التعليق على آيات الصيام

المحاضرة بعنوان التعليق على آيات الصيام، محاضرة عبر الهاتف إلى فرنسا الجمعة ٢٩ شعبان ١٤٣٥هـ ألقاها

استهلال آيات الصيام ووجوبه وحكمته وفضائل رمضان

استهل المحاضر بالحديث عن استقبال شهر رمضان وفسر آية وجوب الصيام مبيناً ثبوته بالكتاب والسنة والإجماع، وأن حكمة تشريعه تحقيق التقوى لا تعذيب العباد مع التدرج في فرضه تخفيفاً على المكلفين. كما أبرز فضائل شهر رمضان بنزول القرآن فيه ومغفرة الذنوب للصائمين إيماناً واحتساباً، وكون الصيام جنة ووقاية للعبد.

آداب الصيام وإثبات دخول رمضان برؤية الهلال

بين المقطع أن الصيام جنة تحمي المسلم من الرفث وسوء الخلق وتجعله داعية بأخلاقه، مع ذكر فضل خلوف فم الصائم عند الله. ثم استعرض دلالة الآية الكريمة على وجوب دخول رمضان برؤية الهلال لا بالحساب، مستدلاً بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصيام والإفطار للرؤية وإكمال شعبان ثلاثين إن غم الهلال.

شروط وجوب الصيام وأحكام العاجزين عنه والصبيان

استعرض المقطع الشروط الخمسة لوجوب الصيام وهي الإسلام والعقل والبلوغ والقدرة والإقامة مع أدلتها من القرآن والسنة. ووضح أحكام من لا يستطيع الصيام كالكبير العاجز والمريض المزمن اللذين يطعمان عن كل يوم مسكيناً، بينما يقضي المريض المؤقت والمسافر الأيام التي أفطراها، وتناول تعويد الأطفال على الصيام من سن السابعة وإلزامهم به تأديباً في العاشرة.

أحكام صيام المسافر وقضاء الأيام المفطرة

بين المقطع أن للمسافر رخصة الفطر في رمضان مع وجوب القضاء لاحقاً، وأن الأمر فيه على السعة فالأيسر أفضل. كما أكد العلماء على استحباب تعجيل القضاء مع جواز التأخير لعذر، مستعرضاً شروط وجوب الصوم الخمسة مرة أخرى تأكيداً.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عليكم ورحمة الله وبركاته، كيف حالكم؟ بخير إن شاء الله. الحمد لله، عسى الله أن يحفظنا وإياكم، وينفعنا وإياكم لكل خير، الله أمين، الله يبارك لكم. نبدأ إن شاء الله. نعم، طيب. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. إن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم والمسلمين منها. ثم أما بعد: فكما يعلم كثير أو عامة وكل المسلمين، أننا نستقبل بإذن الله تبارك وتعالى شهرًا مباركًا عظيمًا من شهور، من مواسم الخيرات التي جعل الله جل وعلا فيها من الخيرات والبركات والرحمات الشيء العظيم. فلأجل هذا أحببت أن تكون هذه الكلمة بإذن الله تبارك وتعالى في الكلام على آيات الصيام، تعليق مختصر على آيات الصيام التي ذكرها ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم، لعل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بها، وأن يجعلنا ممن يتدبرون القرآن، وممن يعملون بما فيه. وكما تعلمون أنه من العلم الواجب أن يتعلم المسلم كل ما يحتاجه، ولا سيما من أمور العبادات وأمور المعاملات التي يتعامل بها. ونحن كما سمعتم على موعد قريب بإذن الله تبارك وتعالى بشهر هو شهر الصيام، وهو ركن من أركان الإسلام كما هو معلوم عند أهل الإسلام. فنقرأ بإذن الله تبارك وتعالى من آيات الله الكريمات في آيات الصيام، ونعلق عليها بإذن الله تبارك وتعالى بما يفتح به ربنا تبارك وتعالى علينا. فنسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والسداد لنا جميعًا. قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. آية عظيمة افتتح الله تبارك وتعالى بها أمر الصيام، إذ أن الله تبارك وتعالى نادى أهل الإيمان فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وعن غيره من السلف، أنه قال: إذا سمعت الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، أي: أصغِ وتهيأ وأنصت لها. قال رحمه الله تعالى: «فأرعها سمعك، فإنما هو أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه». والأمر هنا كذلك؛ لأن الله تبارك وتعالى بعد أن نادى فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. ومعنى «كتب»: أي فرض. ومن الذي فرضه؟ فرضه الله رب العالمين جل وعلا. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي: فرض عليكم الصيام، فهو أمر أمرنا الله تبارك وتعالى به. وفي قول الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ دليل على وجوب الصيام، فصيام واجب بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من الأمور المعلومة في دين الله جل وعلا ضرورة. فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ أي: فرض عليكم الصيام. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بني الإسلام على خمس» كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلًا». الشاهد: «وصوم رمضان»، فهو من مباني الإسلام العظام، وهو كذلك مجمع على فرضيته، وهو كما سمعتم من الأمور المعلومة من الدين ضرورة، فلا أحد ينكر وجوب صوم شهر رمضان. وفي قول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، في قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ دلالة على أن الصوم مشروع في هذه الأمة، أي: أوجبه وشرعه الله جل وعلا على هذه الأمة كما شرعه على الأمم السابقة. ولكن هل صيام الأمم السابقة هو كصيامنا؟ الصحيح من أقوال العلماء أن صيام هذه الأمة أكمل وأعظم وأجل؛ لأنها أولاً: خير أمة أخرجت للناس، ولأن نبيها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خير رسول بعثه الله تبارك وتعالى إلى الأرض، بشريعة هي أعظم الشرائع. فالصحيح من أقوال العلماء أن قول الله جل وعلا: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: أصل الصوم، لا كيفية الصوم وصفة الصوم؛ إذ أن شهر رمضان لم يفرض على أحد من الأمم قبل هذه الأمة. وفي قول الله جل وعلا: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، في قول الله جل وعلا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إخبار من الله جل وعلا بالحكمة من شرعية الصيام، وأن الله تبارك وتعالى إنما شرع الصيام لنا لا لأن الله جل وعلا بحاجة إلى عبادتنا، ولا أن الله جل وعلا يريد منا أو فينا الحرج أو الضيق أو المشقة العظيمة، أو أن الله تبارك وتعالى يريد أن يكلفنا ما لا نطيق، أو أن يعذبنا بأن يفرض علينا ما يفرض من الفرائض. الأمر ليس كذلك، بأن الله تبارك وتعالى يفرض علينا من الفرائض ويأمرنا بما يأمرنا به من الأوامر، وينهانا عما ينهانا عنه من النواهي، إنما ذلك رحمة بنا. لأن شرع الله جل وعلا بين الحكمة والرحمة، الله جل وعلا شرعه دائر بين الحكمة والرحمة، فهو تنزيل من حكيم حميد. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾. الله جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على رفع الحرج، وأن الله جل وعلا يريد لنا الخير، ويريد لنا الهدى، ويريد لنا ما يكون به كمالنا وصلاحنا وخيريتنا في الدنيا والآخرة. ولكن من الناس من علم مراد الله جل وعلا فسارع إلى تحصيل ذلك المراد، ومن الناس من جهل أو تجاهل أو غفل أو تغافل عن مراد الله جل وعلا، فسلك طرقًا معوجة أبعدتهم عن طريق الله جل وعلا وعن سبل الهداية، فكان منه ما كان. فالله تبارك وتعالى أخبرنا في هذه الآية العظيمة أنه إنما شرع لنا الصيام لأجل أن نحصل التقوى. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: تحصلون التقوى بصومكم لله رب العالمين جل وعلا. والتقوى يا عباد الله أمرها عظيم، التقوى إذا حصلها الإنسان فإن أمرها عظيم؛ لأن حقيقة التقوى كما هو معلوم: فعل ما أمر الله على نور من الله، رجاء ثواب الله تبارك وتعالى، واجتناب نواهي الله على نور من الله، رجاء ثواب الله تبارك وتعالى. فإذا حقيقة التقوى ومدار التقوى: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه على نور من الله، وابتغاء وجه الله وثوابه تبارك وتعالى. فهذا أمره عظيم. فالله جل وعلا شرع لنا الصيام لأجل هذه الغاية العظيمة وهذه الحكمة