الدرس في التعليق على التقسيم والتقعيد للقول المفيد 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الشيخ ست مسائل من باب التبرك بالشجر والحجر موضحاً أن طلب الصحابة لذات أنواط كان لإغاظة الكفار لا للعبادة، وأنهم لم يفعلوا ذلك بل سألوا توقيفاً وقصدوا التقرب لله. كما يحذر من الاغترار بكثرة فاعلي الباطل ويؤكد حرمة الطعن في الصحابة لمكانتهم وكون الطعن فيهم طعناً في الله ودينه ورسوله.
يستعرض المقطع عدة مسائل عقدية وفقهية مستنبطة من طلب الصحابة ذات أنواط، منها وجوب رد الخطأ على من صدر منه وعدم المداهنة فيه، وتحريم التشبه بالمشركين في الأقوال والأفعال. كما يبين دقة معنى لا إله إلا الله وجواز الحلف على الفتية للمصلحة وحمل فعلهم على الشرك الأصغر مع عذرهم لحداثة عهدهم بالكفر.
يستعرض المقطع مسائل فقهية منها تفصيل سد الذرائع إلى مطلوبة ومذمومة، والنهي عن التشبه بأهل الجاهلية مع تفريق ابن عثيمين بين الجاهلية المطلقة والمقيدة. كما يذكر جواز الغضب عند التعليم لبيان شناعة الخطأ وقاعدة أن كل ما خالف الشرع فهو من سنن الجاهلية.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس الحالي وقرر استكمال ما تبقى في الجلسة القادمة، وكلف الحضور بمراجعة الجزء القادم من المادة العلمية استعداداً للقاء المقبل.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، وفي ذكره لمسائل باب "من تبرك بشجرة أو حجر أو نحوهما": المسألة الأولى: تفسير آية النجم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19-20]. وعرفنا ما معنى هذه الآية، أي: أخبروني ما شأن هذه الأصنام التي تعظمونها. وقلنا: هذه الأصنام كانت لقبائل العرب تعبدها من دون الله سبحانه وتعالى. المسألة الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوه. يعني: الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: "اجعل لنا ذات أنواط". أي: يقول ابن عثيمين إن طلبهم هذا إغاضة للكفار، لا أن يعبدوها. يعني: كما أن الكفار تفتخر بذات أنواط وبتعليق أسلحتهم عليها، فكأن هؤلاء الحديث عهد بكفر أرادوا مثلهم لإغاضتهم، لا ليعبدوا هذه الشجرة. المسألة الثالثة: كونهم لم يفعلوا. يعني: الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما فعلوا هذا، وإنما تقدم معنا أنهم طلبوا ذلك كالمستأذنين، أو السائلين عن حكم هذا الشيء؛ لأنهم عرفوا أن العبادة توقيفية. فهم لم يفعلوا ذلك، وإنما سألوا. المسألة الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه. يعني: ما طلبوا ذلك إلا محبة لله، ظناً منهم أن هذا مما يحبه الله، كالمسلم اليوم يتبرك بالأمور التي يشرع التبرك بها، كالتبرك بالأماكن الفاضلة كمكة والمدينة، أو بالأزمنة الفاضلة كرمضان وغيره. المسألة الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل، فلا تغتر. يقول ابن عثيمين: لا تغتر بعمل الناس. فلربما بعض الأعمال يعملها كثير من الناس وهي في ميزان الشرع لا تجوز، فيأتي إنسان ويقول: كيف تقول لا يجوز وهذه الأمة كلها يفعلون هذا الشيء؟ هل هؤلاء كلهم على ضلال؟ نعم، إذا فعلوا شيئاً يخالف الشرع فيصدق الشرع ويعمل بالشرع، ومن خالف الشرع فهو على ضلال. فلا تغتر بعمل الناس، ولا تغتر بالكثرة، وإنما العبرة بإصابة الحق. المسألة السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم. قال ابن عثيمين: فلا تذكرهم إلا بالجميل، لأن الطعن فيهم طعن في الله وفي دينه وفي رسوله صلى الله عليه وسلم. وفيهم -أي الصحابة رضي الله تعالى عنهم- يعني: وإن أخطأوا في ذلك فلا يشنع عليهم بسبب هذا الخطأ، ولا يقال إنهم وقعوا في الشرك، أو وقعوا كذلك في التبرك غير المشروع، أو نحو ذلك؛ لأنه كما تقدم إنما سألوا ولم يفعلوا ذلك. ولو وقعوا في شيء من ذلك فمكانتهم وصحبتهم لربما تكون سبباً في مغفرة هذه الذنوب. فلا يذكر الصحابة إلا بالجميل، والقبيح والسيء لا يذكرون به. فمن طعن في الصحابة فقد طعن في الله. ووجهه: أن الله عز وجل اختار لنبيه من ليسوا أهلاً لأن يحملوا هذا الدين لأنه مطعون فيهم، هذا لازمه فهو طعن في الله، وطعن في دينه؛ إذ أن الله عز وجل جعل الواسطة بين الأمة وبين نبيها هؤلاء المطعون فيهم، وهذا طعن في دين الله عز وجل. وأيضاً فيه ضعف الثقة بما ينقل عن هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهو طعن في الدين. ولذلك جاء عن الإمام الأوزاعي أنه قال عن الروافض الذين يطعنون في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم ما طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم أرادوا الطعن في هذا الدين، وأرادوا أن يزيلوا الثقة من نقالثوا الثقة من نقال هذا الدين وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضائهم. وأما طعن في رسوله صلى الله عليه وسلم، فوجهه: أن الرسول أصحابه مطعون فيهم، وإذا كان الصاحب مطعوناً فيه فالمصحوب كذلك مطعون فيه. وعن المرء لا تسأل وسأل عن قرينه، إن القرين بالمقارن يقتدي، والمرء على دين خليله. فهذا فيه طعن كذلك في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقبح الله الروافض الذين يطعنون في هؤلاء العدول، هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضائهم. فمن عقيدة أهل السنة والجماعة ألا يذكر الصحابة إلا بالجميل. المسألة السابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر، إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم". فغلظ الأمر بهذه الثلاث. وهذا فيه أن الخطأ إذا صدر من شخص مهما كانت منزلته ومكانته يجب رد هذا الخطأ. وأما المخطئ فإن كان من أهل السنة، من أهل الحق، فإنه يعني تحفظ له مكانته، لكن الخطأ لا يسكت عنه، ولا يداهن فيه صاحبه، بل يجب رده وبيان خطأ العالم فيه. المسألة الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود، أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]. ففيه أنه عن التشبه بالمشركين في الألفاظ، كما أنه لا يجوز التشبه بالمشركين في الأفعال، كذلك لا يجوز التشبه بالمشركين في الألفاظ. وليس معنا قول: لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل، أي أنكم كفرتم كما كفر بنو إسرائيل الذين قالوا لموسى ذلك، وإنما المراد أنكم شابهتموهم في طلب أمر كان عليه المشركون. وهذا فيه أنه عن التشبه بالمشركين في كل شيء، في أقوالهم وفي أفعالهم. المسألة التاسعة: أن نفي هذا من معنى "لا إله إلا الله" مع دقته وخفائه على أولئك. قال ابن عثيمين: فالشهادة تنفي كل إله سوى الله، وكذلك البركة لا تكون من غير الله. ومعنى ذلك أن المرء لا يقول: أنا أعرف معنى "لا إله إلا الله"، وأنا أفهم "لا إله إلا الله"، فيكتفي بمعرفته وفهمه، ولا يدرس خفايا ما تدل عليه هذه الكلمة. فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم خفي عليهم شيء من أصل معنى "لا إله إلا الله". وكأن المؤلف هنا يدعونا جميعاً إلى أن نعتني بدراسة التوحيد ودقائق مسائل معنى "لا إله إلا الله". المسألة العاشرة: أنه حلف على الفتية وهو لا يحلف إلا لمصلحة، فيجوز الحلف على الفتية وإن لم تطلب من المستفتي لوجود المصلحة في ذلك، أو لدفع مفسدة. المسألة الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بهذا، فيحمل هذا على الشرك الأصغر. المسألة الثانية عشرة: قولهم: "وحدثاء عهد بكفر"، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك، يعني ممن قد رسخ إيمانه وكذلك طال دخوله في الإسلام. فقوله: "حدثاء عهد"، أي: إنما وقع ذلك من قريب الدخول في الإسلام. قال ابن عثيمين: فهم يعذرون لجهلهم بكونهم حدثاء عهد بكفر. نعم، ما وصلت إليهم هذه المسألة، ما قالوا ذلك بعد علمهم بتحريمها أو بعدم جوازها، وإنما قالوا ذلك جهلاً منهم، وهم يعذرون بجهلهم. وقلنا ذلك لأن من رسخ إيمانه وله فترة طويلة في الإسلام لم يقل مثل هذا الكلام، وقد صاحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وغزوا معه غزوات كثيرة، ولا أحد من الصحابة قال هذا القول لرسول الله. ما قال أصحاب بدر، ولا أصحاب أحد، ولا أصحاب الخندق، ولا كذلك غيرها من الغزوات للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوات: "اجعل لنا ذات أنواط". وإنما قال ذلك من هم حدثاء عهد بكفر في غزوة حنين كما تقدم معنا، فدل ذلك على أنهم ما قالوا ذلك إلا جهلاً، فيعذرون بجهلهم. المسألة الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافاً لمن كره. والتعجب منهما هو في الصلاح. أهل اللغة، أهل النحو، لهم في التعجب صيغتان: "ما أفعله" و"أفعل به". ما أحسن زيداً، وأفعل به، أي: أبصر بهم وأسمع. فهاتان صيغتان عند أهل النحو. لكن في باب اللغة فأساليب التعجب متعددة، ومن أساليب