التعليق على الجواب الكافي 115

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 115، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الشرك والكبر وآثارهما

يتناول هذا الفصل مفهوم الشرك والكبر وخطرهما على الإيمان، حيث يعتبر الشرك أكبر الكبائر. كما يبين أن هذين الذنبين يحرم صاحبهما من الجنة ويؤديان إلى النار.

تحذير من القول على الله بغير علم

يركز هذا الفصل على خطورة القول على الله بغير علم، موضحًا أنه باب المصائب والجرائم والشرك. كما يبين أن هذا الفعل يؤدي إلى الشرك والكفر بالله تعالى.

الابتداع في الدين وخطورة الجهل

يبحث هذا الفصل في خطورة الابتداع في الدين والقول على الله بلا علم، مبينًا كيف يؤدي الجهل إلى الشرك. كما يشير إلى أن الابتداع أخطر من المعصية لأنه يضر الناس ويفتح باب الشرك والبدع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: يقول في فصل الشرك والكبر. قال رحمه الله: «فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق، وأمر لأجله بالأمر الديني، كان من أكبر الكبائر عند الله». فإنه قد بين رحمه الله حقيقة الشرك. وأيضا بين السر الذي يجعل العبد يشرك بالله جل وعلا، وهو سوء الظن بالله جل وعلا، ﴿فذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين﴾. فلهذا فالشرك من أعظم الكبائر، بل هو أكبر الكبائر، كما جاء في حديث أبي بكرة أنه أكبر الكبائر. وجاء أيضا في حديث ابن مسعود، وكلاهما في الصحيحين، أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، أن تجعل لله ندا وهو خلقك». فهو أكبر الكبائر وأعظم الذنوب وأظلم الظلم، ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾، ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾. كما قال الله عز وجل: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾. جاء في الصحيحين في حديث عبد الله أن الصحابة شق عليهم هذه الآية، وقال أبو بكر: «أينا لا يظلم نفسه يا رسول الله؟ قال: لم تسمعوا إلى قول العبد الصالح لقمان: ﴿يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾». فأظلم الظلم هو الشرك، وعدل العدل هو التوحيد، كما قال الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. قال رحمه الله: «وكذلك الكبر وتوابعه، أي أنه من أكبر الكبائر كما تقدم». فإن الله سبحانه خلق الخلق، وأنزل الكتاب، لتكون العبادة والطاعة له وحده. والشرك والكبر ينافيان ذلك؛ الشرك معنى أنه تصرف العبادة لغير الله، والكبر أن العبد لا يخضع لله، وإنما يخضع لغيره، أو يريد أن الناس يخضعون له ولا يخضعون لله. ولهذا أول ما عصي الله عز وجل بهذا الذنب، وهو الكبر، أن جبريل تكبر ولم يسجد لآدم، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. فالكبر هو الذي منعه من السجود. ولهذا الله عز وجل دائما يقول، أو في آيات كثيرة: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾، كما في سورة الزمر: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾. فالكبر يطلق على الشرك، وكذلك على الكفر؛ لأن غالب أهل الكبر هم أهل الشرك والكفر. ولهذا ربنا جل وعلا وصف هذا الوصف أيضا اليهود، مع أنه وصف النصارى بالشرك، ووصف اليهود بالكبر. وصف اليهود بالكبر، وهذا معلوم أن اليهود أكبر من النصارى، اليهود أكبر من النصارى وأشد عدوانا من النصارى، كما ذكر الله عز وجل، ووسمهم الله عز وجل بالكبر. وأما النصارى فوسمهم الله عز وجل بالشرك، ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾. قال: «ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر». قال الله عز وجل: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾. وقال: ﴿ولا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر﴾، كما جاء في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فأي لو كان شيئا يسيرا، وهذا عظيم يدل على أن الكبر داء عظيم يوصل إلى النار والعياذ بالله. ثم قال رحمه الله: «ويلي ذلك في كبر المفسدة القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم». فهذا أشد شيء منافاة ومناقضة لكمال من له الخلق والأمر، وقدح في نفس الربوبية وخصائص الرب. فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثما عند الله. أحيانا القول على الله بلا علم يكون أشد من الشرك بالله؛ لأنه يكون شركا في الربوبية في أفعال الله عز وجل، مثل ما حصل من اليهود والنصارى، فأشركوا بالله عز وجل، أسموا الله عز وجل العبد الروح، على أن له ابن، وربنا جل وعلا قال: ﴿فإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾. فلهذا فالقول على الله عز وجل بغير علم قد يكون أعظم. ولهذا ربنا جل وعلا يقول: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. فذكر آخر شيء في الذنوب، وهو أمر خطير. بدأ بالأسهل ثم ما كان أعظم منه، ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. فالقول على الله عز وجل فيه كذب على الله، فيه كذب على رسوله. منها تحليل الحرام، وتحريم الحلال. ومنها كذلك أيضا التقول على الله بما لم يقله، وكذلك على رسوله صلى الله عليه وسلم. فالقول على الله بغير علم هو باب المصائب كلها، وباب الجرائم كلها، وباب الشرك والكبر. فلهذا كان أمره عظيم. قال رحمه الله: «فإن المشرك المقير بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله». كما أن من أقرب الملك للملك، ولم يجحد ملكه، ولا الصفات التي استحق بها الملك، لكن جعل معه شريكا في بعض الأمور، وتقرب إليه، خير من من جحد صفات الملك وما يكون به الملك ملكا. وهذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول. يريد أن يبين أن من أشرك، أو المشرك المقير بصفات الرب جل وعلا، خير من المعطل الجاحد لصفات كماله، الذي يجحد صفات الله عز وجل وصفات ملكه سبحانه وتعالى، فهو قد أشرك في ربوبية الله وكفر بالله تعالى. فهذا أعظم إثما ممن جعل مع الله عز وجل إلها آخر. قال: «فداء التعطيل هو الداء العضال الذي لا دواء له؛ لأنه إلحاد وكفر بالله، وسلب لله صفات الله عز وجل». فلهذا فداؤه عظيم. قالوا: لهذا حكى الله عز وجل عن إمام المعطل فرعون، أنه أنكر على موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السماوات، وقال: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾. الآن أنكر أن الله عز وجل مستو على عرشه فوق سماواته، وكذب موسى بذلك. وهذا دليل عظيم في إثبات أن الله عز وجل مستو على عرشه فوق سماواته، وهو دليل من أدلة أهل السنة، بخلاف ما فسرها بعض المبتدعة قالوا: هذه عقيدة فرعون. طيب فرعون، من الذي قال له أن الله في السماوات؟ لا شك أنه موسى، وفرعون كذب أصلا لم يعتقد، وإنما كذب. ولهذا قال: ﴿وإني لأظنه كاذبا﴾، الظن هنا المراد به اليقين، أي: وأنا أجزم بأنه كاذب. هكذا يقول فرعون، فكذب موسى لما قال أن الله إلهه في السماء. قال: واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على المعطلة بهذه الآية. الشيخ أبو الحسن الأشعري هو إمام الأشعرية، لكن له أطوار، كان على مذهب المعتزلة، ثم تاب من مذهب المعتزلة ورد عليهم أعظم الرد، ثم تدرج بعد ذلك في مذهب أهل السنة، فكان على مذهب الكلابية، مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب. وكان يقول أيضا بنفي الصفات الاختيارية الفعلية. ومن ثم في آخر وقته أثبت هذه الصفات الفعلية، أثبت الاستواء، وأثبت كذلك بعض الصفات الفعلية في كتابه «الرسالة إلى أهل الثغر»، وكذلك في كتاب «الإبانة»، الإبانة عن أصول الديانة. فهذا الكتاب أثبت فيه الصفات أكثرها. قال: وقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب. أنا ذكرته في كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية». والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان، ما وقع الشخص في الشرك إلا لأنه تجرأ على الله وتكلم عليه بلا علم. وأيضا أصل الشرك هو الكلام على الله عز وجل بغير علم. وأيضا وضع أشياء في دين الله عز وجل لم يثبت، مثلا ليس فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو في الشرع، بل قد يكون خلاف ذلك. الآن عندنا تعظيم القبور أو تعظيم المقبورين، فهذا الأمر لم يكن في الإسلام أبدا، بل حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما كان أحد من الصحابة يأتي إلى قبره أو يسأله أو كذا. فما حصلت إلا بعد ظهور الرافضة في مصر، وبث في الناس هذه الأمور. وبعضهم أيضا بجهل، كأهل التصوف، ظنوا أن هذا تقرب إلى الله، فجاء فأوحى إليهم الشيطان أنكم أهل ذنوب وأهل معاصي، وهؤلاء أهل القبور هم أهل صلاح، وقرب عند الله ومنزلة. وجاء فقال: لماذا لا تسألوهم أو لا تتوسلوا بهم أو تتوسلوا بهم إلى الله؟ فتوسلوا وأجازوا التوسل، ثم عظموا فصاروا يستغيثون بهم من دون الله. وأراد هؤلاء أن يخرجوا من هذا الشيء، فقال بعضهم، مثل ما قال محمد علوي المالكي، قالوا: هؤلاء الذين يدعون غير الله هم ما يريدون دعاء غير الله، وإنما يريدون التوسل بالأولياء. فهم إذا قال مثلا: يا فلان، ليس معنى يا فلان مثلا اشفني، يقول: أنه ليس معنى أن فلان يشفيه أو يعتقد أن هذا الشخص يشفيه، بل قال: المراد يا فلان اشفني، أي يا فلان ادعو الله لي أن يشفيني. هذا كلام باطل. فهؤلاء ما دعوا هذا المخلوق وهذا المقبور وهذا الولي في زعمهم إلا لأجل أنهم يعتقدون فيه النفع والضر، وأنه يتصرف مع الله جل وعلا، وأنه أيضا يفعل ويفعل. وهذا مستطر في كتبهم والتصريحاتهم، وخاصة الرافضة، وكذلك كثير من القبورية. فلهذا فقولهم هذا القول على الله عز وجل بلا علم هو الذي يؤدي إلى الشرك، يؤدي العبد إلى الشرك. بجهل من يتكلم على الله عز وجل بلا علم، فهو الذي يفتح باب الشرك، ويفتح باب البدعة، ويفتح باب المخالفات والكبائر وغيرها. فلهذا فأعظم شيء يهلك الناس ويفسد قلوبهم هو القول على الله عز وجل بلا علم. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الشرك، لما قال له حذيفة: «وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم فيها قذفوه». دعاة على أبواب جهنم يفتون الناس بغير علم، وكذلك يضلونهم، كل ذلك جهلا، فيدعونهم إلى النار. فلهذا القول على الله عز وجل بلا علم هو مفتاح كل بلية. قال: «ولما كانت البدع المضلة جهلا بصفات الله وتكذيبا بما أخبر بها عن نفسه، وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، عنادا وجهلا، كانت من أكبر الكبائر، وإن قصرت عن الكفر». وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب، كما قال بعض السلف: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها». وهذا ذكره أكثر من واحد منهم الإمام الألكائي في شرح عقيدة أهل السنة، عن طريق الهيثم بن يمان، أو يمان بن الهيثم، عن سفيان الثوري قال: وقال إبليس لعنه الله: «أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله بالاستغفار. فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». وهذا لا يصح أثر، ذكره أبو يعلى، وفيه عثمان بن مطر، وهو ضعيف. قال: «ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على الناس». وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة. والابتداع هذا قد يؤديه إلى الشرك بالله جل وعلا. قالوا: المبتدع، أن المبتدع يمنعكم؛ لأنه يدعوهم إلى النار، والمذنب ليس كذلك. المذنب هو يضر نفسه، لكن هذا المبتدع الداعية يدعو الناس إلى النار. قالوا: المبتدع قادح في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك. إنه يعترف بالله عز وجل، ويعترف بأسماء الله وصفاته وكماله، ويعظم الله، لكنه قدم شهوة نفسه على أمر الله، أي هذا المذنب. أما المبتدع فهو يعمل وهو يظن أنه يعمل صالحا، ﴿قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾. وذكر الإمام سفيان بن عينة رحمه الله لما ذكر له أهل البدع ذكر هذه الآية: ﴿قل هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾. قالوا: المبتدع قادح في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك. والمبتدع مناقض لما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والعاصي ليس كذلك. أن المبتدع مشاق لله ومحاد لله عز وجل؛ لأنه يعارض شرع الله. قالوا: المبتدع، يقطع على الناس طرق الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه. فهذه أشياء مقارنة بين أن الابتداع أخطر. وغالبا الابتداع يأتي من القول على الله بغير علم. فلهذا دل على أن القول على الله بغير علم أمره عظيم في هلاك العبد، بل هلاك المجتمعات. فلنكتف بهذا، الله تعالى شكرا.