الدرس في شرح الهدايا والتحف في التعليق على منظومة طرفة الطرف 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المسلسل هو نوع من الحديث النبوي حيث يتابع رجال إسناده على صفة أو حالة واحدة، وينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسية.
يُوضح فوائد الحديث المسلسل وأشهر المصنفات فيه، كما يبين حكم الحديث المعلق وأنه من قسم المردود لفقده شرط الاتصال.
يُشرح حكم المعلقات في الصحيحين وكيفية التعامل معها، كما يُذكر كتاب تغليق التعليق لابن حجر الذي وصل الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الناظم رحمه الله في منظومته المسماة بطرفة الطرف في مصطلح أهل السلف: «وإن لكل راو أمر يحصل متفقا فذلك المسلسل». قال المعلق -فقهه الله-: «المسلسل لغة اسم مفعول من السلسلة، وهي اتصال الشيء بالشيء، ومنه سلسلة الحديد؛ لأن كل قطعة من الحديث متصلة بالأخرى. قال: وكأنما سمي بذلك لشبهه بالسلسلة من ناحية الاتصال والتماثل بين الأجزاء». قال: «واصطلاحا تتابع رجال إسناد الحديث على صفة أو حالة للرواة تارة أو للرواة تارة أخرى، وهو من صفات الإسناد. وسأتي شرح التعريف وما يتضح به». قال: «شرح التعريف: أي أن المسلسل هو ما توالى رجال إسناده أولا على الاشتراك في صفة واحدة للرواة، ثانيا الاشتراك في حالة واحدة لهم، والثالث الاشتراك في صفة واحدة للرواة. وسأتي تفصيل ذلك». قال العراقي في ألفيته: «مسلسل الحديث ما توارد فيه الرواة واحدة فواحدة حالا لهم أو وصفا أو وصف سند، أو وصف سند كقول كلهم سمعت، فاتحد». قال: «أنواعه: يتبين من شرح التعريف أن أنواع المسلسل ثلاثة، وهي: المسلسل بأحوال الرواة، والمسلسل بصفات الرواة، والمسلسل بصفات الرواية. وإليك بيانه». الأول: المسلسل بأحوال الرواة. وأحوال الرواة إما قولية وإما فعلية وإما قولية وفعلية. فالمسلسل بأحوال الرواة القولية مثل حديث معاذ بن جبل: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فلا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. قال: «لقد تسلسل بقول كل رواته: وأنا أحبك، فقل». يعني: كل واحد من الرواة يقول لمن روى عنه: إني أحبك، فقل، ثم يذكر الحديث، فتسلسل بهذا القول: «إني أحبك». ثاني المسلسل بأحوال الرواة الفعلية، مثل حديث أبي هريرة قال: «شبك بيد أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وقال: خلق الله الأرض يوم السبت». فقد تسلسل بتشبيك كل من رواته بيد من رواه عنه. يعني: هكذا يشبك يده بيده، ثم يذكر الحديث. لكن ذكر التسلسل فيه لا يصح. الثالث: المسلسل بأحوال الرواة القولية والفعلية معا، مثل حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد العبد حلاوة الإيمان حتى يؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره». قال: «وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم على لحيته وقال: آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره». تسلسل بقبض كل راو من رواته على لحيته، وقوله: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره». هذا الآن مسلسل بالقول والفعل؛ بهذا القول: «آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره» مع الأخذ باللحية هذا الفعل. النوع الثاني: المسلسل بصفات الرواة. وصفات الرواة إما قولية وإما فعلية. فالمسلسل