المحاضرة بعنوان ترجمة الشيخ عبدالرحمن العدني على لسان أخيه الشيخ عبدالله، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 محرم 1440هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يؤكد الشيخ على أهمية الصبر والاستمرار في طلب العلم، ويذكر قصة الشيخ عبد الرحمن كقدوة في الجد والاجتهاد. بدأ الشيخ عبد الرحمن طلب العلم في سن الرابعة عشر.
كان الشيخ عبد الرحمن حريصًا على طلب العلم وملازمة الشيخ مقبل، وقرأ عليه شروحًا مهمة مثل تيسير العلام وبلوغ المرام، واستمر رغم الأذى.
يُنصح الشباب باستغلال وقتهم في طلب العلم والقراءة، مع الحث على الاستمرار في طلب العلم وعدم الاكتفاء بمستوى معين.
ينتهي المقطع بدعاء بالتوفيق والسداد للمتحدث والمستمعين، معربا عن الأمل في تحقيق الرغبات في المسار العلمي.
هذا سائل يقول: نريد أن تذكر لنا شيئًا عن طلبك للعلم كنصيحة لطلاب العلم. حقيقةً لست بشيء حتى أجعل قدوة، وفي مشايخنا العظة والعبرة، وكذلك القدوة الحسنة. فهذا شيخنا مقبل رحمه الله رحمةً واسعة قدوة عظيمة في طلب العلم، وفي الصبر على العلم، وفي المثابرة. وهكذا عدد من المشايخ المعاصرين رحمهم الله، وهكذا السابقين كذلك. وسألني قريبًا بعض الإخوة سؤالاً عن سيرة أخينا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، وطلبه للعلم، رحمه الله رحمةً واسعة. وكنت قد عجزت أن أذكر شيئًا من ذلك، ولعله يناسب الآن أن أذكر شيئًا تذكيرًا بأثره وفضله، رحمه الله رحمةً واسعة. وهكذا كذلك لعله، وهو أعلم مني وأفضل وأكثر اجتهادًا، رحمه الله رحمةً واسعة، ويكون فيه شحذًا للهمم. طلب العلم أيها الأحبة يحتاج إلى صبر، ويحتاج كذلك إلى استمرار، ويحتاج إلى صدق وإخلاص، هذه ثلاثة أمور إذا وفَّق الله عز وجل طالب العلم لها أعانه أن يجد ثمرة علمه في الدنيا، ونرجو كذلك أن يكون في الآخرة. وأخينا الشيخ عبد الرحمن رحمه الله رحمةً واسعة قد وفَّقه الله لهذه الخصال الثلاث وغيرها كثير. أول طلب علمه رحمه الله رحمةً واسعة كان في سن الرابع عشر من سنه، توجه إلى المساجد يتعلم القرآن، ثم وفقه الله سبحانه وتعالى لحلق السنة. وكان بعض طلاب شيخنا مقبل رحمه الله قد جاء إلى مدينة عدن، وهم من طلاب شيخنا، ودرس بعض الإخوة ورجع إلى شيخنا مقبل رحمه الله، فكان طلابهم ممن أخذ الشيء اليسير عندهم من هذا العلم، فأخذ من هذا العلم. وكذلك كنت معه، فكانت هناك دروس بصفة صلاة النبي ﷺ وهكذا دروس أخرى في الحديث، مصطلح علم الحديث، كالباعث الحثيث والكفاية في علم الرواية، وأشياء أخرى. وكان هذا كالطاقة والقوة لطريق طلب العلم، إذ علم الحديث من العلوم العظيمة التي تجهد قلب طالب العلم لحب العلم ولطريق العلم، خصوصًا حين سمعنا وقرأنا كتب الحافظ العراقي رحمه الله تعالى، كالرحلة في طلب العلم وغيرها من الكتب الأخرى، فكانت شاحذة جدًا في طلب العلم. فسبقت الشيخ رحمه الله في ذهاب للشيخ مقبل رحمه الله بخمسة عشر يومًا، ثم تبعني رحمه الله رحمة واسعة بعد خمسة عشر يومًا. وكان