التعليق على الجواب الكافي 117

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 117، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

توبة القاتل وحقوق المقتول يوم القيامة

يناقش المقطع توبة القاتل وحق المقتول يوم القيامة، مستشهدا بحديث ابن عباس. يشرح أن استيفاء الوارث لا ينفع المقتول، وأن حقه يبقى باقيا يوم القيامة.

حكم التوبة من القتل وآراء العلماء

اختلف العلماء في سقوط حق الله تعالى بالتوبة، فمنهم من قال إن التوبة تكفر الذنب، ومنهم من قال إن إقامة الحد كفارة له. استدلوا بقبول الله توبة الكفار والسحرة.

حقوق القتل الثلاثة وتأثير التوبة عليها

القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق الله، وحق المقتول، وحق الولي. التوبة تسقط حق الله، وحق الولي يسقط بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق المقتول الذي يعوضه الله يوم القيامة.

الإشارة إلى مسألة المال والتطرق إليها لاحقا

تمت الإشارة إلى أنه سيتم التطرق إلى مسألة المال في درس لاحق بإذن الله، واختتم الدرس بشكر الحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: توبة القاتل. قال: والذين قالوا: لا تمنع التوبة من نفوذه، رأوا أنه حق لآدم لم يستوفه في دار الدنيا، وخرج منها بظلامته، فلابد أن يستوفى له في دار العدل. وهنا سيذكر مسألة توبة القاتل، هل له توبة أو ليست له توبة؟ قد ذكرنا هذه المسألة من قبل. قال: فما استوفاه الوارث، فإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه. وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه؟ وأي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه؟ كما تقدم معنا أن المقتول لا يستنفع بما يتحصل عليه الوارث، سواء كان من قصاص أو دية، أو كذلك حصل له عفو، فإنه لا يتعلق بالمقتول بهذا الشيء. قال: وهذا أحد القولين في المسألة، أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث، وهو وجه لأصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، على أن المقتول حقه يبقى. وقد جاء في حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يؤتى بالمقتول يوم القيامة، رأسه يشخب دما، يقول: يا ربي، سل هذا فيما قتلني». فدل على أن حقه لا يزال باقيا يوم القيامة. ذكرنا أيضا النصوص الدالة على هذا، كحديث المفلس، وأيضا حديث تأدية الحقوق، وكل هذا يدل على أن المقتول حقه لا يستوفى بالقصاص، وإنما بالقصاص يكون حق الورثة. وكذلك قبل ذلك حق الله جل وعلا، كما قال في حديث عبادة بن الصامت: «فمن جاء بشيء من هذه المعاصي كبار القتل والزنا والسرقة، فأقيم عليه الحد، فهو كفارة له». قال: ورأى الطائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الورثة، فإن التوبة تهدم ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده. قال: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر، وهما أعظم إثما من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ أنه إذا تاب الكافر والساحر تقبل توبته، مع أنه قد سحر الناس، وهذا الكافر قد كفر، وقبل الله عز وجل توبته. قالوا: قد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده، ودعا الذين حرقوا أولياءه وفتنوهم عن ديني إلى التوبة. ما قال الله عز وجل: «إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا»، كما قال الحسن رحمه الله -الحسن البصري-: «ما أكرم الله! قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة». وقال جل وعلا: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾. جاء في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس في البخاري أنه قال: «إن أناسا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلوا فأكثر، وزنوا فأكثر، فقالوا: يا رسول الله، لو أن لنا توبة؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية». قال: وهذا في حق التائب، وهي تتناول الكفار فما دونه. قال: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه. قال: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يكون تسليمها إلى المقتول، فأقام الشارع وليه مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، أن تسليمه إلى الورثة كتسليمه إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، كأنه أولياء ووكلاء. قال: فإنه يقوم مقام تسليمه للمورث. قال رحمه الله: والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: حق لله، وحق للمظلوم المقتول، وحق للولي. أنه ثلاثة حقوق تتعلق بالقتل: حق الله عز وجل، وحق المقتول، وحق الولي. قال: فإذا سلم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الولي، نادما على ما فعل، وخوفا من الله، وتوبة نصوحا، يسقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، أن يصلحوا على شيء، أو بالدية أو العفو. قال: وبقي حق المقتول، يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، ويصلح بينه وبينه، فلا يبطل حق هذا، ولا تبطل توبة هذا. فهذا إذا تاب وناب ورجع وسلم نفسه. وأما إذا بقي ولم يسلم نفسه، وبقي عليه حق الأولياء، أو إذا لم يتب، إن تاب إلى الله عز وجل، تاب الله عز وجل عليه، لكن حق الأولياء يبقى، وكذلك حق المقتول، إلا أن يجعل الله عز وجل له مخرجا يوم القيامة، فيصلح الله عز وجل بينه وبين هذا المقتول. ولهذا قالوا في حديث عبد الله بن عباس: ليس فيه أنه يعاقب، وإنما فقط توبيخا له، يقول المقتول: «سل هذا فيما قتلني»، يعني: لماذا قتلتني؟ فهذا في مسألة القتل، وهنا بعد ذلك ذكر مسألة المال. وإن شاء الله نتركها في درس لاحق. فنكتب بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا لكم.