التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 47

التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 47

الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 47، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

فوائد وعبر من قصة موسى وهارون: الإحسان للأقارب والرفق في الدعوة

يستعرض المقطع أبرز الدروس من قصة موسى وهارون عليهما السلام، ومن أعظمها إحسان موسى لأخيه بطلب النبوة له مؤكداً وجوب الإحسان للأقارب في الدين والدنيا. ويبين أهمية الفصاحة في الدعوة مع عدم حرج اللثغة إذا تحقق الفهم، مستدلاً بأدب موسى في سؤاله ربه إزالة ما يحول دون فهم المدعوين فقط، ومؤكداً أن الأصل في مخاطبة الناس الرفق واللين كما أمر الله موسى مع فرعون.

منهج الدعوة المتوازن ومعية الله الخاصة وأسباب العذاب والتوبة

يوضح المقطع منهج الدعوة المتوازن الذي قد يستدعي الشدة مع المعاندين وأهل البدع، مع بيان المعية الخاصة التي ينالها من أطاع الله وتوكل عليه ووثق بوعده. ويحدد سببي العذاب الرئيسيين: التكذيب بالحق والتولي عن الطاعة، مستشهداً بواقع المسلمين المعاصر، ويختتم بشروط المغفرة الجامعة: التوبة النصوح، والإيمان، والعمل الصالح، والاهتداء.

أسباب مغفرة الذنوب الأربعة: التوبة والإيمان والعمل الصالح والاهتداء

يستعرض المقطع أربعة أسباب رئيسية لمغفرة الذنوب مستمدة من قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾، وهي: التوبة النصوح، والإيمان الجازم المانع من المعاصي والدافع للتوبة، والعمل الصالح المكفر للسيئات، والاستمرار على الإيمان والهداية مع ازديادها. ويؤكد أن من كمل هذه الأسباب الأربع بشرى له بمغفرة الله الشاملة، مستدلاً بقصة موسى عليه السلام وما فيها من فوائد عظيمة.

