الدرس في التعليق على شرح القواعد الأربع للشيخ العصيمي 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الحنيفية ملة إبراهيم تعني عبادة الله وحده مخلصاً له الدين، وتقتضي الإقبال على الله بالتوحيد والبراءة من الشرك. وضعت الحنيفية في الشرع لها معنيان عام وخاص.
ثلاثة أسباب لإضافة الحنيفية إلى إبراهيم عليه السلام: معرفة قومه به، جعله إماماً لمن بعده، وبلوغه الغاية في تحقيق الحنيفية ونيل مرتبة الخلة مع الله. هذه الأسباب تبرز مكانة إبراهيم عليه السلام.
الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما يستدل على ذلك بالقرآن الكريم. جميع المسلمين يعلمون أنهم مخلوقون لعبادة الله وحده، وهذا هو الغرض من وجودهم في الدنيا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة محمد عبد الوهاب النجد، رحمه الله، في كتابه "القواعد الأربع": اعلم، أرشدك الله لطاعته، أن الحنيفية ملة إبراهيم أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين، وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. قال الشارح، وفقه الله: وهو الشيء صالح، وصمي حبظه الله. ذكر المصنف، رحمه الله، أن الحنيفية ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، مبيناً حقيقتها بقول جامع يندرج فيه ما يراد بها شرعاً. فإن الحنيفية في الشرع لها معنيان: أولهما عام، وهو الإسلام، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "بعثت بالحنيفية السمحة". فالمراد بالحنيفية هنا هو الإسلام، وهذا بالمعنى العام. قال: والثاني خاص، وهو الإقبال على الله بالتوحيد، ولازمه الميل عما سواه بالبراءة من الشرك. ولهذا قال أهل العلم: الحنيفية هو الميل من الشرك إلى التوحيد، يعني ترك الشرك والبراءة منه، والإقبال على توحيد الله جل وعلا وتحقيقه. قال: والمذكور في قول المصنف "أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين" هو مقصود الحنيفية ولبها المحقق، وصفها الجامعة للمعنيين معاً. نعم، يعني المعنى العام هو المعنى الخاص، لأن المعنى العام، وهو الإسلام، هو الإسلام لله جل وعلا بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. والمعنى الخاص هو ترك الشرك والبراءة منه، والإقبال على توحيد الله جل وعلا، فكلا المعنيين يدخل في قوله "أن تعبد الله وحده مخلصاً له الدين". "تعبد الله وحده" هذا والتوحيد، "مخلصاً له الدين" أي دين الإسلام الذي هو أساسه وحقيقته ولبه توحيد الله جل وعلا وإفراده بالعبادة. قال: وهي دين الأنبياء جميعاً، فلا تختص بإبراهيم عليه الصلاة والسلام. يعني حنيفية هي دين الأنبياء جميعاً، لكن لماذا وضيفت إلى إبراهيم؟ قال: ووضيفت إليه في كلام المصنف وغيره، أي من أهل العلم، تبعاً لوقوعها كذلك في القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾. قال: وموجب نسبتها إليه أمراً، قال: أحدهما أن الذين بعث فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم يعرفون إبراهيم وينتسبون إليه، يعني أنه من ذريته، فيعدونه جداً له، ويزعمون أنهم على دينه، يعني على دين إبراهيم. فأجدروا بهم أن يتبعوه، فيكونوا حنفاء لله غير مشركين به. فحسنت إضافتها إليه دون غيرهم من الأنبياء. هذا الوجه الأول في إضافة الحنيفية إلى إبراهيم عليه السلام: أن الذين بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام يعرفون إبراهيم، بل ينتسبون إليه، أنهم من ذرية إبراهيم عليه السلام. فإذا كان الأمر كذلك، فالجذير بهم، والذي ينبغي عليهم أن يتبعوه فيما كان عليه من تحقيق التوحيد والميل عن الشرك، كما يزعمون أنهم على دينه وأنهم على ملته، فعليهم أن يكونوا حنفاء لله كما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام. قال: والآخر، أي الوجه الآخر، أن الله جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إماماً لمن بعده من الأنبياء، بخلاف سابقيه، فلم يجعل الله أحداً منهم إماماً لمن بعده من الأنبياء. قال: ذكرهم نجرير في تفسيره هذا الوجه