الدرس في التعليق على قصص الأنبياء للعلامة السعدي 49، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع أبرز الدروس المستفادة من قصة نبي الله يونس عليه السلام، مثل عتاب الله اللطيف له وحفظه في بطن الحوت كآية وكرامة. كما يبرز استجابة قومه للإيمان بعد خروجه ومشروعية القرعة وقاعدة ارتكاب أخف الضررين.
يشرح المقطع قاعدة شرعية تقضي بارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما مستنداً إلى نصوص قرآنية وسنة نبوية. ويؤكد أهمية معرفة العبد بربه في حال الرخاء ليحفظه الله في الشدة مقارناً بين حال يونس وفرعون.
يشير المقطع إلى أن من عرف الله في الرخاء كان الله معه في الشدة، مستشهداً برفض توبة فرعون وتثبيت خديجة للنبي صلى الله عليه وسلم. ويرشد إلى دعاء ذي النون «لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين» كسبب لرفع الكرب ونجاة المؤمنين.
يذكر المقطع أن المبتلى في الشدائد سيجد فرجاً من الله عز وجل، مختتماً الحديث بالاكتفاء بما ذُكر وقوله: والله تعالى أعلم. ويؤكد أن الفرج الإلهي يأتي بعد الصبر والاحتساب.
الحمد لله، وصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فقد أخذنا في الدرس الماضي قصة نبي الله يونس عليه السلام. قال المؤلف رحمه الله: "وفي هذه القصة من الدروس والفوائد والعبر: عتاب الله ليونس عليه السلام اللطيف، وحبسه في بطن الحوت ليكون كفارة وآية عظيمة وكرامة ليونس". فقوله: "عتاب الله ليونس اللطيف"، أي أن الله سبحانه وتعالى أرفق بنبيه. وكما تقدم معنا في قصته عليه السلام، أن الله سبحانه وتعالى جعله في بطن الحوت، وحماه وحفظه، وأخرجه إلى العراء سليماً ليس فيه كسر ولا عض ولا شيء من ذلك. فهذه آية وكرامة أكرم الله عز وجل بها يونس عليه السلام. أحدنا لو نزل إلى البحر لحظات لذهب نفسه ومات، وأما نبي الله فألقي في البحر فالتقمه ذلك الحوت، فكانت بطن الحوت كالوقاء والحفظ لهذا النبي. لا شك أن هذه آية عظيمة. وقال: "ومن نعمة الله عليه أنه استجاب له هذا العدد الكثير من قومه"، كما تقدم عنا لما ذهب عن قومه بعد إصرارهم وعنادهم وإبائهم واستمرارهم في الكفر، قذف الله في قلوبهم الإيمان فآمنوا عن بكرة أبيهم، فصاروا من أتبعه لأنه هو الذي دعاهم إلى التوحيد، ثم رد إليهم رد إليهم بعد أن عُتب هذا العتاب اللطيف عليه السلام. قال: "فكثرة أتباع الأنبياء من جملة فضائلهم"، فهذا يستدل به على فضل هذا النبي، وأن الله أنعم عليه بهذه النعمة، وهي استجابة قومه له. وقال: "وفيها استعمال القرعة عند الاشتباه في مسائل الاستحقاق والحرمان". الاستحقاق: مثلاً أمر لا يقسم وإنما يعطى لواحد، وهذا الأمر رغب فيه أكثر من واحد، ولا توجد هنا قرينة لتفضيل أحدهم على الآخرين، ففي مثل هذا تستخدم القرعة. والحرمان كذلك كما وقع لنبي الله يونس عليه السلام، فحرم من البقاء في السفينة لما أقرعوا، فكانت القرعة نصيبه. وهذه مسألة معروفة عند الفقهاء، سواء كان في الأمور الشرعية أو في الأمور الدنيوية، ويستدل لها بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فيما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: حتى لو استهموا عليه لفعلوا". وهكذا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله بين أزواجه إذا أراد الجهاد والخروج في سبيل الله، فكان يقرع بين نسائه. وهكذا في غيرها من المسائل، ومنها هذه القصة. فلما اضطروا إلى التخفيف عن السفينة برمي بعضهم في البحر، استخدموا هذه القرعة حتى لا يظلم أحد. إذا كان الإخراج إجبارياً فليس أحدهم حياته بأهون من الآخرين، فلذلك استخدموا هذه المسألة الشرعية. قال: "إذا لم يكن مرجح سواها"، يعني لا يوجد هناك مرجح، ولا يمكن الانتقال إلى غيرها. وفي عمل أهل السفينة هذا العمل دليل على القاعدة المشهورة: أنه يرتكب أخف الضررين لدفع الضرر الذي هو أكبر منه. ولا ريب أن إلقاء بعضهم وإن كان فيه ضرر، فعطب الجميع إذا لم يلقَ أحد أعظم. يعني عطب الجميع، يعني هلاك الجميع. أيهما أخف مفسدتين: أن يبقوا جميعاً في السفينة ثم تغرق السفينة بهم جميعاً، أو أن ينزلوا منها فينزل بعضهم فيهلك البعض ويسلم الآخرون؟ أيهما أخف ضرراً؟ لا شك أن أخف ضرراً أن يهلك بعضهم وأن يبقى البعض الآخر. هذا أخف الضررين. ففيه دليل على هذه القاعدة الشرعية العظيمة، وهو ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. ولهذا أمثلة كذلك كثيرة في الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. سبوا الله مفسدة لا شك، فلو أنكر عليهم لزادوا في سبهم ولا طغوا وبغوا زيادة، فدفعوا مفسدة الزيادة في السب أخف من ذلكم السكوت عليهم. وهكذا في السنة: "لولا أن قومك حديث عهد بإسلام، لهدمت الكعبة ثم بنيتها على قواعد إبراهيم". فترك ذلك دفعاً لمفسدة عظمى، وهو افتتان هؤلاء، ولربما رجوعهم عن الإسلام. فترك هذا الأمر من أجل دفع تلك المفسدة. وقال: "وفيها أن العبد إذا كان له مقدمة، إذا كانت له مقدمة صالحة مع ربه، وقد تعرف على ربه في حال الرخاء، فإن الله يشكر له ذلك ويعرفه في حال الشدة بكشفها بالكلية أو تخفيفها". ولهذا قال في قصة يونس: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وهذا ما يسمى عند العلماء: "تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة". وهي قطعة حديث جاءت في بعض روايات حديث ابن عباس، لما كان رديف النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الروايات، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة". فمن كان مع الله حال رخائه وحال تقلبه في نعم الله، فإن الله عز وجل يكون معه في حال الشدة والكربة والنازلة. وقد ذكر المعلق كلاماً حسناً نقله عن الرازي في شرح أسماء الله الحسنى، قال: "إن يونس كان قد سبقت له المعرفة مع هذه الكلمة، وهي: لا إله إلا الله، فسبق المعرفة إعانة على قبولها منه. وأما فرعون فقد تقدم له سبق النكرة، يعني أنكر ربوبية الله وألوهية الله، فحشر فنادى فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾". قال: "وذلك لأنه كان ينادي بربوبية نفسه، أي فرعون، وقال: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ﴾. وأما يونس فإنه كان ينادي بربوبية الله، يعني كان معترفاً مقراً بها في رخائه". قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾، وقال: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾. وهذا ينبهك على أن من حفظ الله في الخلوات، فإن الله يحفظه في الفلوات. أي: من حفظ الله في خلوته، في رخائه، في كذلك سره، وفيما بينه وبين الله، فإن الله يحفظه في علانيته، وفي بلائه، ونزول المصائب عليه. فكن مع الله يكن الله معك. تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وهذه القاعدة لها أمثلة كثيرة جداً في الكتاب، وكذلك في السنة. فمن لم يعرف الله في الرخاء لم يعرفه الله في الشدة. هذا فرعون لما أدركه الغرق ماذا قال؟ ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. هل نفعه ذلك؟ ما نفعه. جاء الجواب من رب العالمين: ﴿الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. الآن، الآن تقول هذا؟ أي: تقول هذا، أي كنت من قبل، أي كنت في وقت رخائك. الآن لما أدركك الغرق وتيقنت بتحقق الموت تقول هذه الكلمة: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾. الآن ما ينفع، وقد كنت من قبل من الكافرين، ما ينفع. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى خديجة رضي الله عنها بعدما رجع من الغار وهو يقول: "زملوني، زملوني"، ويرتجف عليه الصلاة والسلام، فسكنته وهدأته، وقالت له: "والله لا يخزيك الله أبداً". هذه شدة نزلت به، ففي هذا الموضع: الله لا يخزيك، لماذا؟ لأنك تقري الضيف، وتصل الرحم، وتكسب المعدوم. ذكرت من عبادات ومن أعماله في وقت رخائه، فدل ذلك على أن من كانت له خبيئة حسنة في وقت رخائه، وأعمال صالحة، ومعرفة بالله عز وجل، فإن الله سبحانه وتعالى يكون معه في حال كربته وشدته. وقال: "وفيها ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: دعوة أخي ذُ النون، ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". فهذه الدعوة سبب من أسباب رفع الكرب. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث العظيم: "ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه". والحديث رواه أحمد والترمذي والحاكم، كما ذكر ذلك المعلق، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأقرهما الشيخ الألباني عليه رحمة الله، من حديث سعد بن أبي وقاص. فأكثروا من هذا الدعاء، لا سيما والكروب متواجدة، والشدائد متتابعة، فعلى المسلم أن يلجأ إلى الله، وأن يأخذ بأسباب النجاة من المصائب والمحن. فمن ذلك أن تقبل على الله في حال رخائك، ومن ذلك أن تدعو بهذا الدعاء العظيم، وتكثر به إذا شعرت بكرب، بهم، بغم، بضيق. أكثر من هذا الدعاء: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". هذا الدعاء فيه أولاً: التوسل بـ "لا إله إلا أنت" بتوحيد الله عز وجل، لهذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد. ثم بتنزيه الله عز وجل عن كل نقص وعيب: "سبحانك"، التسبيح معناه التنزيه. ثم الاعتراف بالتقصير والذنب، فقال: "إني كنت من الظالمين". وكل هذه التوسلات حري بأن الله عز وجل يستجيب لمن دعا بها، ونقولها بإذن الله عز وجل. وقال: "وفيها أن الإيمان ينجي من الأهوال والشدائد، لقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾". وهذا من فضل الإيمان، ومن ثماره. من أعظم ثمار الإيمان أنه ينجي أصحابه. ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي﴾ من؟ المؤمنين. فالمؤمنون هم الذين ينجيهم الله عز وجل من كل كرب، ومن كل أمر عظيم. قال: "إذا وقعوا فيها لإيمانهم"، يعني بسبب إيمانهم. إذا وقعوا في هذه الشدائد والأهوال، فإن الله عز وجل يفرج عنهم. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.