شرح تعظيم العلم  5

شرح تعظيم العلم 5

الدرس في شرح تعظيم العلم 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

إخلاص النية في طلب العلم وأصوله الأربعة

يبيّن المقطع أن إخلاص النية هو أساس قبول طلب العلم وسبيل رفعة السلف، مستدلاً بالآيات والأحاديث. ويذكر أن الإخلاص يقوم على أصول منها رفع الجهل عن النفس بمعرفة العبوديات، ورفع الجهل عن الخلق بالتعليم والإرشاد.

مقاصد طلب العلم ومراتب النية وتصحيحها

يستعرض المقطع أربع نيات أساسية مستمدة من سورة العصر تشمل رفع الجهل، التواصي بالحق، حفظ العلم، والعمل به. ثم يوضح ثلاث مراتب للنية هي إيجادها، تصحيحها من الرياء، وتجديدها عند الفتور، مع التأكيد على شدة معالجة السلف للنية.

العلم وحفظه والعمل به وختام الدرس

يؤكد المقطع على ضرورة حفظ العلم بعد طلبه ثم العمل بمقتضاه ليكون حجة للعبد لا عليه. ويختتم بالتأكيد على انتهاء الموضوع والاكتفاء بما ذُكر في هذا المجلس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال المؤلف حفظه الله الشيخ صالح العصيمي في كتابه "تعظيم العلم" المعقد الثاني: "إخلاص النية فيه". وقد ذكر في شرحه أن الإخلاص شرعاً هو تصفية القلب من إرادة غير الله، إخلاص أو تصفية القلب من إرادة غير الله، فيشمل هذا الرياء والسمعة والشرك الأكبر من إرادة العلم في التقرب إلى غير الله ونحو ذلك، فكل ما أريد به غير الله فهو ينافي الإخلاص، والإخلاص تصفية القلب من إرادة غير الله. قال: "إن إخلاص الأعمال أساس قبولها وسُلَّم وصولها". قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾. وقال البخاري في الجامع المسند الصحيح، ومسلم في المسند الصحيح وهو المشهور بـ "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، واللفظ للبخاري: قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». ذكر المؤلف حفظه الله أدلة وجوب الإخلاص في كل عمل، ومن أعظم الأعمال الصالحة العلم النافع، طلب العلم النافع، فقول: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ﴾، العلم عبادة، فيجب على طالب العلم أن يخلص فيها لله عز وجل لأن الله أمر بذلك: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ﴾. وذكر حديث عمر رضي الله تعالى عنه المشهور الطويل: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وجاء في لفظ: «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى»، وسيأتي معنا تفصيل في مسألة تغير النية، سيأتي إن شاء الله. قال: "وما سبق من سبق، ولا وصل من وصل من السلف الصالحين إلا بالإخلاص لله رب العالمين". قال أبو بكر المروذي: "سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله" يعني أحمد بن حنبل "وذكر له الصدق والإخلاص، فقال أبو عبد الله: بهذا ارتفع القوم، وإنما انتهى الأثر". قال الشيخ: "وإنما ينال المرء العلم على قدر إخلاصه"، وقد صدق الإمام أحمد رحمه الله فيما قال، فارتفع السلف الصالح بإخلاصهم لله سبحانه وتعالى، فطلبوا العلم لله لا رياء ولا سمعة ولا شهرة، ولا لطلب دنيا فانية، ولا لجاه، ولا لغرض غير الله، ولا لغرض غير الله عز وجل، فرفعهم الله سبحانه وتعالى. وقد ذكر العلماء أن طالب العلم إذا انصرف عن طلب العلم ولم يوفق فيه، فلعل من أكبر وأعظم الأسباب هو فقد الإخلاص، فقد الإخلاص في طلبه للعلم، فإذا فقد الإخلاص لم يوفق طالب العلم لطلب العلم، ولا للمواصلة فيه، ولا للمواصلة فيه، فلا يرفعه الله عز وجل بالعلم لأن العلم شريف، ولا يناله إلا المخلص الذي أراد بعلمه وجه الله سبحانه وتعالى، فالإخلاص يحتاج إلى مجاهدة، الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة. قال سهل بن عبد الله التستري: "لا يعرف الرياء إلا مخلص"، لا يعرف الرياء إلا مخلص. ما معنى هذا؟ معناه أنه من تخوف من الرياء أن يقع في أعماله تكون له معرفة في هذا الرياء وفي طرقه ودقائقه ووسائله، فتجده بعيداً وحذراً من الوقوع في هذا الرياء، فلا يعرف الرياء إلا مخلص، فمن عرف ضرر شيء نأى عنه وابتعد، فهذا أثر عظيم، وسيأتي معنا أثر لسفيان رحمه الله سيذكره المؤلف هاهنا. فطالب العلم ينبغي عليه أن يجاهد نفسه، وأن يصحح ويجدد نيته في طلب العلم، إن أراد الطالب أن يرفعه الله، وأن يوفقه، وأن كذلك يثبته على الاستمرار في طلب العلم. قال: "والإخلاص في العلم يقوم على أربعة أصول بها تتحقق نية العلم للمتعلم إذا قصدها"، يعني كيف يعرف الطالب المخلص، أو كيف يعرف الطالب من نفسه أنه مخلص؟ إذا حقق هذه الأربعة الأصول، إذا حقق هذه الأربعة الأصول وكانت نيته منعقدة عليها، وكانت نيته منعقدة عليها. قال: "الأول: رفع الجهل عن نفسه بتعريفها ما عليها من العبوديات وإيقافها على مقاصد الأمر والنهي". هذا أول نية حسنة ينبغي لطالب العلم أن تكون من أصول نيته في طلب العلم: رفع الجهل عن نفسه. لماذا أنت تتعلم؟ لماذا أنت تطلب العلم؟ من أجل أن ترفع الجهل عن نفسك، من أجل أن ترفع الجهل عن نفسك، وكيف ترفع الجهل عن نفسك؟ بأن تعرف العبادات التي يحبها الله، وهذا معنى قوله: "بتعريفها ما عليها من العبوديات"، يعني مما أمر الله عز وجل العباد بفعله من الطاعات والقربات، من الطاعات والقربات والواجبات، ثم إيقافها على مقاصد الأمر والنهي، يعني أن تعرف الأمر وأن تعرف النهي، فتمتثل للأمر وتنتهي عن النهي. هذا أعظم مقصد وأصل من أصول النية في طلب العلم، أن تنوي بهذا العلم أولاً رفع الجهل عن نفسك، وانظر إلى حال نفسك قبل طلب العلم، وانظر إلى حال غيرك ممن لم يرفع بالعلم رأساً، فإن الجاهل يتخبط في ظلمات الشرك والبدع والمعاصي، فبالعلم تعرف التوحيد وتلزم هذا التوحيد، وتعرف السنة وتلزم هذه السنة، وتعلم الحلال من الحرام، وتبتعد عن الحرام وتأتي بالحلال، وهكذا، فهذا أعظم نية ينبغي أن ينويها طالب العلم في طلبه للعلم: أن ترفع الجهل عن نفسك، وأن تعرف مقاصد هذه الشريعة وما أمرت به من العبادات والطاعات. قال: "الثاني: رفع الجهل عن الخلق بتعليمهم وإرشادهم بما فيه صلاح دنياهم وآخرتهم". هذا الأصل الذي تقوم عليه النية في طلب العلم، إذا وفقك الله في رفع الجهل عن نفسك فتنوي رفع الجهل عن غيرك، ولا تكتفي بنفسك، وهذا من أسباب... من أسباب ماذا؟ وهذا من... وهذه من أسباب الخلاص من الخسارة كما قال الله عز وجل: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾، وهذا هو رفع الجهل عن نفسك، وعمل الصالحات وهو العمل بالعلم، العمل بالعلم، فلا يكفي أن تتعلم ولا تعمل، فهذا لا يغني عن صاحبه شيئاً، فإنما العمل ثمرة العلم، ثم ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ أي علموا غيركم هذا العلم، علموا غيركم هذا العلم، فإن وفقك الله لطلب العلم فلتكن من نيتك نفع المسلمين، فلتكن من نيتك نفع المسلمين بتعليمهم ما علمك الله سبحانه وتعالى من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من تعليم العلم النافع في حلقات العلم، في حلقات القرآن، في حلقات السنة، ونحو ذلك. قال: "الثالث: إحياء العلم وحفظه من الضياع". هذه أيضاً من الأصول التي تقوم عليها النية وتتحقق النية في طلب العلم: إحياء العلم وحفظه من الضياع، فتنوي أن تحفظ هذا العلم حتى لا يندرس ويذهب، حتى لا يندرس ويذهب، ولذلك ذكر أهل العلم أن بعض علوم الآلة كعلم الفرائض، أو علم النحو، أو علم المصطلح، أو غيرها من العلوم، إذا لم يكن في القرية أو في البلد إلا طالب واحد يستطيع أن يعلم هذه العلوم وأن يتقن هذه العلوم، فيكون تعلمه لهذه العلوم من باب فروض الأعيان لا فروض الكفاية، فروض الأعيان لا فروض الكفاية، حتى لا يندرس العلم ولا يضيع العلم. وأنتم تعلمون ما تعيشه الأمة اليوم من جهل، وكذلك بعد عن العلم وعن حفظه وصيانته، فمن شرح الله صدره لطلب العلم النافع فليستشعر في نفسه أنه بهذا التعلم يكون سبباً في حفظ العلم، في حفظ العلم، فلذلك يذكر العلماء أن من شرح الله صدره في علم من العلوم وأحب أن يتخصص فيه، فلربما يكون تخصصه واهتمامه بهذا العلم من باب فروض الأعيان لا فروض الكفاية، لا فروض الكفاية، فربما بعض العلوم في بعض البلاد لا تدرس، لا تدرس، لو الآن نظرنا في كثير من القرى وفي كثير من المدن ربما لا يوجد فيها طالب علم يستطيع أن يدرس علم الفرائض يعني متمكن في هذا العلم، أو يستطيع أن يدرس فيها علم نحو حتى يتكلم الناس بلغة القرآن، أو لا يعرف علم الحديث بينهم، أو نحو ذلك، فهذا من اندراس العلم، فهذا من اندراس العلم، فتكون من نية طالب العلم إحياء العلم وحفظ العلم من الضياع، وذلك بإتقان فنونه. قال: "الرابع: العمل بالعلم". وهذه أيضاً من أعظم مقاصد طلب العلم أن تعمل بالعلم، لا يكفي أن تتعلم العلم، تعرف الحلال من الحرام، تعرف التوحيد من الشرك، تعرف السنة من البدعة، ثم لا تعمل بهذا العلم، هذا وبال على صاحبه، هذا العلم وبال على صاحبه، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والقرآن حجة لك أو عليك»، حجة لك إذا عملت به، وحجة عليك إذا لم تعمل به، وهكذا غيره من العلوم التي تتعلمها. وقد جمع المؤلف حفظه الله هذه الأربع في بيت من الشعر فقال: "نية للعلم رفع الجهل عم عن نفسه فغيره من النسم والثالث التحصين للعلوم من ضياعها وعمل به زكن" فقوله: "نية للعلم رفع الجهل عم"، "عم" بمعنى العموم، يعني رفع الجهل عم البلاد وعم الأمة، فتقصد بهذا العلم رفع الجهل عن نفسك، هذا الجهل الذي انتشر وعم، "عن نفسه فغيره من النسم"، يعني ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره، والنسم المراد به الخلق، المراد به الخلق. ثم قال: "والثالث التحصين للعلوم من ضياعها"، يعني تنوي إحياء العلم وحفظه من الضياع، وقوله: "وعمل به زكن"، أي ثبت وعلم، أي العمل في العلم، فجمع هذه الأربع في هذين البيتين: "نية للعلم رفع الجهل عم عن نفسه فغيره من النسم والثالث التحصين للعلوم من ضياعها وعمل به زكن". قال حفظه الله: "فالعلم شجرة والعمل ثمرة، وإنما يراد العلم للعمل"، هذا فيه تأكيد على أهمية العمل بالعلم. قال: "ولقد كان السلف رحمهم الله يخافون فوات الإخلاص في طلبهم العلم، في طلبهم العلم، فيتورعون عن ادعائه، لا أنهم لم يحققوه في قلوبهم، فلربما لا يرضى أحدهم أن يقال عنه عالم"، هذا معنى قوله: "يتورعون عن ادعائه"، مع أنهم أهل لذلك، مع أنهم أهل لذلك، وهم علماء حقاً وصدقاً، إلا أنهم لإخلاصهم وبعدهم عن الشهرة والرياء والسمعة يكرهون هذا المدح أو ذاك اللقب أو نحو ذلك. قال: "فهشام الدستوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً أطلب الحديث أريد به وجه الله عز وجل"، سبحان الله، وهو إمام مشهور معلوم من علماء الحديث، يقول: ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوماً أطلب الحديث أريد به وجه الله، وهذا يدل على إخلاصهم وخوفهم من الرياء والسمعة، أو من إرادة غير الله عز وجل. قال: "وسئل الإمام أحمد: هل طلبت العلم لله؟ فقال: لله!"، يعني تعجب، ولذلك وضع هنا علامة التعجب، "لله عزيز، ولكنه شيء حبب إلي فطلبته"، وهذا يدل على شدة إخلاصهم رحمهم الله تعالى، وهم لشك أنهم طلبوا ذلك لله، وإنما قالوا ذلك ليعلموا طلاب العلم أن الطالب لا يدعي الإخلاص، وإنما يسأل الله ذلك ويرجو من ربه القبول والتوفيق. قال: "ومن ضيع الإخلاص فاته علم كثير وخير وفير"، وهذا حق، فالمخلص يفتح الله عز وجل عليه، وكذلك من علامات الإخلاص الجد والاجتهاد في طلب العلم، الجد والاجتهاد في طلب العلم، في المنشط والمكره، لأنه يعمل لله لا يعمل للخلق، فإن وجدته باحثاً في المكتبة فهو يبحث لله، وإن وجدته مكثراً من حضور حلقات العلم فهو لله لا من أجل الناس، أما من يعمل لغير الله فإذا أُري من ينظر إليه اجتهد وجد، وإذا لم يره أحد كسل وفتر عن طلب العلم وترك، فمن ضيع الإخلاص فاته علم كثير وخير وفير. قال: "وينبغي لقاصد السلامة أن يتفقد هذا الأصل وهو الإخلاص في أموره كلها، دقيقها وجليلها، وسرها وعلنها، أن يكون طلبه للعلم في سيره العلمي في كل حال يكون مخلصاً فيه، في كل حال وفي كل كذلك حركة وسكنة، في أموره كلها، في صغيرها وكبيرها، وفي سرها وعلانيتها". قال: "ويحمل على هذا التفقد شدة معالجة النية"، يعني يجعل طالب العلم من مهمات عمله اليوم أن يجدد نيته وأن يعالج نيته. قال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي"، يعني تتغير، تتغير عليه هذه النية، لأن محل النية القلب، لأن محل النية القلب، فهي تتغير عليه، والقلب متقلب، والقلب متقلب، وما سمي القلب قلباً إلا لتقلبه، كما قال الشاعر: "ما سمي القلب قلباً إلا من تقلبه فاحذر على القلب من قلب وتحويله". فاحذر على القلب من قلب وتحويله. فهذا سفيان الثوري مع جلالته ومنزلته بين أهل العلم يعالج نيته، ويبين أن معالجتها أمر شديد عليه، أمر شديد عليه، "ما عالجت شيئاً أشد علي من نية لأنها تتقلب علي"، فإذا كان سفيان يقول هذا فنحن أيها الإخوة من باب أولى أن نقول ذلك. وقد ذكر المؤلف حفظه الله في شرحه أن مراتب طلب النية في العمل ثلاث: أولها: إيجاد النية، وهي الإرادة المصاحبة للعمل. ما معنى الإرادة المصاحبة للعمل؟ يعني إذا أردت أن تطلب العلم فنيتك طلب العلم، هذه إرادة مصاحبة للعمل، لطلب العلم، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، إنما الأعمال بالنيات». فمثلا أنت الآن جلست لطلب العلم، لكن ربما يأتي آخر يجلس لأنه يريد فلاناً، ما يريد طلب العلم، فهنا ما عنده استصحاب للنية، ما عنده استصحاب للنية عند العمل، ما نوى طلب العلم، إنما نوى يعني أن يلقى فلاناً، أن يلقى فلاناً. فأول مراتب النية: إيجاد النية، وهي الإرادة المصاحبة للعمل. ثانيها: تصحيح النية. أنت الآن دخلت في طلب العلم، وكانت هذه النية مصاحبة لطلب العلم، لكن يعتر هذه النية تغيرات وتقلبات، فمن هذه التقلبات ما يعرض لها مما يفسدها، فتحتاج إلى تصحيح. فمعنى تصحيح النية: إذا عرض لها ما يغيرها أو يفسدها. مثاله: هو الآن أوجد النية المصاحبة للعمل وهو طلب العلم، طلب العلم، فجلس يوماً أو يومين، ثم