الجليلة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فينبغي لأولي الألباب، ينبغي للعقلاء، ينبغي لأهل الإيمان أن يتهيأوا لهذا المعنى، وأن يحرصوا على تحقيق مراد الله جل وعلا من الصيام في هذا الشهر المبارك، في هذا الشهر الذي جعل الله جل وعلا فيه ما جعل من الخيرات والبركات. فالمسلم العاقل والمؤمن الحازم يحرص غاية الحرص على تحصيل ما أراد الله جل وعلا منه تحصيله. الله جل وعلا بعد أن افتتح آيات الصيام بهذه الآية قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾. أي: أن الله جل وعلا أول ما شرع الصيام كان في أيام معدودات. ثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. ومعنى هذا: أن الصيام أول ما شرع شرع على التخفيف. لماذا؟ لأن الناس في أول الأمر لم يكونوا معتادين له. وهكذا حكمة الله جل وعلا في التدرج في التشريع. الله جل وعلا من رحمته وحكمته في التشريع أن يتدرج مع العباد، فتجد ربنا تبارك وتعالى يشرع العبادة أولًا خفيفة، ثم يرقيها ربنا تبارك وتعالى كلما قوي إيمان العبد، وكلما حرص المسلمون على الازدياد من الخيرات. يعني هذا المثال في الصيام: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ثم إن الله جل وعلا جعله شهرًا كاملًا. والله جل وعلا في أول الأمر جعل الصيام في التخيير: أي من كان يريد أن يصوم فليصوم، ومن لم يصوم فإنهم يطعم عن كل يوم يفطر فيه يطعم مسكينًا. ثم نوه الله تبارك وتعالى ونبه وحث على أن الصوم أفضل من الإفطار، فقال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. هكذا لو نظرنا في الصلاة: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، كما جاء في حديث عائشة في الصحيحين، قالت: «أول ما فرضت الصلاة في الحضر والسفر ركعتين ركعتين، قالت: فأقرت في السفر وزيدت في الحضر». هذا من التدرج في التشريع. فآيات الصيام أول ما ابتدأت كما سمعتم: أن الله تبارك وتعالى جعل الصيام في أيام معدودات، وجعل الله تبارك وتعالى الصيام لمن أراد الصيام أن يصوم، ومن كان يحصل له شيء من مشقة في الصيام فإنه يتصدق ويطعم عن كل يوم أفطر فيه مسكينًا، مع أن الأفضل في ذلك الوقت أن يصوم الإنسان. وهذا كله تهيئة للأمر الآخر الآتي ذكره في الآية التالية، في قول الله جل وعلا: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. هذا تنويه من الله جل وعلا بفضل شهر رمضان. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فمن فضائل شهر رمضان ومن مناقب شهر رمضان أن الله تبارك وتعالى أنزل فيه القرآن العظيم، الذي وصفه الله جل وعلا بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فربنا تبارك وتعالى وصف كتابه العظيم بهذا الوصف العظيم، أن الله جل وعلا جعله بهذا الوصف العظيم. شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان، وبينات من الهدى والفرقان. فهذا فيه دلالة على فضل شهر رمضان، شهر رمضان منزلته عند الله تبارك وتعالى عظيمة. لذا كما سمعتم جعله الله جل وعلا شهرًا للصيام، شهرًا لركن من أركان هذا الإسلام العظيم، هذا الدين الكريم الذي هو الصيام، وجعله الله جل وعلا زمانًا أنزل الله جل وعلا فيه القرآن العظيم، فهي منقبة فوق منقبة. بل ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أخبر بفضائل شهر رمضان وصيام شهر رمضان، ما أن يسمع المؤمن بهذه الفضائل وتلك المناقب إلا ويعلم فضل صيام هذا الشهر العظيم. كيف لا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». انظر أيها المسلم إلى فضل الله تبارك وتعالى عليك، انظر أيها العاقل إلى عظيم عطاء الله جل وعلا لك، وإلى كريم فضل الله جل وعلا لك، كيف أن الله تبارك وتعالى جعل من صام هذا الشهر إيمانًا، إيمانًا بوجوب هذا الشهر، بصيام إيمانًا بأن هذا الشهر صيامه واجب، واحتسابًا: أي محتسبًا للأجر والثواب من الله تبارك وتعالى. من صام رمضان بهذه النية وبهذه العقيدة: إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه. منقبة