التعليق على كتاب العلم  56

التعليق على كتاب العلم 56

الدرس في التعليق على كتاب العلم 56، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حجة إبراهيم على النمرود وإبطال دعوى الربوبية

يستعرض الشيخ قصة الدجال مع الشاب الذي أحياه الله بعد قتله دليلاً على أن الإحياء والإماتة لله وحده. ثم يبين كيف لزم إبراهيم عليه السلام الحجة القاطعة على النمرود بطلب إتيان الشمس من المغرب فبهت الكافر وعجز عن الرد، وهذا نموذج للمجادلة بالتي هي أحسن.

وجوب الدعوة إلى الله وأحكامها وفائدة تعلم فرق المبتدعة

يبيّن المقطع أن الدعوة إلى الله واجبة على طلاب العلم بأسلوب حسن، وهي فرض كفاية يتعين على الفرد إذا لم يقم بها غيره، وتتنوع أساليبها بين الفردية والجماعية. كما يوضح أن تعلم فرق المبتدعة كالمعتزلة والجهمية والخوارج مفيد لمعرفة شبههم والرد عليهم، فهم موجودون في الواقع وإن ادعى البعض عدم وجودهم.

وجود الفرق الضالة في العصر الحاضر ووجوب دراستها للرد عليها

يرد الشيخ على قول السائل بعدم وجود الفرق الضالة كالمعتزلة والجهمية والخوارج في هذا العصر، مؤكداً أنها موجودة بأصولها أو بأفراخها ولها نشاط ودعاة، ويضرب مثلاً بالخوارج الذين خرجوا بالسيف في بلاد الإسلام. ويؤكد أن طالب العلم ملزم بدراسة أصول هذه الفرق وقواعدها ليتحصن بها ويرد شبهاتها أينما ظهرت.