التعجب التكبير. إذا تعجبت من شيء تكبر: "الله أكبر"، كما جاء في هذا الحديث. لما قال هؤلاء الصحابة: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر". هذا من باب التعجب، ففيه التكبير عند التعجب، ولا كراهة في ذلك. المسألة الرابعة عشرة: سد الذرائع. قال الشيخ ابن عثيمين: وهي الطرق الموصلة إلى الشيء. يعني مثل ما تقول: الوسيلة التي توصلك إلى الشيء، هذه هي الذرائع. أنت تريد مثلاً أن تطلب العلم، فتتخذ وسائل لطلب العلم، هذه الوسائل تسمى الذرائع: ذرائع لطلب العلم. وهكذا تريد تحفظ القرآن، هذا الأصل البغية وكذلك الهدف هو حفظ القرآن، لكن له ذرائع، أي: له وسائل توصل إلى حفظ القرآن، من مثلاً التكرار، من المراجعة، من تهيئة المكان، ونحو ذلك، هذه تسمى الذرائع. فقوله: "سد الذرائع"، قال ابن عثيمين: وهي الطرق الموصلة إلى الشيء. والذرائع نوعان: ذرائع إلى أمور مطلوبة، فهذا لا تسد بل تفتح وتطلب، كما تقدم معنا في طلب العلم، حفظ القرآن، ونحو ذلك. وذرائع إلى أمور مذمومة، مثل الشرك، فجاء الشرع بسد كل طريق موصل إلى الشرك، فنهى عن تجصيص القبور، وعن السرج عليها، وعن تجصيصها، وعن كثير من الأمور، كل ذلك ماذا؟ سدا لذرائع الشرك. فهذه ذرائع مذمومة، فهذه تسد، وهو مراد المؤلف رحمه الله. ومن أين أخذ المؤلف سد الذرائع من هذا الحديث؟ إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على الصحابة رضي الله تعالى عنهم قولهم: "اجعل لنا ذات أنواط"، فإن هذا الفعل ذريعة إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى. المسألة الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية، لأن من أعمال أهل الجاهلية التبرك بالأشجار، وهذا الفعل الذي مر في الحديث، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يتشبهوا بهم. قال ابن عثيمين تعليقاً على هذه المسألة: لا تختص بما قبل البعثة، فالكل من جهل الحق وعمل عمل الجاهلين فهو من أهل الجاهلية. يعني: الأعمال التي تخالف الشرع مما عليها أهل الجاهلية، سواء كان أهل الجاهلية قبل الإسلام، قبل البعثة، أو من جاء بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ما تسمى بالجاهلية المقيدة. الجاهلية المطلقة لا تطلق إلا على من كان قبل الإسلام، هذه الجاهلية المطلقة. فلا يقال مثلاً على الأزمان التي بعد النبي صلى الله عليه وسلم أنها عصور الجاهلية هكذا على وجه الإطلاق، كما ألف محمد قطب هذا التكفيري ذلك الكتاب الذي سماه "جاهلية القرن العشرين". هذا العنوان خطأ لأنه أطلق هنا، فكأنه يكفر المجتمعات، وأنه لا نبي أرسل إليهم. لكن يقال مثلاً على سبيل المثال: "جاهلية كذا وكذا"، هذا الأمر من أعمال أهل الجاهلية، تقيده بأهل أو بعامل أو نحو ذلك، ولا تطلقه هكذا إطلاقاً عاماً. "جاهلية القرن العشرين" معناه: كله جاهل، لا. وإنما تقول مثلاً: "جاهلية فلان"، إن مرؤن فيك جاهلية، جاهلية أهل مثلاً الكفر، جاهلية مثلاً أهل بلد كذا وكذا ممن ليس عندهم إسلام أو نحو ذلك، فيكون بالتقييد. المسألة السادسة عشرة: الغضب عند التعليم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب هنا من قولهم بذلك، قال: "الله أكبر، إنها السنن، لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة". فلا بأس من أجل أن يبين العالم عظم هذا الخطأ الذي وقع فيه السائل أو وقع فيه المستفتي أو نحو ذلك، فيغلظ له القول ويغضب عند تعليمه. المسألة السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: "إنها السنن". قال ابن عثيمين: وهذا للتحذير، أي: كل ما خالف الشرع فهو من سنن أهل الجاهلية، أي: من طريقهم وأعمالهم. المسألة الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة لكونه وقع كما أخبر. فقوله عليه الصلاة والسلام: "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، هذا وقع، وفي عصرنا هذا تراه واضحاً جلياً، تراه واضحاً جلياً. فإن المسلمين للأسف الشديد تشبهوا بأعداء الإسلام في كل شيء، في كل شيء تشبهوا بأعداء الإسلام، حتى في لباسهم، وحتى في قصات شعورهم، وفي ألفاظهم، وفي كل شيء. وما هذا إلا مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم". نعم، "من كان قبلكم": أي من اليهود والنصارى. طيب، نكتفي بهذا، انتهى الوقت، ونكمل إن شاء الله ما بقي، تدرس القادم، إلى هنا تدرس القادم، تدرس القادم.