التعليق على الجواب الكافي 112

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 112، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سوء الظن بالله وأثره في الشرك

يشرح ابن القيم أن سوء الظن بالله من أعظم الذنوب لأنه يناقض كمال الله ويجعل المخلوق مثله. يستدل على ذلك بآيات قرآنية تبين عاقبة سوء الظن وتوعده للظالمين.

نفي الحاجة إلى الوسائط في العبادة وتوحيد الله

يشرح أن الله لا يحتاج إلى وسائط بينه وبين عباده، فهو قريب يجيب دعوة الداع. العبادة الحقة تتطلب تعظيم الله وتألهه وخضوع العبد له وحده دون أي واسطة.

التنديد بالشرك وتفصيل آيات الله لبيان الحق وتوضيح عجز المعبودات

يُنكر على من يشرك مع الله غيره في العبادة، ويبين أن هذا الشرك ظلم عظيم مستدلاً بآيات قرآنية تُظهر عجز المعبودات من دون الله حتى عن خلق ذباب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في فصل سوء الظن بالله: إذا تبين هذا، أي إذا تبين حقيقة الشرك وأنه إما تشبيه الخالق بالمخلوق أو تشبيه المخلوق بالخالق، قال: إذا تبين هذا فها هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس. إن سوء الظن بالله جل وعلا من أعظم الذنوب؛ لأنه يجعل المخلوق مثله، أو يجعل ربنا سبحانه وتعالى العظيم مثل المخلوق الذي لا يستطيع لنفسه نفعا ولا ضرا، فهذا من سوء الظن بالله. قال: فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظالمين به أو الظنين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، هذا الذي أداكم إلى هذا هو سوء ظنكم بالله، هو سوء ظنكم بالله أداكم إلى الشرك به سبحانه وتعالى. وقال تعالى عن خليل إبراهيم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حين عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ ولهذا جاء في الصحيح مسلم أن الله عز وجل لما يحاجج ذلك العبد المشرك، فيقول الله عز وجل له: قد تركتك ترأس وتربع، أي: في هذه الحياة كنت رئيسا وراعيا، فماذا عملت؟ قال: عبدتك يا رب، فيقال له: كذبت. يقول الله عز وجل لهذا المشرك: لو أن لك ما في الأرض جميعا أكنت مفتديا به اليوم؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول الله عز وجل: قد طلبت منك ما هو أهون من ذلك، أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا الشرك. يقول الله عز وجل له: لو أنك تملك ما يكون من الأرض ذهبا وفضة ومالا فكنت مفتديا به اليوم، فيقول: نعم، فيقول الله عز وجل: ما أردت منك إلا أهون من ذلك، أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا الشرك. فلهذا قال الله عز وجل على لسان إبراهيم: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: كيف إذا لقيتم الله عز وجل وأنتم أسأتم الظن به، وجعلتموه مثل المخلوق، وشبهتموه بالمخلوق؟ بل أنكم عظمتم المخلوق أكثر من تعظيمكم لله. فلهذا قال الله عز وجل على المشركين: ﴿وَقَالُوا هَؤُلَاءِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾، حتى بعض الأنعام لا يذكرون اسم الله عز وجل عليها، بل يذكرون اسم معبوداتهم وأوليائهم. قال: فلو ظننتم بما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، هذا فقر ذاتي للعبد، فقير لله عز وجل فقر ذات، وربنا جل وعلا هو الغني غني ذات سبحانه وتعالى. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. قال: وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه، لا يشرك فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرف أحوال الرعية وحوائجهم، وإلى من يعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم. أما الله عز وجل فلم يحتاج إلى الوسائط، بل قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فقال الله عز وجل: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، ولم يقل حتى يلغي الوسائط، لم يقل: فقل لهم إني قريب، بل قال: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فلهذا نفى الله عز وجل الوسائط التي تكون بينه وبين عبده، وهذا ليس مثل الملوك الأرضيين الذين يحتاجون إلى هذه الوسائط. قال: فأما القادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، حتى الكفار. قال: فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح أن يتخذ العبد ندا من دون الله جل وعلا، فهذا سوء ظن بالله. قال: يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده، متأله خاضع، دليل له، والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل. قال: وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره، أو يشرك بينه وبين غيره فيه، ولسيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، كما قال الله عز وجل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَتَكُونُونَ فِيهِ شُرَكَاءَ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. أي: إذا كان حدكم يأنف أن يكون مملوكه شريكا له في رزقه، معنى أنه يعطيه من رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به؟ أن الإنسان يأنف أن يكون معبوده ومملوكه يشاركه في رزقه، فلهذا معنى أنه يشاركه في رزق أن يعطيه من ماله، ويكون شريكا له، وهو معبوده ومملوكه، هذا لا يكون، وإنما يكون مالا له. فإذا أنف الإنسان أن يكون مثله من كان من البشر، وليس يميزه به عنه شيء، يعنف أن لا يكون له شريك، فكيف بالخالق والمخلوق؟ كيف بأن الله عز وجل هو الخالق، فيجعل معه شريك وهو مخلوق لله عز وجل، مربوب لله؟ قال: وهو الإله الذي لا تنبغي العبادة لغيره، ولا تصح، فمن زعم ذلك فما قدر الله حق قدره، ولا عظم الله حق تعظيمه، ولا أفرد الله بما هو منفرد به وحدي دون خلقه. فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، ومن اتخذ وسائط من دون الله جل وعلا، ومن اتخذ أندادا من دون الله، وصرف لهم العبادة، فهذا لم يعظم الله، ولم يقدر الله عز وجل حق قدره. كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، ما قدر الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز. انظر إلى هذا المثال الذي ضربه الله عز وجل، فقال: ﴿ضَرَبَ مَثَلًا فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾، أي: هؤلاء الذين تدعونهم من دون الله هم ضعفاء، لا يستطيعون حتى أن يخلقوا ذبابا، هذا الذباب حشرة صغيرة، لا يستطيعون أن يخلقوها، بل أمرا عظيما. قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، أن هذه الآلهة التي تدعونها، وأيضا كذلك هؤلاء الأولياء أو غيرهم الذين تدعون أنهم أولياؤكم، آلهتكم، أو تشاركونهم بالله، ما يستطيع العبد منهم إذا أخذ الذباب شيئا منه، لا يستطيع أن يستنقذه، لا يستطيع أن يسترجعه. فكيف يكون إلها مع الله جل وعلا؟ فهذا الذي يفعل ذلك ما قدر الله حق قدره. ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. ثم ذكر رحمه الله عدم تقدير هذا المشرك في أمور كثيرة، إن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق. والله تعالى أعلم.