الثاني. نسبة الحنيفية إلى إبراهيم عليه السلام: أن الله عز وجل جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إماماً لمن بعده من الأنبياء، فهو أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام، بخلاف من كان قبله، فإنه لم يكن كذلك، فلهذا نسبت الحنيفية إليه ووضيفت إليه. ثم ذكر المصنف أو الشارح، رفقه الله، وجهاً ثالثاً في إضافة الحنيفية إلى إبراهيم عليه السلام، فقال: الثالث أن إبراهيم بلغ الغاية في تحقيق الحنيفية، حتى نزل من ربه في مرتبة الخلة، ولم يشاركه سوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وإبراهيم متقدم عليه، فهو والد والنبي ولد، فالنسبة إلى الجد أولى من النسبة إلى الذرية. هذا الوجه الثالث: أن إبراهيم عليه السلام بلغ الغاية في تحقيق الحنيفية، يعني في تحقيق التوحيد والميل عن الشرك، فهو عليه الصلاة والسلام الذي كسر الأصنام بيده، وأنكر على قومه عبادة الأصنام، وحقق التوحيد غاية التحقيق، فنال بذلك القرب العظيم من الله جل وعلا، حتى صار خليل الرحمن جل وعلا، واتخذ الله إبراهيم خليلاً. ولم يشاركه في هذه المرتبة، مرتبة الخلة لله جل وعلا، إلا نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". لكن النبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة لإبراهيم هو كالولد، أنه بعده، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام قبله. فلما كان الأمر كذلك، نسبت ووظيفت الحنيفية إلى إبراهيم، لأنه يعتبر كالجد، والنبي صلى الله عليه وسلم يعتبر كالذرية، فنسبت إليه الحنيفية دون غيره من الأنبياء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام هو أفضل الأنبياء والرسل عليه الصلاة والسلام. قال: والناس جميعاً مأمورون بعبادة الله التي هي مقصود الحنيفية، ومخلوقون لأجلها، والدليل قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. قال: ودلالة الآية على المسألتين من جهتين: إحداهما صريح نصها المبين أنهم مخلوقون للعبادة. ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ فنصت الآية على ذكر الحكمة والغاية التي لأجلها خلق الله جل وعلا الجن والإنس، وهي عبادته سبحانه وتعالى. قال: والأخرى لازم لفظها المبين أن الناس مأمورون بها؛ لأنهم مخلوقون لأجلها، يعني أنهم ما خلقوا إلا لأجل العبادة. ما خلقوا إلا لأجل العبادة. قال: وعالم الجن وعالم الإنس يجمعهما اسم الناس في أصح القولين. وقوله "في أصح القولين" إشارة إلى وجود الخلاف، لكن الصحيح أن لفظ الناس يشمل الإنس والجن. فالأوامر التي فيها لفظ الناس في قول الله عز وجل: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ يشمل الإنس والجن، كما أنه يشمل المسلم والكافر. قال: فيندرجان في قول المصنف "وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها". ثم استدل المصنف، رحمه الله، بالآية، استدل بالآية على أنه يرى أن لفظ الناس يشمل الجن والإنس. قال: فظهر بهذا الإيضاح وجه دلالة الآية على المسألتين جميعاً: الأمر بها والخلق لها. الأمر بها يعني في نص الآية، والخلق لها أي بيان المقصود من خلق الجن والإنس. قال: فالأمر بها لازم لفظها، والخلق صريح لفظها. لازم لفظ الآية هو تحقيق العبادة لله جل وعلا، والخلق صريح لفظها، أي صريح الآية أن الله عز وجل ما خلق الجن والإنس إلا لعبادته سبحانه وتعالى. قال: وكون الناس مخلوقين للعبادة ومأمورين بها شيء مجمع عليه، لا ينكره أحد يدين لله بدين الإسلام. فالمسلمون كافة متفقون على أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله، وأنهم مأمورون بها، لكن يحصل الخلل من الجهل بفهم مفهوم العبادة، وما هي العبادة؟ ومتى يكون هذا العمل عبادة؟ ومتى لا يكون عبادة؟ هنا يحصل الخلل، فيقع من يقع من المسلمين في الشرك وعبادة غير الله جل وعلا. إلا فجميع المسلمين، يعني يعلمون أنهم ما خلقوا في هذه الدنيا إلا لعبادة الله جل وعلا وحده. إلى هنا صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.