بصفات الرواة القولية مثل الحديث المسلسل بقراءة سورة الصف. فقد تسلسل بقول رواته: «فقرأها فلان هكذا». يعني: كل واحد يقول للآخر: «فقرأها فلان هكذا». قال الحافظ العراقي: «وصفات الرواة وأحوالهم القولية متقاربة بل متماثلة». يعني: في تقارب تجدون الآن بين صفة الرواة وبين أحوال الرواة. ثاني المسلسل بصفات الرواة الفعلية، مثل اتفاق أسماء الرواة كالمسلسل بالمحمدين، أو صفاتهم كالمسلسل بالفقهاء أو الحفاظ أو المعمرين. يعني: الذين طال عمرهم، أو نسبتهم. يعني: بالنسب كالمسلسل بالدمشقيين أو الكوفيين. هذا مسلسل بصفات الرواة الفعلية. الثالث: المسلسل بصفات الرواية. وصفات الرواية إما أن تتعلق بصيغ الأداء أو بزمن الرواية أو مكانها. فالأول: المسلسل بصيغ الأداء، مثل حديث مسلسل بقول كل من رواته: «حدثنا» أو «أخبرنا». يعني: كل راو يقول: «حدثنا فلان»، يقول الثاني: «حدثنا فلان»، يقول الثاني: «حدثنا فلان». فيكون مسلسلا بالرواية بالتحديث. قال: «ما هي فوائد الحديث المسلسل؟». قال: «اجتماله على زيادة ضبط من الرواة». طبعا هذا إذا صح تسلسله. يستفاد منه زيادة ضبط من الرواة؛ أن كل راوي يعني يذكر روايته باللفظ الذي تحمل به الرواية. قال: «هل يشترط وجود التسلسل بجميع الإسناد؟». قال: «لا يشترط ذلك. قد ينقطع التسلسل في وسط الإسناد أو آخره». كمسلسل أول حديث سمعته، وهو حديث عبد الله بن عمر: «الراحمون يرحمهم الرحمن». فإنه انتهى فيهم تسلسل إلى سفيان بن عيينة. قال: «هل يشترط في التسلسل الصحة؟ إذا عرفنا أن هذا حديث مسلسل، هل يشترط أن يكون صحيحا؟». قال: «لا ارتباط بين التسلسل والصحة. فقل ما يسلم التسلسل من خلال أو ضعف، وإن كان أصل الحديث صحيحا من غير طريق التسلسل». قال الذهبي في الموقظة: «وعامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة لكذب رواتها. وأقواها المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل بالدمشقيين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب». انتهى كلامه. قال السيوطي في التدريب: «قال شيخ الإسلام -أي ابن حجر-: من أصح مسلسل يروى في الدنيا المسلسل بقراءة سورة الصف». هذا أصح حديث مسلسل. وإلا فغالب المسلسلات كما قال الذهبي ضعيفة وموضوعة. قال: «ما هي أشهر المصنفات في المسلسل؟». أولا: المسلسلات الكبرى للسيوطي. وقد اجتمعت على خمس وثمانين حديثا. والثاني: المناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة لمحمد عبد الباقي الأيوبي. قال: «وقد اجتمعت على مائتين واثني عشر حديثا». قال المصنف رحمه الله: «والمهمل الذي لراويه اتفق». قال الناظم رحمه الله: «والمهمل الذي لراويه اتفق. شيخان في اسم واحد وما فرق». قال المعلق -فقهه الله-: «المهمل لغة اسم مفعول من الإهمال بمعنى الترك. كأن الراوي ترك الاسم بدون ذكر ما يميزه عن غيره». قال: «واصطلاحا: أن يروي الراوي عن شخصين متفقين في الاسم فقط أو مع اسم الأب أو الجد أو نحو ذلك، من غير مميز لأحدهما من الآخر من كنية أو لقب». قال: «هل يضر الإهمال؟». قال: «يضر الإهمال إذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفا؛ لأنه يحتمل أن يكون هذا المروي عنه هو الضعيف. وأما إذا كان كلاهما ثقة فلا يضر إهماله في هذه الحال». قال: «مثاله إذا كان ثقتين: ما وقع للبخاري من روايته عن أحمد غير منسوب عن ابن وهب؛ فإنه إما أحمد بن صالح وإما أحمد بن عيسى، وكلاهما ثقة». قال: «إذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفا، كسليمان بن داود وسليمان بن داود؛ فإن كان الخولاني فهو ثقة، وإن كان اليمامي فهو ضعيف. مثل هذا يضر؛ لابد أن يميز هل المراد هذا أو هذا؟». قال: «ما هي أشهر المصنفات فيه؟». كتاب المكمل في بيان المهمل للخطيب البغدادي. قال: «كيف يعرف المهمل؟». قال: «باختصاص أحدهما بالمروي عنه، أو بالقرائن، أو الظن الغالب باختصاص أحدهما بالمروي عنه». كان يكون هذا الراوي الذي قال: «عن محمد»، هو لا يروي إلا عن هذا الثقة. قال الصنعاني رحمه الله: «وإن روى عن رجلين اتفق إسما وما ميز ما يفترق به، فباختصاصه بواحد تبين المهمل عند الناقد». قال: «قال الناظم: ما أول السند ساقطوا ولو إلى تأمامه». قال المعلق -أفقه الله-: «المعلق لغة اسم مفعول من علق الشيء بالشيء؛ أي أناطه وربطه به وجعله معلقا. كتعليق القربة مثلا». قال: «واصطلاحا: ما حذف من ببدأ سنده راو فأكثر على التوالي». يعني: قد يكون المعلق أن يحذف المصنف شيخه فقط، ويروي عن شيخ شيخه. قد يحذف الشيخ ومن بعده. قد يحذف السند كله ويقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا». هذا معلق. قال: «شرح التعريف: مبدأ السند هو طرفه الذي من جهتنا، وهو شيخ المؤلف. وسمي أول السند أيضا، وسمي مبدأ السند؛ لأننا نبدأ قراءة الحديث به». قال: «من صوره: أن يحذف جميع الإسناد، ثم يقال مثلا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا. هذا معلق. حذف جميع السند وذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام». قال: «حكمه: أنه من قسم المردود؛ لأنه فقد شرطا من شروط القبول، وهو الاتصال». وذلك بحذف راو أو أكثر من إسناده مع الجهل بحال هؤلاء المحذوفين. قال: «ما حكم المعلقات في الصحيحين؟». قد يقول: طيب إذا كان من قسم الضعيف، كيف المعلقات التي في الصحيحين؟ في البخاري ومسلم. قال: «ما ذكرنا من أن المعلق من قسم المردود، هذا للحديث المعلق مطلقا. يعني: هذا الأصل في المعلق أنه من قسم الضعيف. لكن إن وجد كتاب التزم فيه الصحة كالصحيحين -أي البخاري ومسلم- فله حكم خاص». قال: «أولا: ما ذكر بصيغة الجزم كقال وذكر وحكى، فهو صحيح حكمه الاتصال». إذا علق البخاري الحديث بصيغة الجزم، يقول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا»، أو «قال أبو موسى كذا»، أو «قال فلان كذا»، ثم يذكر الحديث. أو ذكر أو حكى. هذه صيغة جزم. جزم بالرواية. هذه حكمها الاتصال. قال: «ثانيا: ما ذكر بصيغة التمريض كقيل وروي وحكي، فهذا ليس محكوما بصحته؛ بل فيه الصحيح والحسن والضعيف». يعني: ما رواه بصيغة التمريض، يحتمل أن يكون صحيحا، ويحتمل أن يكون ضعيفا. قال ابن الصلاح: «إن وقع الحذف في كتاب التزمت صحته كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حذف لغرض من الأغراض. وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال». انتهى كلامه رحمه الله. قال: «ويعرف الصحيح من هذه المعلقات من غيرها بالنظر في أسانيدها. ينظر في أسانيدها في مضانها، ويحكم عليها بما تستحق». قال: «ومن أحسن ما أولف في ذلك الكتاب الحافظ ابن حجر: تغليق التعليق». يعني: أوصل الحديث المعلقة في البخاري. وقام بوصلها. وهو مطبوع في خمس مجلدات.