رأى من نفسه النبوغ على أقرانه، وكذلك الحفظ والفهم، فدخله شيء من العجب أو الرياء أو الشهرة، أو كذلك يسمع أن من نال العلم حصل شيئاً من الظهور أو الجاه أو الرياسة أو المال، فغير نيته إلى هذه المقاصد الدنيئة، فهذه النيات السيئة تحتاج إلى تصحيح، تحتاج إلى تصحيح، فيصحح النية ويجاهد نفسه على إرجاعها إلى ما نوى في أول الأمر من طلب العلم والإخلاص في ذلك. والثالث من مراتب طلب النية في العمل: تجديد النية. تجديد النية وهو استصحاب ذكرها إذا طال الزمن والأمد على العبد. فطالب العلم ربما ينوي طلب العلم فيدرس شهراً أو شهرين أو ثلاثة أو سنة، ثم يأتيه شيء من الضعف ومن الفتور، من الضعف ومن الفتور، فيذهب إلى أشياء مباحة ككثرة الجلوس مع الناس والتحدث معهم، أو الزيارات، يكثر من الزيارات، أو الانشغال ببعض الملهيات التي لا تصل إلى فساد نيته، فيجدد نيته، وذلك بأن يرجع إلى الأصل ويخلص في طلبه للعلم، وكما تقدم أنه من الإخلاص ومن علاماته الجد والاجتهاد في طلب العلم، في طلب العلم. فشبه المؤلف حال طالب العلم في تجديد النية كشعلة النار إذا أوقدت، ففي أول إيقادها يكون اشتعالها كثيراً، ثم تبدأ في ماذا؟ في النقص، في النقص، فتحتاج إلى من يوقظها ويشعلها مرة أخرى، وهكذا النية، لربما تضعف، وكذلك تمل، فتحتاج إلى تجديد. إذا عرفنا الفرق بين تصحيح النية وتجديد النية، ما الفرق بينهما؟ التصحيح: إذا دخل النية ما يفسدها، ما يفسدها من الرياء، من السمعة، من إرادة الدنيا، من جاه، من رئاسة، من مال، من كذا، فهذا تحتاج إلى تصحيح، تحتاج إلى تصحيح. وأما التجديد: فهو بمعنى الضعف، الضعف والملل في طلب العلم، فهو يحتاج إلى تجديد النية بإرجاعها إلى ما كانت عليه من الجد والاجتهاد ونحو ذلك. وهذا تجديد النية، والله أعلم، هو المراد بقول سفيان: "ما عالجت شيئاً أشد علي من نية لأنها تتقلب علي"، وهذا هو الظن بأمثاله، وهذا هو الظن بأمثاله، وقد يكون يدخله شيء من الرياء في طلب العلم، أو من كذلك ما يقع في النفوس البشرية من إرادة شيء من أمور الدنيا ونحو ذلك، لكنه يجاهد نفسه، يجاهد نفسه. قال: "بل قال سليمان الهاشم: ربما أحدث بحديث واحد ولي نية، فإذا أتيت على بعضي تغيرت نيتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات". وهذا أيضاً مما سبق، يحدث بحديث واحد وله نية واحدة، وهو مثلاً نفع الخلق وإفادة الناس وتعليم الناس، فإذا أتيت على بعضه، على بعض هذا الحديث، تغيرت نيتي، تغيرت نيتي، وكأنه مثلاً رأى شخصاً أو عالماً فبدأ يحسن الكلام، أو بدأ كذلك يشعر بشيء في نفسه من العظمة على غيره، أو نحو ذلك، فهذا يحتاج منه إلى مجاهدة، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيته، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات، ليست نية واحدة، يحتاج إلى نيات، أي في تجديدها، في تجديدها. فالخلاصة من هذا المعقد: أن طالب العلم لا يريد بطلبه إلا الله سبحانه وتعالى، لا يريد جزاء من أحد ولا شكوراً، ولا رياء ولا مدحاً، ولا ثناء، ولا دنيا فانية من رئاسة أو مال أو جاه أو نحو ذلك، فمن كانت هذه النية مصاحبة له دائماً وأبداً، فإن الله يرفع قدره ويوفقه ويثبته، ويثبته على هذا الطريق، فينتفع انتفاعاً عظيماً بهذا العلم الذي تعلمه، ويحقق ما تقدم من رفع الجهل عن نفسه ورفعه عن غيره، ومن إحياء العلم وحفظ العلم، والعمل بهذا العلم. وبهذا نكون انتهينا من هذا المعقد، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.