الدرس في التعليق على مقدمة سنن الدارمي 86، ألقاها
يبرز حرص السلف والصحابة على طلب العلم ورحلتهم لمسافات بعيدة لتحصيله من مصادر مباشرة. يذكر المؤلف أمثلة على رحلاتهم وتضحياتهم في سبيل العلم.
يتناول المقطع أهمية احترام الشيوخ وآداب طلب العلم كما يظهر من سيرة ابن عباس وغيره من الصحابة. يشدد على ضرورة الصبر واحترام الشيوخ لتجنب إضجارهم وكسب العلم.
يورد المقطع أمثلة من الصحابة والسلف على حرصهم على طلب العلم والصبر عليه، مثل رحلة رجل من أصحاب النبي إلى فضالة بن عبيد. يبرز أهمية الاستمرار في طلب العلم.
الحمد لله رب العالمين. قال رحمه الله: أخبرنا محمد بن عيسى قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة، وهو عبد الله بن يزيد الجرمي، قال: لقد أقمت في المدينة ثلاثا ما لي حاجة إلا وقد فرغت منها، إلا أن رجلا كانوا يتوقعونه كان يروي حديثا، فأقمت حتى قدم، فسألته. والأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا الحكم المبارك قال: حدثنا الوليد عن ابن جابر قال: سمعت بسرى بن عبيد الله يقول: إن كنت لأركب إلى مصر، إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه. وهذا الأثر فيه عنعنة الوليد بن مسلمة، وهو مدلس. قال رحمه الله: أخبرنا عمر بن زرارة قال: أخبرنا أبو قطن عمر بن الهيثم عن أبي خلدة عن أبي العالية قال: كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم نرضى حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم. وهذا الأثر صحيح، وهذا من حرصهم -رحمهم الله- على الرحلة في طلب العلم، فكانوا يسمعون الحديث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالبصرة، في العراق، فلا يرضون بذلك حتى يذهبوا بأنفسهم، فيسافرون ويرحلون إلى مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيسمعون من أفواه الصحابة -رضوان الله عليهم-. قال رحمه الله: أخبرنا نعيم بن حمد قال: حدثنا بقية عن عبد الله بن عبد الرحمن التستري قال: قال داود النبي صلى الله عليه وسلم: «قل لصاحب العلم يتخذ عصا من حديد ونعلين من حديد ويطلب العلم حتى تنكسر العصا وتنخارق النعلان». وهذا الأثر ضعيف، وبقية مدلس، وقد عنعن، والتستري بينه وبين داود قرون. قال رحمه الله: أخبرنا مخلد بن مالك قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: حدثنا الحجاج عن حسين بن عبد الرحمن بن أبي سعد بن معاذ قال: قال ابن عباس: طلبت العلم فلم أجد أكثر منه في الأنصار، فكنت آتي الرجل فأسأل عنه، فيقال لي: نائم، فأتوسد ردائي ثم أبطجع حتى يخرج إلى الظهر، فيقول: متى كنت ها هنا يا ابن عم رسول الله؟ فأقول: منذ زمن طويل، فيقول: بئس ما صنعت، هل لا أعلمتني؟ فأقول: أردت أن تخرج إلي وقد قضيت حاجتك. وهذا الأثر بهذا السند فيه ضعف، الحجاج ضعيف، لكن الأثر صحيح وله طرق متعددة. قال رحمه الله: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا أبو بكر عن محمد بن عمر عن أبي سلامة بن عبد الرحمن عن ابن عباس قال: وجدت أكثر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذا الحي من الأنصار، والله إن كنت لآتي الرجل منهم، فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي لأدعه حتى يخرج لأستطيب بذلك حديثه. وهذا الأثر حسن. قال رحمه الله: أخبرنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلامة قال: لو رفقت بابن عباس لأصبت منه علما كثيرا. والأثر صحيح، ومعنى ذلك أنه ربما حرم نفسه من العلم بسبب أذيته لشيخه، فربما يضجر الشيخ من تلميذه من كثرة سؤالاته، أو ربما يسأل في أوقات غير مناسبة، أو يكون عنده شيء من الشدة -أي عند الشيخ- فلا يصبر التلميذ فيحرم بسبب ذلك من علمه. قال رحمه الله: أخبرنا بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن الزهري قال: كنت آتي باب عروة فأجلس بالباب، ولو شئت أن أدخل لدخلت، ولكن إجلالا له. وهذا الأثر صحيح. قال رحمه الله: أخبرنا يزيد بن هارون قال: حدثنا جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: يا فلان، هلما فلنسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنهم اليوم كثير. فقال: وعجبا لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ترى؟ فترك ذلك وأقبلت على المسألة، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل -يعني في وقت القيلولة- فأتوسد ردائي على بابه، فتسفي الريح على وجهي التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟ ألا أرسلت إلي فأتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك فأسألك عن الحديث. قال: فبقي الرجل حتى رأاني وقد اجتمع الناس علي، فقال: كان هذا الفتى أعقل مني. وهذا الأثر صحيح، وهذا من حرصه -رضي الله عنه- وتحقيق دعاء النبي عليه الصلاة والسلام له حين قال: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل»، فحرص -رضي الله عنه- على تلقي العلم وأخذ العلم والصبر على ذلك والذهاب في الرحلة إلى أهل العلم وسؤالهم حتى فتح الله عليه -رضي الله تعالى عنه-. قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: حدثنا الجريري عن عبد الله بن بريدة أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد وهو بمصر، فقدم عليه وهو يمد لناقة له، فقال: مرحبا. قال: أما إني لم آتك زائرا، ولكن سمعت أنا وأنت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوت أن يكون عندك منه علم. قال: ما هو؟ قال: كذا وكذا. وهذا الأثر صحيح، وهذا يزيد بن هارون سمع من الجريري قبل الاختلاط. فهكذا حرص السلف -رضوان الله عليهم- على الرحلة في طلب العلم وتحصيل العلم، ففارقوا بلدانهم وفارقوا أهليهم وأوطانهم لأجل طلب العلم وتحصيله. صلى الله هنا على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.