عظيمة وفضل جليل من الله الكريم المنان سبحانه وتعالى. بل ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول كذلك كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «قال الله في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم له، كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به». جاء في بعض الروايات: «إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته لأجل الله تبارك وتعالى». ثم قال صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة»، أي: حماية ووقاية لك أيها العبد. الصيام جنة، أي: حماية ووقاية لك أيها العبد، إن قمت بالصيام على ما أراد الله جل وعلا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». الله أكبر، الله أكبر. انظر هذه التوجيهات العظيمة: الصيام جنة، حماية ووقاية لك أيها المسلم من كل ما يكون سببًا لشينك، لكل ما يكون سببًا لبعدك عن مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، فضلًا عن أن يكون سببًا لأن ينظر غيرك ممن هم ليس من أهل دينك إلى دينك أنه ناقص، لأنك أيها المسلم، ولا سيما وأنتم تعيشون في تلك البلاد، ينبغي لكم أن تمثلوا الإسلام وتظهروا الإسلام بأحسن مظاهره، وتكونون دعاة إلى الله تبارك وتعالى بأعمالكم وأقوالكم وأخلاقكم ومعاملاتكم، وفي كل ما يصدر منكم. المسلم منكم ينبغي له إذا تكلم بكلام يعلم أن هذا الكلام محسوب عليه أولاً، ومحسوب على الإسلام ثانيًا، بل محسوب على الإسلام أولاً ومحسوب عليه ثانيًا. إذا عمل عملًا كذلك ينظر إلى هذا المعنى، فيكون ذلك سببًا لأجل أن يتخلق بالأخلاق العظيمة التي أمرنا الله تبارك وتعالى بالتخلق بها، ومنها ما جاء في هذا الحديث. فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث. معنى الرفث كما قال علماء رحمهم الله تعالى: أن يتكلم بالكلام البذيء الفاحش، ومنهم من قال بأن الرفث هنا معناه الجماع ومقدمات الجماع، ويدخل فيه معاني كلها، يدخل فيه الجماع من باب أولى، ومقدمات الجماع، ويدخل فيه كذلك الكلام الفاحش والبذيء. ﴿وَلَا يَصْخَبْ﴾: أي لا يكون رفاعًا لصوته، صخاب الأسواق، يكون ماذا؟ يكون مسلمًا كما أراد الله جل وعلا أن يكون مسلمًا. المسلم لفظه، المسلم من السلامة، يكون سالمًا من العيوب، سالمًا من النقائص، سالمًا من كل ما يشين، يشينك أيها العبد أو يشين دينك. قال النبي صلى الله عليه وسلم متممًا لهذا المعنى: «فإن سابه أحد» - أحد نكرة - «أو قاتله» - قاتله: أي حصل منه مصارعة، حصل منه ما يحصل من الشيات من السباب. المسلم لا يقابل السيئة بالسيئة، ولا سيئة ما في شهر السيئة. لماذا؟ لأن الصوم جنة، يمنعه الصوم، وقاية له من فعل فعل يندم عليه غدًا. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». أي: يقول: أستطيع أن أرد عليك الكلمة بمثلها وأشد، وما تفعلهم بأشد من ذلك، ولكنني صائم، يمنعني صومي الذي أتقرب به إلى الله جل وعلا أن أفعل شيئًا يشين صومي، فإني صائم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». ﴿لِخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ﴾: رائحة فم الصائم، الصائم إذا صام ربما خرجت منه روائح قد تكون عند الناس مكروهة، لكن انظر عند الله رب العالمين جل وعلا كيف تكون هذه الرائحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك». انظر إلى إكرام الله لك أيها العبد، إن صمت صوما صحيحًا طيبًا كما أراد الله جل وعلا منك، حتى رائحة فمك الذي يكرهها الناس تكون عند الله تبارك وتعالى أطيب من ريح المسك. كل هذا فضل من الله وعطاء من الله وإكرام من الله لك أيها المسلم. أيها المسلم الذي وفقك الله جل وعلا للإسلام، الذي وفقك الله جل وعلا لشرائع هذا الدين، الذي وفقك الله جل وعلا لأن تكون من أهل هذا الدين، الذي وصفه الله جل وعلا بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، دينًا رضيه الله، أتم به النعمة وأكمل به الدين، جل جلاله. فأحمد الله تبارك وتعالى أن وفقك لهذا الدين، وكنت من أهله، ومن السائرين في سيره، والسالكين في هذا الطريق، وفي هذا الدين، الذي نسأل الله تبارك وتعالى أن يحيينا عليه، وأن يتوفانا عليه، سبحانه وتعالى. ثم إن الله تبارك وتعالى قال بعد أن قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وقوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾، هنا فيه أحكام متعلقة بأحكام الصيام. أولها: أن قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾، قوله ﴿فَمَنْ﴾ عند علماء اللغة والأصول أن ﴿مَنْ﴾ من ألفاظ العموم، ومعناه: من شهد منكم يا أهل الإيمان ويا أهل العدالة الشهر فليصم. ومنه يعلم أن صيام شهر رمضان إنما يكون برؤية الشهر، أي برؤية هلال شهر رمضان؛ لأن الشهر سمي شهرًا لاجتهاره، الشهر سمي شهرًا لاجتهاره. فقوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فيه دلالة على أن الصيام، أي صيام شهر رمضان، لا يكون إلا برؤية شهر رمضان، فلا يكون صيام شهر رمضان بالحسابات الفلكية ولا بغيرها من الحسابات، بل يكون بماذا؟ يكون كما قال الله جل وعلا برؤية الهلال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. لذا قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإذا غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». هذا الحديث مع الآية السابقة يبين لنا متى يشرع لأهل الإسلام أن يصوم: «صوموا لرؤيته» أي: لرؤية الشهر، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» أي: إذا خرج شهر رمضان، هلال شهر رمضان، ودخل هلال شهر شوال فأفطروا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن غم عليكم» أي: حصل غيم أو قتر، أي: غبار، فأشكل عليكم هل ظهر الهلال أم ما ظهر الهلال، غم عليكم هلال شهر رمضان، ماذا تصنعون؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». يعني: عند الرؤية، عند الصحو، انظر: إذا ما طلع الهلال، أكملوا ثلاثين، أكملوا ثلاثين؛ لأن الشهر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هكذا وهكذا» أي: تسع وعشرين وثلاثين. شهر أهل العربية، شهر أهل الإسلام، إما أن يكون تسعة وعشرين يومًا، وإما أن يكون ثلاثين يومًا، لا يكون أقل ولا يكون أكثر. فالشهر كما سمعتم يظهر بظهور الهلال. والفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون: يكتفى بذلك برؤية عدلين، بل بعدل على الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى في ثبوت أو في إثبات شهر الصوم. بمعنى أنه لو رآه عدل، رأى الهلال عدل، وأخبر به من أخبر من أهل الإسلام، فأعلنوا بذلك، فإن على أهل الإسلام في ذلك القطر، في تلك البلاد، أن يصوموا معًا. لما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رأى الهلال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بصيامه، فصاموه. الشاهد من هذا: أن الصيام يكون برؤية رجل فأكثر لدخول شهر الصوم. فإذا صام الناس فصوموا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صيامكم يوم يصوم الناس، وفطركم يوم يفطر الناس». فإنسان إذا صام، المسلم صام معهم، وإذا أفطر أفطر، أفطر معهم. إذا في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، أولاً: نستفيد منه أن دخول شهر رمضان يكون برؤية الهلال. ثانيًا: تكون هذه الرؤية برؤية رجل يعلنها لأهل الاختصاص، يعني: سواء كان في البلاد الإسلامية عبر المحاكم والقضاء، وعندكم في تلك البلاد قد تكون هناك مجمعات إسلامية مختصة بهذا الأمر، يكون الأمر كذلك عبرها. وفي قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، هذه الآية كما يقول علماء: ناسخة للآية الأولى. لأن الله جل وعلا في هذه الآية قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، بخلاف الآية الأولى. الآية الأولى جعل الله جل وعلا الأمر على التخيير، قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، بالتخيير في الآية الأولى. أما في الآية الثانية التي نحن الآن في صددها، قال الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. لذا قال علماء: بأن هذه الآية ناسخة للآية السابقة، بمعنى أنهم يجب على كل مسلم، كما يقول علماء: يجب على كل مسلم، وهي شروط ماذا؟ الصوم على كل مسلم عاقل بالغ قادر مقيم أن يصوم. هذه شروط خمسة: إذا توفرت وجب على الإنسان الصوم. ما هي هذه الشروط الخمسة؟ الأول: الإسلام، لأن الله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. الثاني: العقل، أن يكون عاقلًا؛ لأن المجنون مرفوع عنه القلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «المجنون حتى يفيق». أن يكون مسلمًا، أن يكون عاقلًا، وأن يكون كذلك بالغًا. أن يكون كذلك بالغًا؛ لأن غير البالغ كذلك مرفوع عنه القلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر كذلك: «وعن الصبي حتى يبلغ». فالصبي الذي لم يبلغ لا يجب عليه الصوم. والبلوغ كما يقول علماء رحمهم الله تعالى يعرف بأشياء: إما بإنبات الشعر الخشن حول القبل، أو بالإنزال، أو ببلوغ سن خمس عشرة، هذا بالنسبة للذكر والأنثى. وتزيد الأنثى على الذكر كذلك بالحيض أو الحمل. فعلامات البلوغ عند النساء خمس، وعند الذكور ثلاث. فهذا الإنسان إذا بلغ وجب عليه الصوم، أما قبل ذلك فإنه لا يجب عليه على الصحيح. لكن كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: أن الطفل إذا بلغ السابعة أو الثامنة ينبغي أن يعوَّد، أن يعوَّد على الصوم، كما ينبغي أن يعوَّد على الصلاة. لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم أعلم الناس بشرع الله جل وعلا ودين، كانوا يصومون أبناءهم، كانوا يصومون أبناءهم الصغار. لكن الأمر كما يقال وسط، لا إفراط ولا تفريط، الأمر من باب التعويد والتدريب والتهيئة. فأنت لو أردت أن تمرن ولدك في اليوم الأول يمكن تصومه إلى الظهر، بعد أيام مثلاً إلى العصر، وأيام يصوم إلى المغرب، والسنة إذا كان صغيرًا يوم في الأسبوع أو في الأسبوعين، وهكذا حتى يتعود على الصيام. يعني لا كما يقال إفراط ولا تفريط، لا إفراط ولا تفريط. أما إذا بلغ العاشرة، فجمع من أهل العلم قالوا: ينبغي أن يحث الأب ولده على الصوم، بل وله أن يؤدبه إذا ترك الصوم إذا بلغ العاشرة، من أجل أن يتعود على الصوم. واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: «مروا أبناءكم للصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر». قالوا: فدل هذا على أن الفرائض يبدأ التعليم فيها لأبناء سبع، ويضربون عليها وهم أبناء عشر، وإن لم تكن واجبة عليهم، لكن من باب الترويض والتعويد على الخير وفعله. الشرط الرابع: كما سمعتم أن يكون قادرًا. ومعنى القدرة: أن يكون قادرًا على الصيام، أي لا يكون عاجزًا. فإن كان عاجزًا عن الصوم إما لأنه مريض، وإما لأنه كبير في السن، وإما لأنه حصل له حرج ومشقة لم يستطع معها الصوم، فمثل هذا لا يجب عليه الصوم. أما المريض: فسأتي معنا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وأما كما سمعتم: الكبير، الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم لكنه عاقل، العلماء رحمهم الله تعالى يقسمون الشيخ الكبير إلى قسمين: شيخ كبير غير قادر على الصيام ولكنه عاقل، وشيخ كبير غير قادر على الصيام ولكنه خرف. خرف: أي لا يعقل. فالخرف لا يجب عليه شيء، الخرف الذي لا يعلم من عنده يكون حكمه حكم مجنون، ليس عليه شيء، ليس عليه صوم، ولا عليه كفارة، ولا عليه شيء. لماذا؟ لأن حكمه حكم المجنون، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة»، وكما سمعتم قال: «والمجنون حتى يفيق». وأما الكبير الذي يعقل ويفهم ولكن لا يستطيع الصوم، يشق عليه الصوم، فمثل هذا ذهب العلماء رحمهم الله تعالى، جماعة من العلماء، إلى أنه يطعم عن كل يوم مسكينًا. من كان شيخًا كبيرًا لا يستطيع الصوم، أو إذا صام حصل له حرج عظيم، أو قد يكون ذلك الصوم سببًا في حصول بعض الأمراض له أو ازديادها أو ما شابه ذلك، فمثل هذا يكون غير قادر على الصوم. فإذا كان كذلك فماذا يصنع؟ يقول العلماء: يطعم عن كل يوم مسكينًا، يطعم عن كل يوم أفطر فيه مسكينًا. والإطعام، والإطعام كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: إما أن يكون إطعامًا بمعنى يصنعوا طعامًا، يصنعوا طعامًا ويطعموا مسكينًا، وإما أن يتصدق بطعام. يعني بعضهم يقول: يتصدق بنصف صاع من أرز أو من بر أو ما شابه ذلك. لكن هذا يختلف باختلاف البلاد، يعني بلاد غير بلاد، فكل بلد يطعم الإنسان طعامًا يحتاجه، يحتاج إليه أهل بلده. وأما المريض: كما في قول الله جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. والمريض كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى على قسمين: المرض من حيث الجملة على قسمين: مرض لا يرجى برؤه، مزمن، ومرض يرجى برؤه. فبعض الأمراض لا يرجى برؤها، يعني مستديمة وغليظة شديدة، لا يستطيع الإنسان أن يصوم، لا في شهر رمضان ولا في غير شهر رمضان، المرض مستمر به، مزمن عليه. فمثل هذا يقول علماء أيضًا: يطعم عن كل يوم مسكينًا. عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، هذا فتوى ابن عباس رضي الله عنهما وجماعة من السلف. هذا المريض الذي ماذا؟ المزمن، والذي لا يرجى برؤه. وأما المريض، القسم الثاني: الذي به مرض لكن يرجى برؤه من ذلك المرض، كأن يكون به حمى، يكون به مرض عارض: يوم، يومين، ثلاثة أيام، أسبوعًا، ثم يفيق. أو امرأة مثلاً حصل لها حيض أو نفاس، ثم طهرت. فمثل هؤلاء: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، بمعنى أنه متى حصل، متى ذهب عنه العذر وارتفع عنه الحرج، فإنه يقضي تلك الأيام التي أفطرها في شهر رمضان، يقضي تلك الأيام التي أفطرها في شهر رمضان. الشرط الخامس: أن يكون مقيمًا. لأن المسافر لا يجب عليه الصوم، لقوى الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. المسافر له أن يفطر، وإذا أفطر في شهر رمضان فإنه يجب عليه القضاء بعد ذلك، أي: إذا رجع إلى بلده. وله أن يصوم، يعني: إذا سافر وقدر على الصوم فله أن يصوم. الأمر فيه، أي في المسافر، على السعة: إن استطاع أن يصوم صام، إن لم يكن هناك مشقة، وإن لم يستطع أن يصوم فله أن يفطر ويقضي مكان تلك الأيام التي أفطر، التي أفطر فيها. يدل على هذا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يخرجون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من كان يصوم، ومنهم من كان يفطر، ولا ينكر الصائمون على المفطرين، ولا المفطرون على الصائمين. فدل ذلك على أن الأمر على السعة، على أن الأمر على السعة. والعلماء رحمهم الله تعالى يذكرون تفاصيل في فروع هذه المسائل، وحاصلها وأحسن ما يقال فيها ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا الباب، وهو: هل الأفضل للمسافر الصوم أو الفطر؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أيسرهما أفضلهما، أيسرهما أفضلهما»، ما كان أيسر في حقه فهو ماذا؟ فهو أفضل في حقه. وهذا القول يعتبر من أحسن أقوال وأعدلها. إذن شروط وجوب الصوم خمسة: الإسلام، العقل، البلوغ، القدرة، والإقامة. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ومعنى هذا: ومن كان منكم مريضًا أو على سفر، أي: فأفطر، هناك محذوف مقدر، تقديره: فأفطر، فأفطر، فماذا؟ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، بمعنى أن الأيام التي أفطرها في رمضان يقضيها بعد رمضان. بقي: متى يقضي الأيام؟ هل يقضيها في شوال، أو يقضيها لو أن يقضيها في وقت آخر؟ يقول علماء رحمهم الله تعالى: العلماء متفقون على أن الأفضل أن يقضيها في أسرع الأوقات، يعني كلما قضاها سريعًا كان هذا أفضل؛ لأن ذمته تبرأ، والأصل في هذا الباب أن أوامر الله جل وعلا تمتثل على الفور. لكن دلت الأدلة على أن من أخر ذلك لأمر أو لآخر فإن الأمر في ذلك واسع، لكن لا يجوز له أن يؤخر قضاء تلك الأيام

شاركنا على