الدرس في شرح تعظيم العلم 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع مكانة العلماء كآباء للأرواح مستنداً إلى أقوال ابن تيمية وابن القيم، وأن حقهم في الإكرام والتوقير أعظم من حق الوالدين بالجسد، مع التفريق بين الشيخ والمعلم والمؤدب ودور كل في التربية.
يفرق بين المعلم الذي يعلم الأساسيات والشيخ الذي يدرس العلوم الشرعية، مؤكداً وجوب إكرام الجميع وتوقيرهم بأدب العبودية المقيدة، مستدلاً بأقوال السلف وآية ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ﴾ وحديث عبادة بن الصامت.
يستعرض وجوب احترام العلماء وتوقيرهم مستشهداً بفعل ابن عباس مع زيد بن ثابت، وإجماع العلماء على وجوب إكرامهم، وحال الصحابة في مجالس العلم ساكنين كأن على رؤوسهم الطير.
يصف حال الصحابة والسلف في عدم تحديق النظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى العلماء توقيراً وهيبة، مع ذكر حال الإمام مالك بن أنس وتركه الجواب هيبةً والسائلون نواكس الأذقان.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال الشيخ الصالح العصيمي حفظه الله في كتابه «تعظيم العلم»، المعقد الرابع عشر: قال المعقد الرابع عشر: إكرام أهل العلم وتوقيرهم. إن فضل العلماء عظيم، ومنصبهم منصب جليل؛ لأنهم آباء الروح، فالشيخ أب للروح كما أن الوالد أب للجسد. وفي قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ ﴾، والأبوة المذكورة في هذه القراءة ليست أبوة نسب إجماعاً، وإنما هي الأبوة الدينية الروحية، فالاعتراف بفضل المعلمين حق واجب. وهذا المعنى نقله ابن القيم عليه رحمة الله عن شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الشيخ والمعلم والمؤدب أب للروح، والوالد أب للجسد». فالمؤلف أخذ هذا المعنى من هذه الأدلة، وأخذه كذلك من قول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. وتعلمون أن الله عز وجل قد أمر بطاعة الوالدين وبإكرامهما وخدمتهما واحترامهما وعدم رفع الصوت عليهما، هذه في الأبوة بالنسب، فكذلك الأبوة بالعلم والقدر والتعليم ونحو ذلك ينبغي أن يعطيها الطالب حقها من الإكرام والتوقير والاحترام، فالعلماء هم آباء الأرواح. أيهما أعظم؟ أيهما أعظم: تربية الروح أو تربية الجسد؟ أيهما أعظم: تربية الروح أو تربية الجسد؟ ها؟ تربية الروح. تربية الجسد غايتها أن يكون الشخص قوياً صحيحاً، لكن تربية الروح يكون صاحبها مؤمناً زكياً تقياً، فهذا لا شك أنه أعظم. فمربي الروح ومعلم الروح حقه أعظم من حق مربي الجسد، وهم الآباء بالنسب، فلذلك ينبغي للطالب أن يستشعر ذلك، فيكون عنده من الإكرام ومن التوقير لمن علمه وأدبه. وقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «الشيخ والمعلم والمؤدب»، ما الفرق بين هؤلاء الثلاثة؟ ذكر الشيخ والمعلم والمؤدب، قال: «أب للروح، والوالد أب للجسد»، فما الفرق بين الشيخ والمعلم والمؤدب؟ المؤدب هو من يبتدئ عنده التعليم والأدب، يعني الذي يعلم الصغير الذي ربما يبلغ من السن الخامسة أو السادسة أو السابعة مهمات الأخلاق والآداب، فكان السلف الصالح يدفعون بأبنائهم الصغار إلى المؤدبين ممن يعلمون الأولاد مهمات الأخلاق والآداب، فلا شك أن هذا له حق. وأما المعلم فهو الذي يدفع إليه ذلكم الغلام الذي ربما قد بلغ من السن السابعة أو الثامنة، فيدفعه إلى هذا المعلم يعلمه الكتابة والحساب والقراءة، وكان هذا يسمى في الزمن الأول بالمكتب أو الكتاب، ويسمى اليوم بالحلق، وبعضهم يسميه بالحزم أو نحو ذلك، هذا يسمى معلم يعلم الكتابة والحساب والقرآن. وأما الشيخ فهو الذي يعلم مسائل الدين والعلم وما يتبع ذلك من آليات العلم كعلم النحو وعلم المصطلح وعلم كذلك الأصول ونحو ذلك، فهذا هو الشيخ. فكل هؤلاء لهم حق عليك، فينبغي إكرامهم وتوقيرهم والتأدب معهم، هذا هو المراد. قال: قال شعبة بن الحجاج: «كل من سمعت منه حديثاً فأنا له عبد». واستنبط هذا المعنى من القرآن محمد بن علي الأدوي - فوي، يعني الفاء مضمومة والواو مكسورة، الأدوي - فقال: إذا تعلم الإنسان من العالمين واستفاد منه الفوائد فهو له عبد. قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ ﴾، وهو يوشع بن نون، ولم يكن مملوكاً له، وإنما كان متلمذاً له متبعاً له، فجعله الله فتاه لذلك. ومعنى العبودية هنا ليست العبودية المطلقة كعبودية العبد لربه، وإنما المراد بالعبودية هنا العبودية المقيدة كحال العبد مع سيده من الطاعة والخدمة والأدب والاحترام والتوقير ونحو ذلك، فهذا هو المراد بالعبودية. فمعنى كلام السلف هذا: أن كل من علمك فينبغي أن تكون معاملتك له معاملة العبد لسيده من الأدب والاحترام والتوقير ونحو ذلك. وما استنبطه محمد بن علي في هذه الآية له وجه: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ ﴾، فهل هذا يوشع بن نون كان مملوكاً لموسى؟ قالوا: لا، لم يكن مملوكاً له بمعنى عبد له، وإنما المراد بفتاه هنا أي لأنه كان تلميذاً له طالباً عنده، فعبر ربنا عز وجل بهذا اللفظ الذي فيه معنى العبودية: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ ﴾. قال: وقد أمر الشرع برعاية حق العلماء إكراماً لهم وتوقيراً وإعزازاً، فهذا الأمر ليس من قواعد العلماء أو من اجتهادات العلماء، وإنما هو بأمر من الله: توقير العلماء، واحترام العلماء، وإعزاز العلماء، هذا مما أمر به الشرع، مما أمر به الشرع. ما هو الدليل على ذلك؟ قال: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى في المسند: حدثنا هارون، قال حدثنا ابن وهب، قال حدثني مالك بن الخير الزيادي، عن أبي قبيل المعافري، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ». هذا هو وجه الشاهد: «وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ»، فالعالم له حق، ومن حقوق هذا العالم أن يحترم وأن يوقر وأن يعامل معاملة الابن لأبيه، فهم آباء الأرواح كما تقدم. والحديث الصحيح، صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله في عدة مواضع من كتبه. قال: أمسك ابن عباس يوماً بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنه، فقال زيد: «أمسك، أمسك، أمسك لي، وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال ابن عباس: «إنا هكذا نصنع بالعلماء». ومعنى بركاب زيد بن ثابت: الركاب هو اسم للإبل، اسم للإبل التي تحمل القوم، فأراد المؤلف من هذا المعنى بركاب زيد أي بزمام الناقة التي هو عليها، يعني الحبل الذي تربط به الناقة فتسير، فيأتي ابن عباس فيأخذ بهذا الخطام وهذا الزمام، وزيد بن ثابت على هذه الناقة، فالعالم مرتفع على هذه الناقة، وابن عباس يقود هذه الناقة لهذا العالم، هذا من خدمة العلماء والتواضع للعلماء، مع أن ابن عباس ذو شرف ومنزلة، فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ذلك زيد بن ثابت، لكن لم يمنعه ذلك من أن يوقر العلماء ويحترم العلماء ويتواضع للعلماء، فيأخذ بزمام ناقة هذا العالم وهو عليها. انظروا هذه صورة من صور أدب الطلاب مع العلماء. قال: ونقل ابن حزم الإجماع على توقير العلماء وإكرامهم، فالمسألة فيها إجماع، وليس من اجتهادات العلماء، وما اختلف فيه العلماء أبداً، وإنما فيها إجماع: توقير العلماء وإكرامهم. قال: والبصير بالأحوال السلفية يقف على حميد أحوالهم في توقير علمائهم، فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا إليه كأن على رؤوسهم الطير لا يتحركون، وهذا من الأدب مع العلماء أنك لا تزعج العالم بكثرة الحركة، وبكذلك ذهاب السكينة والطمأنينة في مجالس العلم، فكان الصحابة إذا جلسوا مع النبي عليه الصلاة والسلام كأن على رؤوسهم الطير لا يتحركون، ولا يعبثون، ولا شيء من ذلك، كأن على رؤوسهم الطير، يأتي الطير فيظن أن هذه خشبة مستقرة ثابتة واقفة، فيأتي ويقف على رؤوسهم لأنه ما يتحرك، لا يقول كذا ولا كذا، ولا الخلف ولا الأمام، كأن هم يعني أحجار ثابتة أو أخشاب ثابتة أو نحو ذلك، يجلسون وكأن على رؤوسهم الطير لا يتحركون، لا يتحركون. بل كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يحدون النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام إجلالاً وتوقيراً واحتراماً له، وهكذا كان السلف، فلربما كانوا يهابون العالم، يهابون العالم، فلا تراهم إلا منكس الرؤوس، لا يستطيعون أن يحد النظر إلى ذلك العالم، هيبة له، هيبة له. في من قيلت هذه الأبيات: «يَدَعُ الْجَوَابَ وَلَا يُرَاجِعُ هَيْبَةً وَالسَّائِلُونَ نَوَاكِسُ الْأَذْقَانِ» في من قيل هذا البيت؟ في من قيل؟ في من قيل هذا البيت من العلماء؟ مالك، مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، نعم، واحد منهم. يدع السؤال، يترك السؤال، وربما بعضهم لا يراج