التعليق على الجواب الكافي 113

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 113، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سوء الظن بالله وأثره في الوقوع بالشرك

يتناول شرح ابن القيم لسوء الظن بالله وكيف يؤدي إلى الشرك، ويستدل بآيات قرآنية لبيان أن إساءة الظن بالله من أعظم الذنوب. يُظهر أيضًا كيف أن سوء الفهم حول قدرة الله ومشيئته يؤدي إلى ضلالات.

عدم تقدير الله حق قدره في أقوال بعض الفرق الضالة

يناقش كيف أن بعض الفرق مثل الجهمية والمعتزلة والشيعة لم تقدّر الله حق قدره في أقوالها، حيث نفوا بعض صفات الله وأفعاله، واتهموا الله بالظلم والتقصير. يبين أن هذه الأقوال تتناقض مع ما جاء في القرآن الكريم.

تتمة الكلام عن عدم تقدير حق قدر الله عز وجل وتأثيراته

يتناول موضوع عدم تقدير حق قدر الله عز وجل من قبل بعض الفرق الضالة مثل اليهود والرافضة والأشاعرة، ويبين أن الله عز وجل خلق السماوات والأرض بالحق وسيجازي كل نفس بما كسبت. يشير إلى استمرار الشرح في درس لاحق حول التمييز بين فئتين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. فذكرنا في كتاب الجواب الكافي لابن القيم رحمه الله ما ذكره رحمه الله في سوء الظن بالله، وأن أعظم أو سر المسألة، وهي أن يقع العبد في الشرك بالله جل وعلا، إنما هو لسوء ظنه بالله. ولهذا قال: إذا تبين هذا، فها هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به. ولما ذكر أهل النار قال: ﴿ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم فأرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾. وقال أيضا عن المشركين في سورة إبراهيم: ﴿ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين﴾، أي أن هذا إنما هو من سوء ظنكم بالله عز وجل، وإلا لو أحسنتم الظن بالله لعبدتم الله سبحانه وتعالى. ثم بيّن رحمه الله أن هناك ظنونا عظيمة وارتكبها الناس، وهذا كله لعظم تعظيمهم لله عز وجل، وما قدر الله حق قدره. ولهذا قال: «فما قدر من هذا شأنه»، أي الذي أشرك بالله وأساء الظن بالله، فما قدر من هذا شأنه عظمته حق قدره. من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البتة، هذا ما قدر الله وعظم الله حق تعظيمه، حتى جعل المخلوق له صفات الخالق. وأيضا صرف له العبادة. قال: «بل هو أعجز شيء وأضعفه»، فما قدر القوي العزيز حتى قدره من أشرك معه الضعيف الذليل. وكذلك ما قدروه حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولا ولا أنزل كتابا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه، من إهمال خلقه وتضيعهم وتركهم سدى وخلقهم باطلا وعبثا. بل ربنا سبحانه وتعالى خلق الخلق لغاية حميدة وعظيمة، فهو لم يتركهم هملا ولا عبثا، أي يحسب الإنسان أن يترك سدى أي هملا ومضيعا. بل الله عز وجل أرسل الرسل وأنزل الكتب لهداية هذا العبد، وأيضا كذلك لأن يشكر الله سبحانه وتعالى ويعبده. قال: «ولا قدره حق قدره»، بل نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد. فمن نفى هذه الأشياء فهو لم يعظمه، لأنه نفى أعظم ما يتصف به الرب جل وعلا، فجعل الله عز وجل كالجماد، ليس له صفات من هذه الصفات العظيمة. قال: «ونفى عظم قدرتي وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم»، فأخرجها عن قدرته ومشيئته، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاءون بدون مشيئة الرب، فيكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون. تعالى الله عن قول أشباه المجوس علوا كبيرا. أي يريد المعتزلة الذين يقولون أن الأمر أنف، وأنه ليس لله عز وجل دخل في مشيئة العبد، وإنما العبد يخلق فعل نفسه. وهذا كلام باطل، وهو قول هؤلاء المعتزلة القدرية الذين شبههم نبي صلى الله عليه وسلم بالمجوس «مجوس هذه الأمة». قال: «وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد ولا له عليه قدرة ولا تأثير له فيه البتة». وهذا أيضا قول المعتزلة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، فيعاقب عبده على فعله هو سبحانه الذي جبر العبد عليه وجبره على الفعل. وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق. وهذا قول الجبرية الجهمية، أن العبد مجبور ولا دخل للعبد في هذا. وهذا معناه يتهمون الله عز وجل بالظلم، أنه يخلق العبد ويخلق فعله، وأيضا يعاقبه عليه. وهذا جهل منهم. فربنا جل وعلا أعطى للعبد مشيئة، أعطاه مشيئة يستطيع بها فعل الفعل أو يستطيع بها إرادة الفعل، وجعل الجزاء والعقاب على هذه المشيئة. وهذا بيّن في الآيات: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. قال: «فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، كيف يجبر العبد على فعل لا يكون العبد في صنعه ولا تأثير له فيه، ولا هو واقع بإرادته، بل ولا فعله البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة». العبد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقول هؤلاء شر من أقوال المجوس. والطائفتان ما قدر الله حق قدره، أي القدرية النفاة والقدرية المثبتة، أو يقال المعتزلة والجهمية أو الجبرية والقدرية. قالوا: «كذلك ما قدره حق قدره من لم يصون عرشه عن أن يكون مستويا عليه»، إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه. أي يرفعه إليه. قال: «وتعرج الملائكة والروح إليه، وتنزل من عنده يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه». فصانه عن استواء على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان، يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه. معنى هؤلاء الجهمية نفوا أن يكون الله عز وجل مستويا على عرشه، وقالوا: معنى استواء استولى. وأثبتوا أن الله عز وجل في كل مكان، ولم يستثنوا مكانا من مكان، بل قالوا: في كل مكان. وهذا جهل عظيم. ومعظم الله عز وجل حق تعظيمه عظيمة، حتى قالوا مثل هذا الكلام. والله عز وجل قد بين في أكثر من آية أنه مستو على العرش، وأن عرشه فوق سماواته. لكن هؤلاء تركوا كتاب الله عز وجل وذهبوا إلى خيالات سموها أمورا مضطردة، وأن هذه الصفات المخلوقين. وكذا قالوا: «وما قدر الله حق قدره»، وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله، ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به. هذا كله يريد به المعتزلة والأشاعرة الذين ينفون صفات الأفعال، وكذلك أيضا صفات الذات إلا بعضها. قال: «وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم بنفيها قد قدروه حق قدره». وكذلك لم يقدروا حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، أو جعله سبحانه يحل في جميع مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود. وكل هؤلاء ما قدروا الله حق قدره جل وعلا، وقالوا فيه ما لم يقله سبحانه وتعالى، واعتقدوا فيه هذا الباطل. قالوا: «كذلك لم يقدروا حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وعلى ذكرهم وجعل فيهم الملك والخلافة والعز، ووضع أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته». أي يريد الشيعة الذين يقولون أن الله رفع بني أمية، وهم أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذبوا، بل هم أبناء عمومته، ولكن فيهم الصالح والطالح، وكذلك في بني العباس. قال: «وهانه ما ذلهم وضرب عليهم الذل أينما ثقفوا». وهذا يتضمن غاية القدح في جناب الرب تعالى عن قول الرافضة علوا كبيرا. بل رفع الله عز وجل نبيه، وكذلك أكرم أهل بيته، وأعطى لهم منزلة عظيمة. قال: «وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين، أنه أرسل ملكا ظالما فادعى النبوة لنفسه، وكذب على الله، ومكث زمانا طويلا يكذب عليه كل وقت، ويقول: قال الله كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وينسخ شرائع أنبياء رسله، ويستبيح دماء أتباعهم ومواليهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك، والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه». يريدون النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كله افتراء. قال: «ويقول: الله أباح لي ذلك، والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه، ويقويه، ويجيب دعواته، ويمكنه ممن خالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدقه بقوله وفعله وتقريره، وتحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء». ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب جل وعلا، وفي علمه وحكمته ورحمته ورب بيته. تعالى الله عن قول الجاحدين علوا كبيرا. هذا قول اليهود أخزاهم الله ولعنهم الله في نبينا عليه الصلاة والسلام. وربنا جل وعلا يظهر رسله. وقال جل وعلا: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾. فربنا جل وعلا يدافع عن أوليائه وينصر رسله ويؤيدهم. وهذا كله يدل على أن هذا الذي يقولون عنه أنه ظالم، هو نبي من أنبياء الله ورسول من رسل الله، أيده الله عز وجل بما يؤيد به الأنبياء من الآيات العظيمة الباهرة. وكذلك من تأييده سبحانه وتعالى له، قال: «فواز بين قول هؤلاء أي اليهود، وقول إخوانهم من الرافضة، تجد القولين كما قال الشاعر: رضعا لبان ثدي أم تقاسما بأحسن مداج عوض». أي كأنهم رضعوا من ثدي واحد. قال: «وكذلك لم يقدروا حق قدره من قال: إنه يجوز أن يعذب أولياءه، ولم يعطهم طرفة عين، ويدخلهم دار الشقاء، وأن يثيب أعداءه ومن لم يطعه طرفة عين، ويدخلهم دار النعيم، وأن كل الأمرين بالنسبة إليه جائز». وهذا قول الأشاعرة. ولأنهم ينفون العلة وينفون كذلك الحكم في أفعال الله عز وجل، فيقولون مثل هذا الكلام. أي يقولون: إنه يجوز أن يعذب أولياءه، وإن لم يعصه هذا وليه طرفة عين. ويقولون: إنه يجوز لله عز وجل أن يعذب في النار أتقى الأتقياء، وأن يدخل الجنة أفجر الفجار. وهذا كلام باطل. وإنما قالوا ذلك لعدم إثباتهم للعلة والسبب والحكمة. ولهذا تجدهم ينفون كل لام سببية، يقولون: أمعناها يؤولونها. مثلا قول الله عز وجل: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، فلا شك أن هذه اللام ليعبدون، أي خلقتهم ليعبدون، أي لأجل أن يعبدون، أي سبب خلق الله عز وجل الجن والإنس حتى يعبدون سبحانه وتعالى. لكن الأشاعرة لا يقولون هذا، والجبرية كذلك، والجهمية يقولون: إن هذه اللام هنا للصيرورة، ما يقولون أنها تعليل سبب، وإنما للصيرورة. يقول: معناه يفسرون الآية على غير تفسير السلف، وأيضا أهل التفسير. فيقولون: الآية معناها: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، أي إلا لأصيرهم يعبدون. هذا كلام باطل. قال: وقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾. بل ربنا جل وعلا رفع أهل الإيمان، ووضع أهل الشرك وأهل الفساد. وقال جل وعلا: ﴿حسب الذين اشتروا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾. وخلق الله السماوات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون. وقال جل وعلا: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾. فهذا الذي قالوه باطل، وليس في حكم الله عز وجل. بل ربنا جل وعلا وعد أهل الإيمان بالجنة، ولا يخلف الله عز وجل ميعاده سبحانه وتعالى. وأيضا قد سبقت كلمته سبحانه وتعالى، أن الكفار من أهل النار. وهذه الكلمة قد قالها ربنا جل وعلا، وأصبحت ثابتة. قال جل وعلا: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون﴾. كما قال الله عز وجل: ﴿إنما هي كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾. قالوا: «كذلك لم يقدروا حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع الخلق ليوم يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم في حقه من ظالمه، ويكرم المتحملين المشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين». فهذا أيضا هؤلاء الذين ينكرون البعث، وينكرون إحياء الموتى، أيضا أساءوا الظن بالله، وما قدروا حق قدره. قالوا: «كذلك لم يقدروا حق قدره من هان عليه أمره، فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه». هذه الإساءات العظيمة التي تحصل لبعض المؤمنين أو للمؤمنين، لكن فيها عدم تعظيم الله عز وجل، وعدم تعظيم أمره ونهيه. وهذا يختلف عن الأول، ليس هؤلاء مثل أولئك الذين ذكرهم قبل، بل هم مختلفون. وإن شاء الله تعالى نكمل في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا.