التعليق على الجواب الكافي 119

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 119، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في جريمة القتل وأثرها

يناقش جريمة القتل ومفسدتها، ويشرح الآية الكريمة التي تشبه قاتل نفس واحدة بقتل الناس جميعا. يُستدل بالآيات والأحاديث النبوية لتوضيح معنى التشبيه في القرآن والسنة.

وجوه الشبه بين قتل نفس واحدة وقتل الكثير

يشرح معنى تشبيه قتل النفس بقتل الناس جميعا في القرآن، ويبين وجوه الشبه بينهما، مثل كون كلاهما عاص لله ورسوله ومستحق للعقوبة. يعدد وجوه الشبه ويستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأمثلة من التاريخ الإسلامي.

تفسير الآية الكريمة وتأثير قتل النفس

يفسر الإمام ابن القيم الآية ﴿فكأنما قتل الناس جميعا﴾ بأن من قتل نفسا واحدة فقد شبه بمن قتل الناس جميعا، حيث أن التجرأ على أهل الإيمان يؤذيهم جميعا وقد يؤدي إلى التجرأ على غيرهم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال فصل: جريمة القتل. ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة، لما ذكرها رحمه الله، وذكر خلاف العلماء في ثبوت توبة القاتل أو لا تثبت، أو قبول توبة القاتل أو لا تقبل، وذكر أن كلام ابن عباس وكلام الآخرين لا يتناقض؛ لأن ابن عباس عنى ما يكون يوم القيامة، وهو حق المقتول، فإن حق المقتول يبقى إلا أن يشاء الله عز وجل فيجعله يعفو. وأما حق الورثة فهو في الدنيا، وحق الله عز وجل أيضا القصاص أو الحد. قال: جريمة القتل، ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة، قال الله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾؛ لأن الذي يتجرأ على القتل فإنه سيقتل ما بدا له. قالوا: قد أشكل فهم هذا على كثير من الناس، وقالوا: معلوم أن إثم قاتل مئة أعظم إثما عند الله من إثم قاتل نفس واحدة. وإنما أوتوا من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة، والقول لم يدل على هذا؛ يعني يقول: أنه ليس المراد هنا العقوبة، فلا شك أن الذي يقتل مئة ليس كالذي يقتل واحدا. قالوا: لا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه. وقد قال الله عز وجل: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾، وقال تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾، وذلك لا يوجب أن لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار، وإنما هو شيء يسير كغدوة أو عشية أو ضحاها. قالوا: قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث أبان عن عثمان رضي الله عنه. قال: أي مع العشاء، ما جاء في لفظ آخر وأصرح من هذا قوله: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر». وهذا حديث بأي يوم العنصار في صحيح مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن». أنا هذا معلوم أنه الذي يصلي العشاء ليس كمن قام نصف الليل، لكن جعل الله عز وجل له فضيلة عظيمة حتى كأنه قام نصف الليل. قالوا: معلوم أن الثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به، فيكون قدره ما سواء. ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي الفجر والعشاء في جماعة في قيام الليل منفعة غير التعب والنصيب. يقول الشيخ: لو كان قدر الثواب سواء الذي يصلي الفجر مثل الذي يقوم الليل كله في الأجر سواء، أنا لا داعي أن الإنسان يقوم الليل ويتعب نفسه في قيامه، فقد تحصل على ليلة، لكن ليس هذا المقصود. قالوا: ما أوتي أحد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وهذا إشارة إلى حديث علي رضي الله عنه الذي جاء في الصحيح، فقال: لم يخصنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء إلا هذه الأربع، وفقه في الدين، أو رجل عنده فقه في الدين. هذا خصوصية يخص الله عز وجل بها عباده أن يفقههم في مسائل هذا الدين، وكذلك يفهمهم في معرفة تفسير الآيات والأحاديث. قال: فإن قيل ففي أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وبين قاتل الناس جميعا؟ قيل: في وجوه متعددة؛ يعني ما الذي يشبه قتل النفس الواحدة كما قال الله عز وجل: ﴿فكأنما قتل الناس جميعا﴾، قيل: في وجوه متعددة. أحدها: أن كل واحد منهم عاص لله ورسوله صلى الله عليه وسلم مخالف لأمره، متعرض لعقوبته، وكل منهما قد باء بغضب من الله ولعنته، واستحقاق الخلود في النار، وأعد لهم عذابا عظيما، وإن تفاوتت الدركات في العذاب. فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأمر الناس بالقسط كإثم من قتل من لا مزية له من أحد الناس. معنى كل واحد من هؤلاء الذي قتل النفس عاص لله، والذي أيضا قتل مئة هو عاص لله، وكلاهما متعرضان لعقوبته، لكن العقوبة تختلف. الثاني: أنهما سواء في استحقاق إزهاق النفس؛ أنا أتجرأ على إزهاق النفس، ومن تجرأ على إزهاق نفس واحدة فإنه كما سيأتي في الوجه الثالث أنه سيتجرأ على غيرها. الثالث: أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام؛ فإن من قتل نفسا بغير استحقاق بل لمجرد الفساد في الأرض ولأخذ ماله فإنه يجترئ على قتل كل من ضفر به وأمكنه قتلهم، فهو معاد للنوع الإنساني. وهذا حتى من يدعي أنه على خير وعلى سنة وعلى كذا إذا كان انحرف فهمه فكفر الناس واستباح دماءهم وأموالهم. انظر إلى الخوارج، فالخوارج أهل عبادة وطاعة، لكنهم انحرفوا في أفكارهم فسفكوا دماء المسلمين وتجرأوا عليها. فلهذا عرف من تاريخ الخوارج أنهم يتورعون في كل شيء إلا في الدماء؛ يعني يكون تورعهم حتى في أشياء بسيطة مثل القصة التي حصلت عندما قتلوا عبد الله بن خباب رضي الله عنه وعن أبيه، فإنهم تورعوا في أخذ تمر وجدوها ساقطة، تورعوا وهي أيضا مزرعة ليهودي، تورعوا أن يأخذوا هذه التمر، وما تورعوا في دم صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أنهم قتلوه وقتلوا امرأته وبقروا بطنها وقتلوا جنينها. الرابع: أنهما يسميان قاتلا أو فاسقا أو ظالما أو عاصيا بقتلهما واحدا كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعا. أن هذه كلها وجوه الشبه بين من قتل نفسا وقتل أكثر. قالوا: منها أن الله سبحانه جعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم وتواصلهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. وهذا معروف، الحديث في أخرجه الإمام البخاري ومسلم، جاء من حديث النعمان بن بشير، وجاء كذلك نحوه من حديث عبد الله بن مسعود. قال: فإذا أتلف القاتل عضوا من ذلك الجسد فكأنما أتلف سائر الجسد وآلم جميع أعضائه. فمن آذى مؤمنا واحدا فقد آذى جميع المؤمنين؛ أي من قتل مؤمنا فهو قتل في جنس أهل الإيمان. قالوا: في أذى جميع المؤمنين أذى جميع الناس كلهم؛ فإن الله إنما يدافع عن الناس بالمؤمنين الذين هم بينهم. فإذا الخفير إذا للمخفر هكذا عندكم الخفير. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تقتل نفس ظلمة بغير حق إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل». وهذا حديث الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. فهذا أوجه ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل: ﴿فكأنما قتل الناس جميعا﴾، أن وجوه متعددة يشبه بها من قتل نفسا واحدة فمثل الذي يقتل جميع الناس. فمن تجرأ على أهل الإيمان فإنه آذى أهل الإيمان جميعا، ومن آذى ومن قتل وتجرأ على أهل الإيمان فإنه سيتجرأ على غيرهم، فهذا الذي يذكره الله تعالى.