رحمه الله غاية في الجد والاجتهاد في حفظ العلم والحرص على الوقت، كنت أكبر منه سنًا، ولكن أقل منه في الجد والاجتهاد. حفظ القرآن قبلي، وحفظ «رياض الصالحين» قبلي، وحفظ «بلوغ المرام» قبلي، وحفظ «اللؤلؤ والمرجان» قبلي، وحفظ «ألفية العراقي» رحمه الله، وكل هذا كنت أسمعها له، وكنا نتذاكر العلم معًا في أول الطلب، رحمه الله رحمة واسعة. وفقه الله للحرص على القراءة في الحديث والفقه بما يسمع، وما كنا نسمع من نصائح مشايخنا وعلمائنا. لم يصل إلى دماج إلا وقد وفق إلى قراءة «تيسير العلام في شرح عمدة الأحكام»، فكنا قد تعهدنا أن لا نحفظ شيئًا إلا وقرأنا شرحه. وبفضل الله سبحانه وتعالى أتم قراءة «تيسير العلام»، ولما أتم حفظ «بلوغ المرام» قرأ كذلك شرح «البسام على بلوغ المرام». وكان حريصًا على القراءة كذلك في كتب الحديث الأخرى، فما وصلنا دماج إلا ولازمنا الشيخ، إلا وكان عنده الحصيلة طيبة، فازداد خيرًا بملازمة الشيخ مقبل رحمه الله. وكانت للشيخ دروسًا حضرنا عند كبار الطلبة، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وحضرنا درسه بالطحاوية، ودروسه الأخرى في العقيدة، وحضرنا لبعض طلاب الشيخ في اللغة، ثم حضرنا للشيخ مباشرة في درس «ابن عقيل»، وهكذا درسه في العلل، وخلاف الدروس العامة. وحضرنا، وحضرنا لأسباب إلى المملكة العربية السعودية، فواصلت الطلب عند بعض مشايخنا هناك، وواصل شيخنا وأخينا، واصل الشيخ عبد الرحمن رحمه الله الطلب عند الشيخ مقبل رحمه الله. وحقيقة كان أكثر جده واجتهاده من مساءلة الشيخ، مع ما كان يقرأ، فكان كثير القراءة، قليل الراحة، أكثر وقته في قراءة الكتب. ومن يقف على مكتبته لا يكاد يمسك دمعه، إذ لا يكاد يرى كتابًا إلا وفيه تعليق بخط يده، رحمه الله رحمة واسعة. حرص الإخوة وحرصت معهم على جمع تركة الشيخ العلمية من شروحه. ولما دخلت مكتبة الشيخ رحمه الله، وفتح لي أبناؤه حفظهم الله المكتبة، فتفقدت الكتب، فما وجدت كتابًا إلا وفيه تعليق، وما وجدت رفًا إلا وفيه كتاب ومذكرة، وفيها كتاب بخط يده. ورأيت خزائن، فجزاهم الله خيرًا أبناؤه، من حرصهم وأمانتهم لم يفتحوها. فلما فتحت، أهفيت بأن فيها كراريس بخط يده في التفسير، بالحديث، بالفقه، رحمه الله رحمة واسعة. فمن أعمر وقته بالحرص على العلم، فهذه ثمرته. ولذلك عظم قدره شيخنا مقبل رحمه الله رحمة واسعة، وحق أن يحيل إليه في الفتوى، وفي النوازل التي كانت ترد، فيتشاور معه رحمه الله على صغر سنه، لأن هذا العلم لم يأت من فراغ، وإنما جاء بجد واجتهاد وحرص، وكذلك استمرار وصبر وعدم انشغال والتفات. وتعلمون ما ابتلي به رحمه الله من أمراض كثيرة، مع أذية أكثر، وبلاء وتخذيل من الأقربين، فضلاً عن الأبعدين. ومع ذلك هو على ما هو عليه، رحمه الله رحمة واسعة. وقد رغبنا أن يمتعنا الله بوجوده، ولكن الخير فيما اختاره الله له، وله لنا، وله. ونسأل الله عز وجل أن يجعل ما قدره الله خيرًا له في آخرته، ونجعل كذلك بذلك ما فيه الخير. والمقصود من هذا أن نعلم أن طلب العلم في