاقل، وكذلك عدم الجد والاجتهاد في طلبه، وإنما ينال بالحرص والجد، وهكذا الصبر. أبو هريرة لو قرأت في سيرته لتعجبت من صبره وحرصه على طلب العلم وطلب الحديث، كان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم على شبع بطنه، يعني: إن وجد أكل، وإن لم يجد صبر، وربما أغمي عليه رضي الله تعالى عنه، فيظن الظان أن به المس أو الجن أو الجنون، وليس به شيء من ذلك، وإنما به ماذا؟ به الجوع، وإنما به الجوع. فكان مع أهل الصفة الذين يسكنون المسجد، وليس لهم بيوت ولا لهم مأوى إلا المسجد، فصبر رضي الله تعالى عنه، وكان يلازم النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك قال عن الأنصار: «إنهم كانت تشغلهم أموالهم»، أما هو عليه رضي الله تعالى عنه فكان يلازم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من جده وحرصه وحبه للعلم، دعا له دعوة طيبة، فلم يتكل على هذه الدعوة، وإنما جد واجتهد في طلب العلم والحديث، فصار من حفاظ الصحابة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا ينبغي لمن أراد العلم وأراد الاستفادة من العلم، ينبغي عليه أن يجد ويجتهد ويحرص على العلم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وكذلك من أدلة الشفاعة لأهل الكبائر: ما جاء أيضًا عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عند الترمذي وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أمتي من يشفع للفئام من الناس، من يشفع للفئام». الفئام: يعني الجماعة، الجماعة من الناس. ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل، حتى يدخلوا الجنة. وهذا أيضًا من الأحاديث العامة، من الأحاديث العامة التي يدخل فيها، أو تدخل فيها الشفاعة لأهل الكبائر. وهذا الحديث أفاد أن هذه الشفاعات لم يختص بها النبي عليه الصلاة والسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عمّم، فقال: «إن من أمتي، من أمتي»، أي أمة الإجابة، من المؤمنين، من المؤمنين، سواء كان من الصادقين، أو من الشهداء، أو من الصالحين، أو غير أولئك من أولياء الله المؤمنين. فيقول عليه الصلاة والسلام: «إن من أمتي من يشفع للفئام، الجماعة من الناس، ممن استحقوا دخول النار، فيشفعوا لهم، ويشفعون لهم في الخروج منها. ومنهم من يشفع للقبيلة، قبيلته، ومن كان يتصل معه بأنسب بهذه القبيلة. ومنهم من يشفع للعصبة، أخص من القبيلة، يعني عصبته، الورث منهم. وهكذا، منهم من يشفع للرجل، للرجل، حتى يدخل الجنة، حتى يدخل الجنة». وهكذا ثبت أن الشهيد يشفع، الشهيد الذي يموت في أرض المعركة، فجاء أن الله عز وجل يكرمه بأمور كثيرة، ومنها الشفاعة، كما جاء عند الترمذي من حديث المقداد بن معدي كرب، قال عليه الصلاة والسلام: «للشهيد عند الله ست خصال»، وذكر منها: «ويشفع في سبعين من أقاربه، ويشفع في سبعين من أقاربه». فهذا النوع، كما تقدم، وكما سمعت، فيه أدلة كثيرة، خاصة وعامة، فلا هناك مجال لأحد أن ينكر مثل هذا النوع من أنواع الشفاعة. كذلك من أنواع الشفاعات العامة: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين. وكما تعلمون أن الجنة درجات، كلما علا العبد في الدرجات، أو في الدرجات العلا، كان له من النعيم أعظم وأكثر من الدرجات التي هي دونها، التي هي دونها. فكلما ارتقى أكرم بنعيم عظيم وكثير دون النعيم الذي هو في الدرجات التي دونها، التي دونها. فكذلك هناك من يشفع للمؤمنين في رفع درجاتهم في الجنة. ودليل هذا النوع من أنواع الشفاعة يأخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض، كما قال صلى الله عليه وسلم في أبي سلمة: «اللهم اغفر، اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونور له فيه، وأخلفه في عقبه». والحديث في صحيح مسلم من حديث أم سلمة. وهكذا ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ليرفع الدرجة، ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة»، والآن في درجة مثلًا أدنى أو وسط، فما يشعر هذا الرجل الصالح إلا وقد ارتقى إلى درجة أعلى، إلى درجة أعلى، فيقول هذا العبد الصالح: «يا رب، أنى لهذا؟ ما هو سبب يعني ارتفاعي، وكذلك رفع درجتي، ما هو السبب في ذلك؟» فيقال: «باستغفار ولدك لك، أن ولدك الصالح في هذه الدنيا يستغفر لك». فهذا نوع من أنواع الشفاعة، فبسبب هذا الاستغفار رفع هذا الأب تلك الدرجة في الجنة. وهذا الحديث كما تقدم رواه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة، وقال شيخنا الوادعي في "الشفاعة": رجاله رجال الصحيح. وكذلك صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله، عليه رحمة الله. وهكذا من أدلة هذا النوع من أنواع الشفاعة: صلاة المؤمنين على الميت، فهم يدعون له بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك الدعاء برفع درجاته: «وارفع درجته في المهديين، وارفع درجته في المهديين». فهذه أدلة واضحة صريحة في إثبات هذا النوع من أنواع الشفاعة، وهو الشفاعة للمؤمنين في رفع درجاتهم، في رفع درجاتهم. نكتفي بهذا، ونكمل بقية أنواع هذا النوع في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر