التعليق على مقدمة سنن الدارمي 54

الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 54، ألقاها

التحذير من الكذب على النبي

يتناول التحذير النبوي من الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم وأهمية التثبت في نقل الأحاديث النبوية. يُذكر فيه عدة أحاديث مختلفة الأسانيد حول هذا الموضوع.

تحريم الكذب وخطورته على النبي

يتناول تحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وخطورة هذا الفعل، حيث يروي عدة أحاديث نبوية تؤكد أن من كذب على النبي متعمدا فله مقعد في النار. يُبيّن أن الكذب على النبي أعظم إثما من الكذب على غيره.

أثر الكذب على رواية الأحاديث

يجب على المسلم التثبت في روايته عن النبي والتورع في التحديث عنه فيما لا يعلم صحته. لا يجوز الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم لأي غرض، حتى لو كان الغرض الترغيب في الإسلام.

الترغيب بالأحاديث الصحيحة

يُنبه على خطورة ترغيب الناس بالأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويشدد على ضرورة الاكتفاء بالأحاديث الصحيحة الثابتة عنه. يُشجع على ترغيب الناس فيما ثبت عن النبي من الأحاديث الصحيحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الدارمي رحمه الله في مقدمة سننه: باب اتقاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والتثبت فيه. قال: أخبرنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». الحديث بهذا السند فيه ضعف؛ لأن أبا الزبير ثقة، ومحمد بن عيسى تدرس، إلا أنه مدلس وقد عنعن، لكنه صحيح بشواهده وطرقه الكثيرة. وهذا الباب: باب اتقاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والتثبت فيه، يعني في الإخبار والتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال كذا، أو فعل كذا، ما يقول ذلك المرء إلا بعد تثبت أن ذلك ثابت عنه عليه الصلاة والسلام، وأنه قال؛ حتى لا يقع في الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، فيكون له نصيب من الوعيد الشديد الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام. قال: وأخبرنا محمد بن عيسى، قال: حدثنا أبو عوانة عن عبد الأعلى -وهو ابن عامر الثعلبي، قد ضعفه أحمد وأبو زرعة- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». والحديث صحيح بشواهده. قال: أخبرنا عبد الله بن صالح -وكاتب الليث ضعيف- قال: حدثني الليث وابن سعد، قال: حدثني يزيد بن عبد الله عن عمرو بن عبد الله بن عروة عن عبد الله بن الزبير عن الزبير، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من حدث عني بحديث -أو قال: من حدث عني كذبا- فليتبوأ مقعده من النار». وهو كذلك أيضا ضعيف بهذا السند، لكنه صحيح بشواهده. قال: وأخبرنا محمد بن حميد -وهو الرازي كذاب- قال: حدثني الصباح بن محارب عن عمرو بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». والحديث بهذا السند ضعيف جدا. قال: أخبرنا أسد بن موسى، قال: حدثنا شعبة عن عتاب، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: «لو أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم- وذلك أني سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وحديث أنس في الصحيحين. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا أبو داود عن شعبة عن عبد العزيز وعن حماد بن أبي سليمان وعن التيمي وعن عتاب مولى بن هرمز، سمعوا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وهو أيضا في الصحيحين. قال: أخبرنا أحمد بن خالد، قال: حدثنا محمد -هو ابن إسحاق- عن معبد بن كعب عن أبي قتادة -معبد بن كعب بن مالك، قال فيه الحافظ في التقريب: مقبول- عن أبي قتادة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «يا أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال علي فلا يقل إلا حقا، أو إلا صدقا، ومن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار». الحديث صحيح بشواهده. قال: وأخبرنا هارون بن معاوية عن إبراهيم بن سليمان عن عاصم الأحول عن محمد بن سيرين عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». والحديث صحيح، وقد صح أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين، وكذلك أيضا جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث سمرة بن جندب، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين». وفي رواية: «أحد الكاذبين». وهذا الحديث من الأحاديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، ورواها جمع من الصحابة غير هؤلاء، قدر أربعين صحابيا، فهو مما تواتر لفظه ومعناه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الكذب عليه، وأن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره؛ لما جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد». فالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إثما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله جل وعلا، وأقواله فيها تشريع للأمة، فكون الإنسان يكذب عليه بأنه قال كذا، وهذا القول فيه بيان حكم من الأحكام، لا شك أن هذا أمر عظيم، فلذلك كان الكاذب على النبي عليه الصلاة والسلام موعودا بهذا الوعيد. قال: «من كذب علي متعمدا»، أي: متعمدا للكذب، فيخرج بذلك من حصل منه على جهة الخطأ؛ يعني أنه أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال كذا، وهو مخطئ في ذلك، يظن أن الحديث صحيح وهو ضعيف، فهذا لم يتعمد الكذب؛ لأن قوله «متعمدا» حال، أي: حال كونه متعمدا، فيخرج به ما إذا كان عن غير عمد، لكن مع ذلك ينبغي أن يتحرى وأن يجتهد في التثبت في الإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي حديث سمرة: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب -يعني: يظن أنه غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم- فهو أحد الكاذبين»، فما يلزمه أن يحدث به إذا كان يظن أنه غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»، فليتبوأ: يعني فليأخذ له، فليتهيأ: يعني لمقعد يكون له في النار، يكون له في النار، أي: نار جهنم، عياذا بالله. وهذا لا شك أنه وعيد شديد يدل على أن الكذب عليه عليه الصلاة والسلام كبيرة من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب. والواجب على المسلم أن يتثبت في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيما ينسبه إليه، وكذلك أيضا أن يتورع في التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يعلم صحته، أو يشك، أو يظن أنه صحيح أو أنه ضعيف، فلا ينسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، بل يأتي به بصيغة التمريض، يذكر أو يروى، ولا يجزم بصحته ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك كان كثير من السلف ربما أمسكوا عن التحديث خوفا على أنفسهم من الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا في أثر أنس المذكور، قال رضي الله عنه: «لو أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم- لكن خشيت أن يقع في الكذب». ولهذا الوعيد الشديد الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام أمسك رضي الله عنه عن التحديث بأشياء كثيرة. وسواء كان الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام كما يفعله من يتعمد ذلك من الزنادقة والمبتدعة كالرافضة ومن كان على شاكلتهم، أو كذلك أيضا من فعل ذلك زعما منه أنه يفعل ذلك ترغيبا في سنة النبي عليه الصلاة والسلام وترغيبا في الإسلام، فيقول: نحن نكذب من أجل النبي عليه الصلاة والسلام، ولا نكذب عليه، ربما يسوق بعض الروايات الضعيفة كرواية: «من كذب علي متعمدا ليضل الناس فليتبوأ مقعده من النار». وهي هذه زيادة منكرة لا تصح، فهو يقول: هذا الوعيد مقيد بإرادة إضلال الناس، لكن نحن نريد هدايتهم، نحن نكذب من أجل هداية الناس. فهذه زيادة غير صحيحة. وهكذا أيضا جاءت زيادة أخرى: وهي «بلغوا عني ولو آية، ومن تقول علي ما لم أقل يريد عيب الإسلام أو شين الإسلام فليتبوأ مقعده من النار». والحديث موضوع بهذا اللفظ. فحينئذ يتبين أنه لا يجوز الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، لا لأجل ذم الإسلام وعيبه، ولا لأجل الترغيب فيه، فالترغيب في الإسلام لا يكون بالكذب، كما يفعل بعض الجهلة من الدعاة، وبعض الجماعات التي لا علم لها، تذهب وتجمع الأحاديث الضعيفة والمكذوبة، ويحدثون بها الناس، يرغبونهم، وربما أن أحدهم إذا حدث قال: هذا حديث موضوع، أو يقول: وذكرهم، نجوز في الموضوعات، وهو لا يدري ما هذا الموضوعات، ما يدل على أن هذا الحديث كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يتعمد ذلك. وهذا أشد، لا يجوز ترغيب الناس بالأحاديث المكذوبة، وإنما يرغبوا فيما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديات الكثيرة الصحيحة، ففيها غنية عما لم يصح عنه عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا القدر. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على