مسائل في الصيام 7

الدرس في مسائل في الصيام 7، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

آداب الصيام المستحبة: السحور وتأثيره

السحور من آداب الصيام المستحبة، يحث الشرع عليه لما فيه من بركة وتقوية للصائم. يعين على تحمل الصيام ويعتبر عملا بالسنة النبوية.

حكم السحور وكيفيته ووقته المفضل

السحور مستحب وليس واجب، يحصل بأي طعام أو شراب، وتأخيره إلى قبيل الفجر هو المستحب كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. له أن يأكل ويشرب حتى يتبين الفجر.

الأكل والشرب حتى طلوع الفجر

المستحب أن تكون أكلة السحر قبل الفجر، وله أن يأكل ويشرب حتى يتبين الفجر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.

ختام بالصلاة على النبي

المقطع يتضمن الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ويعبر عن التوقير والاحترام للنبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا مجلسنا السابع من مجالس مسائل في الصيام، ونذكر في هذا المجلس بعض آداب الصيام التي ينبغي أن يتحلى بها الصائم. وهذه الآداب تنقسم إلى قسمين: قسم منها واجب، وقسم منها مستحب. فمن آداب الصيام المستحبة السحور، أن يتسحر الصائم إذا أراد أن يصوم، فإن الشرع قد حث ورغب على أكلة السحر. والسحور يطلق ويراد به الطعام الذي يؤكل في وقت السحر. هذا بالفتح: السحور، وبالضم: سحور الفعل، فعل التسحر. وسمي السحور بذلك لأنه يؤكل في وقت السحر، وهو من وقت الثلث الأخير من الليل إلى أن يطلع الفجر. هذا الوقت هو وقت السحر والسحور. والسحور جاءت فيه أحاديث كثيرة ترغب وتحث على الاهتمام به والاعتناء به. ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «تسحروا فإن في السحور بركة»، متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وجاء من حديث ابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، عند الإمام النسائي. وهكذا أيضا جاء عند الإمام النسائي، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السحور بركة من الله، فلا تدعوه». وجاء كذلك في السنن، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السحور بركة من الله، فلا تدعوه، ولو أن يتجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». هذا الحديث رواه الإمام أحمد، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين، يصلون بمعنى يدعون ويثنون. الله عز وجل وملائكته الكرام يدعون ويثنون على المتسحرين. وكذلك أيضا جاء عند الإمام النسائي، من حديث العرباض بن سارية، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «هلم إلى الغداء المبارك»، يعني السحور. وجاء أيضا من حديث عمر، عند الطبراني، وصححه العلامة الألباني رحمه الله، سماه النبي عليه الصلاة والسلام «الغداء المبارك». فهذه الأحاديث تدل على بركة السحور، وأن السحور فيه بركة. ومن بركة السحور أنه يقوي الصائم، ويعينه على تحمل الصيام في نهار صيامه، فيجد الصائم قوة ونشاطا على تحمل الجوع والعطش، وذلك من بركة السحور. كذلك أيضا من بركة السحور أنه عمل بالسنة، بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، والعمل بالسنة بركة. والبركة معناها كثرة الخير وثبوته ولزومه. فالعمل بسنة بركة، ومن ذلك أكلة السحر. ومن بركة السحور كذلك أنه عبادة، لأنه أكل مستحب، فيؤجر الإنسان عليه، ويثاب على هذه الأكلة التي يأكلها، مع أن الأصل أن الأكل مباح، لكن لما كانت هذه الأكلة مرغب فيها، وجاءت الشريعة بالحث عليها، كانت مستحبة، وفعل المستحب عبادة. وأيضا من بركة السحور أنه يعين الصائم على إدراك وقت السحر، وهو وقت مبارك، وقت السحر وهو آخر الليل قبل الفجر، الذي يكون في الثلث الأخير من الليل. وتعلمون حديث أبي هريرة في الصحيحين، في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا بقي ثلث الليل الأخير، ينزل الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» هكذا يبقى حتى يطلع الفجر. فالمتسحر الذي يقوم للسحر في مثل هذا الوقت، يدرك فضيلة هذا الوقت بالدعاء والاستغفار. فإن الاستغفار في وقت السحر مستحب، كما قال الله عز وجل، مثنيا على عباده المؤمنين: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. فمن بركة السحور أنك تدرك هذا الوقت المبارك، بخلاف من أكل في نصف الليل، فإنه يحرم هذا الوقت، ربما يأكل وينام، وما يستيقظ إلا مع الفجر أو بعد الفجر، فلا يدرك هذا الوقت المبارك. أيضا من بركة السحور أنه يعين الصائم على المحافظة على صلاة الفجر في جماعة، لأنه لما يقوم في ذلك الوقت المبارك يتسحر، وكما سيأتي أن المستحب في السحور أن يكون في آخر الليل، قرب الفجر، فإنه سيتهيأ بعد سحوره لصلاة الفجر، فيعينه ذلك على المحافظة على هذه الصلاة العظيمة، وأدائها في بيوت الله جل وعلا مع الجماعة. نأتي إلى ذكر مسألة، وهو ما حكم السحور؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تسحروا فإن في السحور بركة»، تسحروا هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب. لكن ذكر بعض أهل العلم، كالإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله، وهكذا الإمام النووي، إجماع العلماء على أن هذا الأمر للندب والاستحباب، وليس للوجوب. قال أهل العلم: الصارف لهذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب هو وصال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن واصل معه من أصحابه، كما ثبت في الصحيحين من حديث عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام واصل بأصحابه. والمواصل أن يصوم اليوم تلو اليوم، من غير أن يأكل شيئا، لا يفطر. فذل هذا على أن هذا الأمر للاستحباب، ولهذا بوب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: «باب بركة السحور». إذن أكلة السحر مستحبة استحبابا مؤكدا، لا ينبغي للصائم أن يتركها. تأتي مسألة: بماذا يحصل السحور؟ هل لا بد في السحور أن يكون طعاما دسما أو طعاما كثيرا، كأرز مع صيد أو نحو ذلك، أو خبز مع إدام، أو يحصل بأقل من ذلك، كتمرات أو شربة ماء؟ الجواب الثاني: أن السحور يحصل بما يتيسر من الطعام، ولو أن يأكل تمرات. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نعم سحور المؤمن التمر»، رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. يعني أن التمر فيه خير وبركة، ويعين الصائم على تحمل الصيام. فلو لم يتيسر من الطعام إلا التمر، فكفى به وجبة وأكلة وغداء يتغدى بها الصائم. بل إن لم يتيسر شيء من الطعام، إلا أن يشرب ماء، فيتسحر بالماء، كما سمعنا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «ولو أن يتجرع أحدكم جرعة من ماء». شربة ماء يجعل الله عز وجل فيها البركة في أثناء صيامه، يجد لها الأثر في التقوي على الصيام. فالمقصود أنه لا يدع السحر، حتى لو جاء وقت السحر ويقول: لنا شبعان، ما أريد شيء، أقل شيء اشرب ماء، لا تدع هذه الأكلة المباركة، ولو أن تتجرع ما أشرب كأس ماء، والحمد لله، تكون قد تسحرت، فتنال هذه الأجور. كذلك أيضا من بركة السحور: أنه فاصل بين صيام أهل الإيمان وأهل الكتاب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر». فاصل يعني فارق ومميز بين صيام أهل الإيمان وصيام أهل الكتاب، اليهود والنصارى. أكله السحر فاليهود والنصارى لا يتسحرون، لأن الأكل والشرب كان محرما عليهم في ليالي الصيام، كما كان الحكم في أول الإسلام عند فرض الصيام. كان من نام، كما مر معنا في مجالس قد مضت، أن من نام حرم عليه الطعام والشراب، وكان هذا موافقا لحكم أهل الكتاب. ثم نسخ هذا الحكم، وأباح الله عز وجل لأهل الإسلام والإيمان أن يأكلوا ويشربوا في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر. إذن صارت أكلة السحر هذه مميزة ومفرقة بين صيام المسلم وبين صيام أهل الكتاب. تأتي مسألة: ما هو المستحب في وقت السحر أو في وقت أكلة السحر؟ متى يأكل الصائم أكلة السحر؟ الجواب: أن المستحب تأخير السحور، وأن يتسحر الصائم في آخر الليل، قبل الفجر، قبل الفجر بربع ساعة، نصف ساعة. ما الدليل على هذا؟ ما جاء في الصحيحين من حديث زيد بن ثابت، أنه تسحر مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ثم قمنا إلى الصلاة، قيل: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. وجاء في رواية أن أنسا، وزيد بن ثابت تسحرا عند النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قاما إلى الصلاة. قال قتادة، وهو الراوي عن أنس: قلت لأنس: كم كان بينهما؟ قال: قدر ما يقرأ القارئ خمسين آية. خمسين آية قال أهل العلم: يعني من الآيات المتوسطة، لا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة. قالوا: هذا القدر يقدر بنحو ربع ساعة، بنحو ربع ساعة، عشرين دقيقة أو عشر دقائق، نحو هذا القدر. وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر السحور إلى قبيل الفجر، فهذا هو المستحب. المستحب في أكلة السحر أن تكون قبل الفجر، حتى يحصل المقصود، المقصود من هذه الأكلة ما تستعين به على صيامك في نهار الصيام. فلو أنك تسحرت في نصف الليل، الساعة الثانية عشرة أو الساعة الواحدة، ما سيأتي الفجر إلا وقد خلت البطن وتشعر بالجوع، فلا يحصل المقصود، كما لو أخرت هذه الأكلة إلى قبيل الفجر. إذن هذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أكلة السحر أن تكون قبيل الفجر. تأتي مسألة: هل على المتسحر أن يمسك عن السحور قبل طلوع الفجر؟ يعني هناك وقت يسمى بوقت الإمساك، يحرم على الصائم أن يأكل أو يشرب في هذا الوقت. تجدون في بعض التقاويم تخرج في رمضان مكتوب فيها وقت الإمساك الساعة كذا وكذا، قبل الفجر بربع ساعة أو عشر دقائق. يقال: هذا وقت الإمساك، يعني يجب على من أراد أن يصوم أن يمسك، فلا يأكل ولا يشرب. أم أنه له أن يأكل ويشرب حتى يطلع الفجر؟ الجواب الثاني: أن له أن يأكل ويشرب حتى يطلع الفجر، وليس هناك وقت يجب فيه الإمساك، هذا لم يأت في الشريعة، بل هو مخالف للكتاب والسنة. أما الكتاب، ربنا عز وجل يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. فأباح الله عز وجل الأكل والشرب في ليالي رمضان حتى يتبين الخيط الأبيض، والمراد به بياض النهار، وهو الفجر الصادق، من الخيط الأسود، وهو سواد الليل. قال: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ إذا تبين طلوع الفجر وظهوره، إما بالرؤية أن يراه الصائم بعينه، أو بإخبار الثقة، أو بإخبار الثقة كالمؤذن الذي يؤذن في الوقت، ويعلم الناس أن وقت الفجر قد دخل، فهنا عليه أن يمسك. وهكذا أيضا ما ثبت في السنة، ما ثبت في السنة من قوله عليه الصلاة والسلام، لعبد الله بن عمر في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: «أصبحت»، «أصبحت». انظروا النبي صلى الله عليه وسلم له مؤذنان، بلال، وكان ابن أم مكتوم رضي الله عنه، كان يؤذن الأذان الأول قبل الفجر، ويؤذن قبل طلوع الفجر، وابن أم مكتوم يؤذن الأذان الثاني الذي هو في وقت الفجر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». متى يؤذن؟ قال: «وكان رجلاً أعمى»، يعني ما يرى الفجر بعينه، لكن يخبره من عنده إذا رأوا بياض النهار، الفجر، يقول له: «أصبحت»، «أصبحت»، يعني طلع الفجر، فيؤذن. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم»، فإنه كان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: «أصبحت»، «أصبحت». معنى أباح لهم أن يأكلوا وأن يشربوا حتى يطلع الفجر، حتى يطلع الفجر. فإذا أذن المؤذن، يعلم بدخول الفجر، هنا وجب الإمساك. ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فكلوا واشربوا قبل أن يؤذن ابن أم مكتوم» بربع ساعة أو عشر دقائق، لا، أباح لهم أن يأكلوا ويشربوا حتى يأتي الأذان الثاني. وما جاء في حديث ابن عباس، وجاء عن غيره من الصحابة، بمعناه، عند أهل السنن، في قوله عليه الصلاة والسلام: «الفجر فجران، فجر يحل الطعام ويحرم الصلاة، وهو الفجر الكاذب، البعضة الذي يظهر معترضا، كذنب الكلب، كما جاء في الحديث، كذنب الضبع، هذا لا يحرم الطعام والشراب، ولا يحل الصلاة، أي صلاة الفجر». قال: «وفجر صادق، وهو يحرم الطعام ويحل الصلاة»، أي صلاة الفجر، ويحرم الطعام. إذن جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغاية التي بها يحرم على الصائم الأكل والشرب، هو طلوع الفجر، هو طلوع الفجر. إن هذا هو المعتبر، فالمتسحر له أن يتسحر، وأن يأكل وأن يشرب حتى يتبين له الفجر، إذا تبين له الفجر بالرؤية، أو بأذان المؤذن الثقة الذي يتحرى الوقت، ويؤذن في الوقت، فهنا يجب عليه أن يمسك، هنا يجب عليه أن يمسك، فلا يأكل ولا يشرب. فهذه بعض المسائل المتعلقة بالسحور، فنكتفي بهذا القدر. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.