خاتمة الجلسة والانتقال لموضوع جديد

المتحدث ينهي سلسلة الفوائد معتذراً عن الإطالة، ويعلن الانتقال إلى مواضيع أخرى. ويختتم الجلسة بالشكر والدعاء للحاضرين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فها نحن في آخر ما ذكره الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في ذكره للفوائد والعبر والدروس المستفادة من قصة نبي الله موسى وأخيه هارون عليهما السلام. قال: ومنها إحسان موسى عليه الصلاة والسلام على أخيه هارون، إذ طلب من ربه أن يكون نبياً معه. قال العلماء: وهذا من أعظم إحسان قدم من أخ إلى أخيه. أخوك إذا أردت أن تحسن إليه ربما تعطيه سيارة، وتعطيه بيتاً، هذا تعتبر يعني جائزة كبيرة وإحساناً كبيراً، لكن إحسان موسى إلى أخيه هارون هذا أعظم وأجل، لأن هارون عليه السلام بسبب أخيه صار نبياً، صار نبياً، فهذا من أعظم الإحسان، ومن أعظم ما يقدم الأخ لأخيه، من أعظم ما يقدم الأخ لأخيه. قال: وطلب المعاونة على الخير والمساعدة عليه، قال: ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾. وهكذا ينبغي للمسلم أن يحسن إلى أقاربه في أمور الدين وفي أمور الدنيا، فأحق الناس بالإحسان هم الأرحام والأقارب، الأرحام والأقارب. ولذلك ربنا سبحانه وتعالى عما بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أول ما أمره في تبليغ الدعوة أن يدعو أقاربه وعشيرته، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾. فنادى النبي صلى الله عليه وسلم أقاربه بأسمائهم، بأسمائهم: العباس، وصفية، هذا أعمامه، أو لا أعمامه، فعمم وخصّ عليه الصلاة والسلام، فهذا من ذاك، فهذا من الإحسان. فالداعي إلى الله عز وجل ينبغي عليه أن يحسن إلى أقاربه، ذلك بدعوتهم إلى الخير، وتقديم النصح والتوجيه والإرشاد لهم قبل غيرهم. قال: ومنها أن الفصاحة والبيانة مما يعين على التعليم وعلى إقامة الدعوة، لهذا طالب موسى من ربه أن يحل عقدة من لسانه ليفقه قوله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن من البيان لسحراً». فالبيان والفصاحة بمعنى إخراج الكلمة إخراجاً صحيحاً بحيث تُفهم، فلا يكون فيها خفاء، ولا كذلك غريب بحيث لا يفهم المخاطب، ولا شيء من ذلك. قال: لهذا طلب موسى من ربه أن يحل عقدة من لسانه ليفقه قوله. وأن اللثغة، اللثغة يعني ما يكون في اللسان من خلقه تمنع المتكلم من البيان، من البيان. وأن اللثغة لا عيب فيها إذا حصل الفهم للكلام، يعني إذا فهم المتكلم... إذا فهم المخاطب ما يقوله المتكلم، ولو فيه شيء من اللكنة أو من عدم إخراج الحروف مثلاً مخرجاً واضحاً أو نحو ذلك، المهم أن السامع يفهم، فهذا لا عيب فيه، فهذا لا عيب فيه. فمثلاً بعضهم ربما الراء ما يحسن إخراجه، ما يحسن إخراجه، أو بعض الحروف كالثاء ونحوها ما ينطقه نطقاً صحيحاً، فتجده يمتنع من الدعوة، ويمتنع من النصح والخطابة أو الوعظ أو نحو ذلك، بحجة أن عنده شيء من الأخطاء عند الكلام، هذا ليس بصحيح، طالما أن السامعين يفهمون الكلام، فلا حرج في ذلك. قال: ومنها أدب موسى مع ربه، أنه لم يسأل زوال اللثغة كلها، بل سأل إزالة ما يحصل به المقصود، لأنه ماذا قال؟ قال: ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا ﴾، وقال في هذه الآية: نعم، ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا ﴾، نعم هذه الآية. فلم يدعو الله عز وجل أن، كما ذكر هنا المؤلف، يزيل عنه ذلك العيب في كل كلام، وإنما في الكلام الذي فيه الدعوة إلى الله، وكذلك الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك ونحو ذلك، فقال: ﴿ لِيَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾، ﴿ لِيَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾، فسأل ربه هذا الأمر الخاص، وهو أن يفقه قوله فيما يدعوهم إليه، وهذا من الأدب، من الأدب مع الله عز وجل، إذ سأل الله عز وجل ما يحصل به المقصود، وهو فهم ما سيلقى أو ما سيلقي من الكلام الذي أوحاه الله إليه كي يفهمه المدعون. قال: ومنها أن الذي ينبغي في مخاطبة الملوك والرؤساء ودعوتهم وموعظتهم الرفق، هو الكلام الذي يحصل به الإفهام بلا تشويش ولا غلظة، وهذا يحتاج إليه في كل مقام، لكن هذا أهم المواضع، وذلك لأنه الذي يحصل به الغرض المقصود، وهو قوله: ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾. ولذلك يذكر العلماء قاعدة في أسلوب الدعوة إلى الله، وأن الأصل في الدعوة إلى الله الرفق واللين، هذا هو الذي ينبغي أن تكون أصل دعوة الداعي إلى الله، يدعو الناس عامة بالرفق واللين. فهذا فرعون مع ما بلغ من الكفر، ومن دعوى الربوبية ودعوى الألوهية، ومع هذا لما بعث الله عز وجل إليه موسى عليه السلام قال له ماذا؟ ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ﴾، ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾. فالمسلم الذي هو موحد وعنده أصل الإيمان، لكن عنده شيء من المخالفات، من المعاصي، أليس هو أحق بالرفق واللين في الدعوة إلى الله عز وجل؟ بلى. إذا كان... كان هذا جبار معاند كافر ظالم، ومع هذا أمر الله نبيه أن يدعوه بالرفق واللين، فكيف بمن هو مؤمن مسلم لكن يحتاج إلى دعوة؟ فهو أحق بالرفق واللين، فهو أحق بالرفق واللين. وأحياناً قد يتطلب الأمر الشدة في بعض المواضع، ولذلك لما دعا موسى عليه السلام فرعون، وأتاه بالرفق واللين في أول الأمر، فلما عاند وكابر، قال موسى لفرعون: ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾، يعني هالكاً، شد عليه في آخر الأمر، شد عليه في آخر الأمر، لأن الأمر... لأن المقام يستدعي ذلك. وهكذا قد أحياناً يحتاج الداعي إلى الله عز وجل إلى شيء من الشدة، خصوصاً مع المعاندين، أهل البدع والأهواء، ومن ينخر في عضد السنة، فقد يحتاج إلى شيء من الشدة. وهذه هي الحكمة، الحكمة أن يضع الداعي إلى الله عز وجل الأسلوب المناسب في دعوته في المقام المناسب، في المقام المناسب المناسب. ولذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أحياناً يشد على بعض أصحابه: «أفتان أنت يا معاذ؟» هذا في شيء من الشدة، وهكذا قال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، وغيرها من المواطن التي فيها شيء من الشدة. قال: ومنها أن من كان في طاعة الله، مستعيناً بالله، واثقاً بوعد الله، راجياً ثواب الله، فإن الله معه، ومن كان الله معه فلا خوف عليه. وهذه هي المعية الخاصة، لأن المعية معيتان: معية عامة بمعنى العلم والإحاطة، الله عز وجل يعلم ما عليه العباد كلهم، ما عليه العباد كلهم، مؤمنهم وكافرهم، طائعهم وفاجرهم، كل خلقه تحت علمه وإحاطته سبحانه وتعالى، هذه المعية العامة. وهناك معية خاصة لأولياء الله المتقين، الطائعين، المحسنين، الصابرين، ولها أدلة كثيرة. قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾. وقال الله عز وجل كذلك في كتابه الكريم: ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾، أي معية خاصة، معية الحفظ والنصر. فالذي أراده المؤلف هنا هو المعية الخاصة، أن من كان في طاعة الله، لأن من أسباب نيل تلك المعية الخاصة طاعة الله والاستعانة به، لأن الله مع الذين اتقوا، والتقوى هي اعتمار أو العمل بطاعة الله والابتعاد عن معصية الله، فمن كان كذلك فالله معه. كذلك واثقاً بوعد الله، عنده ثقة بالله، عنده توكل على الله. لما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه في الغار، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟» ثقة بالله، وبوعد الله، وبحفظ الله. فهكذا ينبغي للمؤمن أن يكون مستعيناً بالله، واثقاً بوعد الله، لا يضعف أمام الفتن، وأمام ما يرى من تكالب الأعداء، تكالب أهل الباطل على أهل الحق، بل يزيده ذلك إيماناً. ولما رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا: ﴿ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾، ﴿ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾، ما زادهم هذا البلاء، هذا الأمر الجلل العظيم، إلا ثباتاً، وكذلك ثقة بالله سبحانه وتعالى. فكن مع الله يكن الله معك، كن مع الله دائماً وأبداً، ذاكراً لله بلسانك وبجوارحك وبقلبك، فالله عز وجل يكون معك. قال: لقوله تعالى: ﴿ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾. طمأن ربنا عز وجل نبييه موسى وهارون، طمأنهما، قال لهما: ﴿ لَا تَخَافَا ﴾، علّل ذلك لماذا لا يخافا؟ لأنهما مع الله، والله عز وجل هو الذي بعثهما، فهو معهما لتأييده ونصره سبحانه وتعالى. وقال تعالى: ﴿ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾. قال: ومنها أن أسباب العذاب منحصر في هذين الوصفين: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾، أي كذب خبر الله وخبر رسله، وتولى عن طاعة الله وطاعة رسله. ونظيرها قوله تعالى: ﴿ لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾. وهذا فيه الحذر، ينبغي للمؤمنين أن يحذروا من هذين الوصفين، لأنهما من أسباب نزول العذاب، وهو التكذيب بما أخبر الله به ورسوله، والتولي عن طاعة الله، وعن عبادة الله، وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما نشاهده في هذه الأيام من العقوبات في كثير من المجتمعات المسلمة، من الزلازل، ومن الفيضانات، ومن شدة المعيشة، ومن كذلك ذل المسلمين وتسلط الأعداء عليهم، إلا بسبب بعد المسلمين عن دينهم، وهو التولي عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. فوجدت في المجتمعات المعاصي، المعاصي الظاهرة، ها هي البنوك الربوية منتشرة في البلاد الإسلامية، وها هي الزيارات الشركية كذلك منتشرة في البلاد الإسلامية، بل ولربما يدعى لها من قبل الولاة، وهذه مصيبة عظيمة، هذه مصيبة عظيمة حلت ببلاد المسلمين، يوم أن تنعش وتحيا مظاهر الشرك والخرافة والبدعة، فهذا كله من التولي عن طاعة الله، هذا سبب من أسباب العذاب. ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا ﴾، أوحى الله عز وجل إلى موسى وهارون أن العذاب إنما يحل بمن كذب وتولى، وأن النار لا يصلى بها ولا يعذب بها إلا الأشقى، الذي سبب هذا العذاب النازل عليه هو التكذيب والتولي، ﴿ إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾. قال: ومنها أن قوله تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾، استوعب الله بها الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله. هذه الآية جمعت أسباباً، من جمعها ومن وفاها غفر الله عز وجل له. أحدها: التوبة، وهو الرجوع عما يكرهه الله ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه الله ظاهراً وباطناً. النظر المحرم يكرهه الله، فالتوبة منه أن تقلع عنه ظاهراً وباطناً، لا تحبه بقلبك، ولا تتطلع إليه بعينيك، ثم تقبل على الله عز وجل، فتتذكر ما أعد الله عز وجل في الجنة من الحور العين، ومن النظر إلى وجهه الكريم سبحانه وتعالى، فهذه المحبة تصرفك عما حرم الله، وكذلك تدفعك إلى ما يحب الله، وتعمل بأسباب دخول الجنة وما فيها من النعيم المقيم. لذلك قال: وهي تجب ما قبلها من الذنوب، صغارها وكبارها، فمن تاب تاب الله عليه، والتوبة تجب ما قبلها. هذا السبب الأول من أسباب مغفرة الذنوب، التوبة الصادقة، وهي عنوان الفلاح: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمََنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا ﴾. قال في الآية الأخرى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾. قال: الثاني، أي من الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله، الإيمان، وهو الإقرار والتصديق الجازم العام بكل ما أخبر الله به ورسله ورسوله، الموجب لأعمال القلوب، أعمال القلوب مثل الخشية والخوف والإنابة ونحو ذلك، ثم تتبعها أعمال الجوارح، الجوارح مثل الصلاة، الجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. ولا ريب أن ما في القلب من الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، الذي لا ريب فيه، هو أصل الطاعات وأكبرها وأساسها. فمن قوي إيمانه بالله وبكتبه ورسله واليوم الآخر، انزجر وابتعد عما يغضب الله، وأقبل على ما يحب الله. لذلك الله عز وجل كثيراً ما يذكر بالإيمان عباده عند تحذيرهم من المعاصي والذنوب. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾، وكانوا يؤمنون بذلك اليوم العظيم، لما ارتكبوا هذه المعصية وهذه الكبيرة. وهكذا في الصدق في الأحكام الشرعية في أمر النساء ونحو ذلك، قال: ﴿ إِن كُنتُنَّ تُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾، وهكذا في كثير من التحذيرات الربانية عن المعاصي والذنوب، يقرنها الله عز وجل بالإيمان به سبحانه وباليوم الآخر. فكما ذكر المؤلف رحمه الله، أن ما في القلب من الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، الذي لا ريب فيه، هو أصل الطاعات وأكبرها وأساسها. ولا ريب أنه بحسب قوته يدفع السيئات، بحسب قوة هذا الإيمان، فإن هذا المؤمن يدفع السيئات، فلا تراه إلا مقبلاً على الطاعة، مبتعداً عن المعصية. قال: يدفع ما لم يقع، فيمنع صاحبه من وقوعه، لأن... ما وقعت في النظر المحرم، لكن إذا أردت وهممت بهذا الأمر، منعك إيمانك من الوقوع فيه، هذا معنى دفع ما لم يقع، فيمنع صاحبه من وقوعه. قال: ويدفع ما وقع، بالإتيان بما ينافيه، وعدم إصرار القلب عليه، يعني وقع هذا المؤمن في المعصية، وقع فيها، لكن إيمانه يؤنبه، ولا يزال هذا الإيمان يتردد في قلب المؤمن حتى يتوب هذا المؤمن من ذلك، أو من تلك المعصية، فهذا معنى قوله: ويدفع ما وقع، بالإتيان بما ينافيه، وهو ماذا؟ الطاعة، وعدم إصرار القلب عليه، على هذا الذنب. فإن المؤمن، ما في قلبه من الإيمان ونوره، لا يجامع المعاصي، أنه مؤمن، لأنه مليء بنور الإيمان، فلا يجتمع هذا النور مع ظلمة المعصية، فتجد هناك صراعاً بين ذلك الإيمان الذي ملأ به القلب، وبين تلك المعاصي، فلا يقربها، وإذا استزله الشيطان فأتى هذه المعصية، فإن نور الإيمان يزيل ويزيح تلك المعصية، وذلك بالتوبة والرجوع إلى الله، والندم، والإقبال على الله سبحانه وتعالى. هذا هو الثاني من الأسباب التي تدرك بها مغفرة الله. قال: والثالث: العمل الصالح، وهذا شامل لأعمال القلوب، مثل الخشية والإنابة، وكذلك الخشوع، ونحو ذلك من أعمال القلوب، وأعمال الجوارح كما تقدم: الصلاة، الجهاد، وأقوال اللسان: الذكر، قراءة القرآن. ﴿ وَالْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾، كذلك من أسباب غفران الذنوب الإكثار من الأعمال الصالحة. لذلك الصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهما، إذا اجتنبت الكبائر، هذه من الأعمال الصالحة. وهكذا كثير من الأعمال الصالحة سبب لتكفير السيئات. الرابع: الاستمرار على الإيمان والهداية، والازدياد منها. فمن كمل... فمن كمل هذه الأسباب الأربعة، فليبشر بمغفرة الله العام الشاملة. وهذه الأربعة هي التي ذكرت في الآية، وإلا هناك أسباب أخرى ذكرها شيخ الإسلام، قرابة العشرة، لكن هذه الأربعة التي ذكرت في الآية. قال: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ﴾، غفار، هذا صيغة مبالغة، أي كثير المغفرة، لمن؟ لمن تاب، هذه التوبة، وآمن، هذا الإيمان، وعمل صالحاً، هذا العمل الصالح، ثم اهتدى، الاستمرار في الهداية والإيمان. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾. فإذا ثبت العبد على الإيمان والهداية، زاده الله عز وجل إيماناً وهداية. وكما هو معلوم من معتقد أهل السنة والجماعة، أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وكلما اهتدى الإنسان، زاده الله هدى، فيترقى في درجات الهداية والإيمان، حتى يصل إلى مقام الكمال بإذن الله عز وجل. ولذا قال: فمن كمل هذه الأسباب الأربعة، فليبشر بمغفرة الله العام الشاملة. ولهذا أتى فيه بوصف المبالغة، فقال: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ﴾، أي هذا... هذا يسمى من صيغ المبالغة على وزن فعال، غفار، أي كثير المغفرة. قال: ولنكتفي من قصة موسى بهذه الفوائد، مع أن فيها فوائد كثيرة للمتأملين، وهذا من سعة علمه وقوة استنباطه، عليه رحمة الله، مع ذكره لهذه الفوائد التي هي عند عدها تصل إلى أربعين فائدة. هذه القصة ذكر أربعين فائدة، ومع هذا يقول: مع أن فيها فوائد كثيرة للمتأملين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فتجد العالم يفتح الله عز وجل عليه في آية، أو في قصة، أو في حديث، فيذكر ما فيها من الفوائد الكثيرة، التي لربما ما يستطيع غيره من العلماء أن يأتي بها، أو أن يأتي بما هو قريب منها. فمما عرف هذا العلامة، رحمه الله، ناصر السعدي، رحمه الله، بقوة استنباطه، ودقة كذلك استخراجه للفوائد من الآيات، والقصص النبوي، والقصص القرآني، والقصص النبوي كذلك، فله مؤلفات كثيرة في هذا الباب. طيب، وبهذا نكون قد انتهينا من هذه القصة، ولله الحمد والمنة. وبعدها إن شاء الله نأخذ قصة نبي الله يونس عليه السلام. إلى هنا، والله تعالى أعلم، والمعذر عن الإطالة، أحببنا أن ننهي هذه الفوائد حتى ننتقل إلى غيرها. إلى هنا، والله تعالى عالم. شكراً.