الحقيقة يحتاج إلى صبر، وإلى استمرار، وإلى جد واجتهاد، وصدق. من قال: «إن العلم لا ينال براحة الجسد». واعلموا أيها الشباب أن شبابكم هذا هو وقت قوتكم، إذا لم تستغلوه قبل أن تهجمكم الشواغل وتشغلكم العوائل، فإنكم لن تطيقوا طريق العلم، ولن تستطيعوه، ولن تصلوا إلى النبوغ فيه إلا أن يشاء الله. فالوقت الحقيقي والقوة الحقيقية في سن الشباب أن تجتهد بالقراءة، وأن يكون وقتك في القراءة كثيرًا. أدم النظر في قراءة كتب أهل العلم، اسرد الكتب، اقرأها، أنهها. والله أتعجب من الشباب الذين يضيعون وقتهم في القيل والقال، ويحسبون أنفسهم من طلبة العلم. كنا نحتقر أنفسنا حين نجلس مجالس بعض مشايخنا، لا يضيعون الوقت، والله في السيارة يقول لنا بعض مشايخنا: «اقرؤوا علينا في الكتاب الفلاني». وفي رحلة الحج مثلاً نكمل كتابًا في ثلاثة مجلدات أو أربعة مجلدات. وهكذا قراءة السرد التي كان يسلكها بعض المشايخ، تمر على كتب أهل العلم، ك«زاد المعاد»، و«سلسلة الأسئلة النجدية»، أو «الدرر السنية»، أو غيرها من كتب أهل العلم. فإن سرد كتب أهل العلم، شروح الحديث، شروح الفقه، كتب التفسير، هذه بعد تحصيل العلوم هي العلم. العلم لا ينقطع ولا ينتهي، لا تظن أنك يطالب العلم إذا درست كتب الحديث فانتهيت إلى «تدريب الراوي» أو «توضيح الأفكار»، أو درست كتب اللغة فانتهيت إلى «ابن عقيل» أو كذلك «أوضح المسالك» أنك انتهيت أبدًا. عندك كتب أوسع، وعندك علوم أخرى، وعندك استقراء كتب أهل العلم الذي هو زبدة وثمرة تحصيل العلم. فإنك حين تمر على كتب أهل العلم تمر على خير كثير، فتنقح تلك الأقوال، وتستفيد من تلك كذلك المباحث، وتمر بك كذلك الفوائد الكثيرة، وخصوصًا إذا كنت تعلق في آخر الكتاب أو في مذكرة جانبية ما يمر بك، فإنك بإذن الله ستحصل الخير الكثير. ولهذا قال من قال من سبق من الأئمة: «إن العلم لا ينال براحة الجسد». العلم لا ينال براحة الجسد، تتعب وستجد أثر هذا التعب في مستقبلك. تجهد، تجهد نفسك لأجل أن تنتفع وينتفع الناس بك. فالعلم لا ينال براحة الجسد، ولكن بالجد والاجتهاد والمثابرة والاستمرار. تجتهد في حفظ المحفوظات التي هي قوتك العلمية، أولها كتاب الله سبحانه وتعالى، ثانيها ما تيسر من سنة رسول الله ﷺ. تحفظ الأربعين وتتمتها الخمسين وتتمتها المئة، وتحفظ «عمدة الأحكام» و«بلوغ المرام» و«اللؤلؤ والمرجان». وإن تيسر أن تحفظ من «البخاري» و«مسلم» وزوائدهما في السنن الأربعة، وزوائد السنن، وهكذا تحفظ ما تيسر من المتون العلمية، كالألفية: ألفية العراقي، أو ألفية السيوطي في الحديث، وألفية كذلك ابن عقيل، ابن مالك في شرح ابن عقيل، أو غيرها من المتون العلمية الأخرى التي تكون سببًا لقوتك العلمية. وهكذا كذلك تقرأ كثيرًا في شروح العلماء المحققين، وتحقيقات الجهابذة الذين يكونون بإذن الله في تلك التحقيقات عونًا لك في تدريسك وفي تعليمك. وإن شاء الله ستجد ما ترجوه في طريقك العلمي. نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق والسداد، سبحانه وتعالى.