الدرس في تعلقات رمضان على أهل الإسلام 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
رمضان فرصة لتربية المسلم على الأخلاق الصالحة من خلال بذل الندى وكف الأذى، ويشجع على البذل والعطاء من خلال أفعال مثل إفطار الصائمين وزكاة الفطر.
رمضان مدرسة للجود والكرم والتقوى، ويجب على المسلم الاستمرار في هذه الأخلاق بعد رمضان من خلال الإنفاق والتصدق طوال العام.
الصدقة تقي من النار وتجلب الأجر العظيم، وهي دليل على الإيمان وتؤثر إيجابًا على المسلم والمحتاجين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذه الدروس في بيان ما يستفيده المسلم في رمضان، وما ينبغي عليه من الاستمرار، إذ أن رمضان في الحقيقة ليس القصد منه أن المسلم يقتصر بالطاعات والعبادات والسلوكيات والأحوال فيه، وإنما هو في الحقيقة تربية يتربى فيها المسلم على أحسن الأحوال والأخلاق والأعمال والأقوال، ثم ينطلق بها طيلة العام. أشرنا في دروس خلت إلى ما يتعلق بمسألة الإخلاص ومسألة الدعاء ومسألة العبادة، وأيضًا مما أذكره في هذا المقام أن ما يستفيده المسلم ليس فقط فيما يكون من تعلقه بربه، بل أيضًا المسلم في رمضان استفاد كيف تكون علاقته مع غيره، وهذه من عظيم شريعة الإسلام في رمضان أن هدف إلى أن المسلم يعتني بعلاقته مع ربه وعلاقته مع خلق الله. علاقة المسلم في رمضان مع عباد الله يمكن اختزالها في مسألتين اثنتين، ألا وهما بذل الندى وكف الأذى. نبدأ بالمسألة الأولى وهي بذل الندى، بذل الندى بمعنى بذل الخير. فمن تأمل في تشريع رمضان وما فيه من مسائل وأحكام، فإنه يهدف إلى أن المسلم في رمضان يكون محسنًا كريمًا سخيًا جوادًا معطاءً، يحرص على أن يوصل خيره إلى غيره. تأتي هذه المعالم عند أهل رمضان من عدة فقرات، منها بدءًا باغتنام مسألة مضاعفة الأجور، الصائم يعرف أنه في رمضان تتضاعف فيه الأجور، فمن أعظم ما يقوم به من عمل استغلالًا للمضاعفة النفقة، حتى قال أبو بكر بن أبي مريم رحمه الله تعالى: "إن بسطوا فيه بالنفقة فإن النفق فيه مضاعفة". وأيضًا ما كان من سمته وصفته عليه الصلاة والسلام، كما قال ابن عباس: "كان رسول الله أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان". ومن هنا حرص الكل وحرص الجميع والكثير منا على البذل والعطاء لاستغلال مسألة المضاعفة واغتنام الحسنات، وأيضًا اقتداءً برسول الأنام عليه الصلاة والسلام، فأنفق منا الكثير وأنفق منا القليل. ثم تأتي المسألة الأخرى وهي أن الإسلام جعل من أفضل أعمال أهل الصيام ما يكون من إفطار الصائمين، تعتبر من قمة الأعمال في رمضان، ولهذا حرص الناس في رمضان على إعداد مآدب الإفطار في البيوت وفي المساجد وفي الطرقات، وأصبح هذا التهادي حتى بين الجيران على مستوى ربات البيوت، هذه تعطي وذاك تهدي وهكذا أصبح الكل يبذل من هنا ومن هنا من تمرة إلى وجبة. ثم تأتي المسألة الأخيرة ألا وهي زكاة الفطر، وهي القاضية بل والملزمة والآمرة على أهل كل بيت بل على كل فرد الصغير والكبير والذكر والأنثى أن ينفق صاعًا من بر أو صاعًا من شعير إلى آخر الحديث، فأخرج ما شئت يا عبد الله أو أبيت تخرج، فما خرج رمضان إلا ووجد المسلم أنه في رمضان أصبح معطاء يخرج من خيره إلى غيره، شعر بهذا أو لم يشعر. يستفاد من هذه المعطيات أن المسلم يكون باذلًا للخير، وهذه المسألة للأسف من الأخطاء التي نركز عليها الآن، وهي أن من الناس إذا انتهى رمضان يغلق باب الإحسان يغلقه تمامًا، فيمسك عن النفقة ويمسك عن الصدقة، هذا ليس بصحيح. نذكر ونكرر بأن رمضان هو في الحقيقة مدرسة المسلم يتربى، يتعلم، يرتقي، لعلكم تتقون، ليس التقوى فقط خاصة في رمضان بل طيلة العام، ومن أعظم ما يتق به الرب عز وجل في هذا المقام السخاء والجود والكرم. فحرصي عبد الله على أن تكون كما كنت في رمضان ولو على أقل الدرجات، لأن العلة في رمضان هي موجودة في كل زمان، والحاجة إلى الناس من الفقراء والمساكين والمحتاجين لم تغلق لم تغلق أصلا. وتأمل يا عبد الله إلى وصفه عليه الصلاة والسلام، حتى تصحح هذا التفكير، ما وصفه قال ابن عباس: "كان رسول الله أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان"، أي أن جوده كان من قبل ومن بعد، جوده من قبل ومن بعد، لكن لما يأتي رمضان يزداد، إذا انتهى رمضان قل، لكن هل خرج من الجود حاشاه عليه الصلاة والسلام، هو جواد، وهكذا يا عبد الله كن، كن يا عبد الله على هذا الحال، احرص على البذل والعطاء وعلى الجود والإكرام، فإن ذلك من أعظم الأعمال التي يستفيدها المسلم ليس فقط في رمضان بل طوال العام. والفضائل الكثيرة وكثيرة جدًا لا تعد ولا تحصى في مسألة دفع المسلم إلى استمرارية بذله وعطائه من ماله ولو قل، ولو قل، ألم يقل نبينا صلى الله عليه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، تأمل نار تلظى جهنم، يمكن يا عبد الله أن تحتاز منها وأن تتخلص من نارها ومن الدخول فيها، لا أقول بتمر وإنما بشق تمرة، ما هناك أحد في هذه الأزمان يعجز عن هذا، قد فتح الله على العباد ووسع الله علينا بالأرزاق، لكنه البخل والشح الذي ضرب على قلوبنا، ومن ثم مسكت به أيدينا ما أخرجنا. اتقوا النار ولو بشق تمرة، والإنسان كلما تفنن في باب الصدقة، وخاصة إذا وجد منه الإخلاص كان الأجر أفضل وأعظم وأكبر، قال عليه الصلاة والسلام: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، ومن هؤلاء "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها لشدة إخلاصه حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"، هذا ليس في رمضان هذا عام، تكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يا عبد الله يوم القيامة. وهكذا يا عبد الله احرص على طرق هذا الباب، ومن وجد البذل والإحسان في رمضان سيشعر بعظيم أثره على غيره، بل حتى على نفسه، من طرق هذا الباب وأخذ بالعطاء والبذل، والله ما سينفق عنه لأنه قد وجد أثر هذا على غيره، عندما يعطي المسكين، عندما يعطي المحتاج، عندما يعطي صاحب الديون، عندما يعطي المرضى ممن احتاج إلى سفر أو إلى علاج، ينظر إلى الابتسام وينظر إلى الدعاء وينظر إلى الهم الذي انفرج على يديه، هذا يا عبد الله تفوته بعد ذلك وأنت قد شعرت بأثر الصدقة على غيرك، بل حتى على نفسك. عندما الإنسان يتصدق يجد ما يعود إلى نفسه من انشراح صدره، ولهذا جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والصدقة برهان"، برهان على الإيمان، من أعظم ما يبرهن به المسلم على إيمانه ما يكون من أمر الصدقة، ووجه ذلك أنك تعطي مالًا من مالك تعبت عليه، اشتغلت عليه بالكد والكدح والتعب والسهر، ثم تخرجه إلى آخر ما بينك مصلحة وما بينك علاقة تعطيه إلا وترجو من هذا العطاء ما عند الله، ما الذي عند الله جنة وأنت ما رأيتها، وعد من الله بالمغفرة وأنت ما عندك علم بها، لكن لعظيم يقينك بالله لما كانت هذه المعطيات كلها تحف بالصدقة، قال نبينا: "والصدقة برهان"، بها يبرهن المسلم على مدى صدق إيمانه بالله. فالشاهد إخواني في الله أن من الدروس المستفادة من رمضان ما أراد الشرع فيها أن يكون المسلم جوادًا كريمًا سخيًا متصدقًا منفقًا معطاءً، وينبغي أن نعلم أن هذا الحال ينبغي أن يستمر به المسلم طوال العام، ولو قل، ولو قل، ولو كما قال عليه الصلاة والسلام: "بشق تمرة". أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.