خاتمة المقطع وبيان المترجمة

يختتم المقطع بعبارة التفويض 'والله تعالى أعلم'، ويُذكر فيه اسم المترجمة نانسي قنقر مرتين توالياً. وهذا يدل على انتهاء الدرس وتوثيق الترجمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال العلامة ابن عثيمين عليه رحمة الله، في سياق ذكره للمجادلة بين النمرود وإبراهيم عليه السلام، مستدلًا بهذه المجادلة على الدعوة إلى الله عز وجل بالمجادلة بالتي هي أحسن، فذكر هذا كمثال. قال رحمه الله: ويبين أن النمرود ظن أن من أحياه ممن استحق الموت يعد محييًا له. عليه وسلم في قصة الدجال أنه يؤتى إليه بشاب، فيشهد هذا الشاب أنه الدجال الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم. أي أن هذا الشاب يعارض الدجال، أي أن هذا الشاب يعارض الدجال ولا يؤمن به ولا يصدقه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر عن الدجال، وهذا الشاب عنده علم. قال: فيشهد هذا الشاب أنه الدجال الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فيقتله الدجال ويجعله قطعتين، ويمشي بينهما تعقيقًا للتباين بينهما، يعني قطعة هنا وقطعة هنا، ويمشي بين القطعتين. قال: ثم يناديه الدجال، ينادي هذا الشاب، فيقوم مهلهلًا يضحك، يقول: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم يأتي ليقتله، أي مرة ثانية، فلا يقدر. هذا هو وجه الشاهد: أن القادر على الإحياء والإماتة هو الله سبحانه وتعالى وحده، وأن المحيي والمميت حقيقة هو الله سبحانه وتعالى وحده. فانظر هذا الدجال، مع ما أوتي من فتن ومن كذلك مغريات، إلا أنه لم يستطع مرة أخرى أن يقتل هذا الشاب. قال: فهذا دليل على أن الأمر كله بيد الله. قال: فيمكن أن يحاج هذا الرجل بمثل ذلك، يعني بمثل ما ذكره العلامة ابن العثيمين في أن ما ذكره النمرود ليس صوابًا لأنه ليس هو المحيي والمميت حقيقة، فيمكن أن يحتج عليه إبراهيم عليه السلام بمثل هذا. ولكن قال العلامة ابن العثيمين: ولكن إبراهيم عليه السلام أراد أن يأتي بدليل آخر لا يحتاج إلى محاجة ولا مجادلة، يعني يلجم به ذلكم النمرود. قال إبراهيم: «فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب». هل يستطيع هذا؟ من الذي يأتي بالشمس من المشرق؟ إنه الله. فهل يستطيع أحد من المخلوقين أن يعكس الأمر فيأتي بالشمس من المغرب، بدلًا من أن يأتي بها الله سبحانه وتعالى من المشرق؟ لا يستطيع أحد ذلك. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. قال: فنكص عن الجواب، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾. فهكذا المجادلة بالتي هي أحسن تأتي بحجة لا يستطيع أن يردها المعاند، أن يردها المعاند، ما يستطيع، نعم، ويلجم ولا يكون له جواب. قال: فقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، أي الأحسن في الأسلوب والإقناع. نعم، تتخذ أسلوبًا حسنًا في بيان الحق وتوضيحه، وهكذا في الإقناع. قال: وبالتالي يجب علينا أن ندعو إلى الله، ما دام الإنسان قادرًا على ذلك. ولا شك أن طلاب العلم هم أول من يدخل في هذا الخطاب، لأن عندهم الملكة والقدرة والعلم والحجة والبيان التي بها يستطيع أن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى. وقد بين ربنا عز وجل فضل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. فالدعوة إلى الله عز وجل ليست مقصورة على أسلوب واحد أو على طريقة واحدة، وإنما مجالاتها متعددة، فتستطيع أن تدعو بالدعوة الفردية، إن لم تكن عندك الجرأة أن تدعو بشكل جماعي من خلال الخطب أو الدروس أو المحاضرات، فلا أقل من أن تدعو بالطريقة الفردية، يعني تنصح ولو على الانفراد، تأخذ الشخص وتنصحه على الانفراد. وهكذا أساليب أخرى من أساليب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى: بالكتاب، بالشريط، بالمحاضرة، بالخطبة، وكذلك الدرس، بالحلقة، إلى غير ذلك من الأساليب المتنوعة. قال: ولكن الدعوة إلى الله فرض كفاية، وهذا معنى قوله: يجب علينا. ومعنى فرض كفاية: إذا قام بها البعض سقط الإثم عن الآخرين. قال: أي إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، يعني الإثم. فإذا رأيت شخصًا منحرفًا وليس حولك من يدعوه، صار الآن فرض عين عليك. نعم، يعني فرض الكفاية قد يتعين على شخص واحد فيكون فرض عين عليه. متى هذا؟ إذا لم يقم بهذا الفرض الكفائي أحد، وأنت قادر مستطيع أن تقوم به، فيتعين عليه، يتعين عليك القيام بهذا الأمر. فلو وجدت معصية أو منكر في مجتمع ولم ينكره أحد، وجب عليك يا طالب العلم على وجه الوجوب العيني أن تنكر هذا المنكر، لأنه لم يقم بإنكاره أحد، لم يقم بإنكاره أحد. فهذا يدلك على عظم هذه المسألة وعلى أهميتها، ألا وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. قال: لأن العلماء يقولون: فرض الكفاية، إنه إذا لم يوجد سوى هذا الرجل تعين عليه، تعين عليه، سوى كان في الدعوة إلى الله، في صلاة الجنازة، في غيرها من الأمور التي هي من فروض الكفاية، هي من فروض الكفاية. ثم سئل رحمه الله: ما فائدة تعلم طلاب العلم فرق المعتزلة والجهمية والخوارج مع عدم وجودها في هذا العصر؟ فأجاب فضيلته بقوله: تعلم فرق المبتدعة في هذا الزمان فيه فائدة، وهي أن نعرف ما أخذ هذه الفرق لنرد عليهم إذا وجدوا، وهم موجودون فعلًا. وقوله، أي السائل: إنه لا وجود لهم الآن، مبني على علمه هو. ولا شك ولا ريب أن هذه الفرق موجودة في مجتمعات المسلمين، سواء كان المعتزلة، وإن لم تكن هذه الفرقة بجميع، يعني قواعدها وأصولها، وإنما ببعض تلك القواعد، فأفراخ المعتزلة في هذا الزمان كثر، وهم العقلانيون الذين يقدمون العقل على النقل، ويردون النصوص الشرعية بحجة أنها لا توافق العقل. فهذه الفرقة موجودة، بل ولها يعني دعاة لها، دعاة، وكذلك يعني علماء يدعون بهذه الدعوة. وكذلك الجهمية، ومن تفرع عنها من فرق الضلال، من منكري الأسماء والصفات، سواء كان هذا الإنكار جملة وتفصيلًا، أو في بعض الصفات، أو في بعض الصفات. وأما الخوارج، فهذه الفرقة موجودة بعينها، أي بنفس أصولها وقواعد الخوارج الأوائل، الخوارج الأوائل الذين ظهروا في أول صدر هذه الأمة في عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقاتلهم علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقول السائل: مع عدم وجودها في هذا العصر، هذا غير صحيح. بل وحتى إن لم توجد، فتعلمها أمر لا بد منه، حتى إذا ظهرت، أو سولت لأحد أن يتبنى شيئًا من قواعد وأصول هذه الفرق، رد عليه العلماء، لأنهم قد علموا قواعد هذه الفرق. ومع هذا، كما تقدم، هذه الفرقة أو هذه الفرق موجودة في عصرنا هذا. ولذلك قال الشيخ هنا: وهم موجودون فعلًا. وقول السائل: إنه لا وجود لهم الآن، مبني على علمه هو. ولكن المعلوم عندنا، وعند غيرنا ممن يطلعون على أحوال الناس، أن هذه الفرق موجودة، وأن لها نشاطًا أيضًا، بل لها صولة وجولة، كالخوارج في هذا الزمان. وأنتم تعلمون الوضع في هذه البلاد، وفي غيرها من البلاد، فقد خرجوا على أمة الإسلام بالسيف والسنان، وما الأحداث القريبة عنكم ببعيد. قال: وأن لا نشاطًا أيضًا في نشر بدعهم. ولذلك لا بد من أن نتعلم هذه الآراء حتى نعرف زيفها، ونعرف الحق، ونرد على من يجادلون فيها. فطالب العلم يدرس قواعد وأصول هذه الفرق حتى يتحصن، وحتى يرد تلك الشبه التي يأتي بها بعض أفراد هذه الجماعات وهذه الفرق. قال: فهذه الفرق موجودة وقائمة، ولكنها تختلف على حسب الجهات، ففي بعض الجهات تكون كثيرة منتشرة، وفي بعضها تكون قليلة، وفي بعضها تكون معدومة، ولكنها حية حتى الآن، وهي منتشرة في بلاد كثيرة من بلاد أهل الإسلام، حتى بلاد التوحيد لم تسلم من وجود مثل هذه الفرق، فتصدى لها العلماء الربانيون. فينبغي لطلاب العلم أن يدرسوا هذه الفرق وأصولها، وأن يدرسوا هذه الفرق وأصولها، حتى يرد هذا الباطل وهذه الضلالات التي وقعت فيها تلك الفرق، أو غيرها من فرق الضلال. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر