عمارة المساجد

الخطبة بعنوان عمارة المساجد، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 3 ربيع الثاني 1444هـ الموافق 28 أكتوبر 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية عمارة المساجد في الإسلام

عمارة المساجد تعتبر من أعظم الأعمال في الإسلام وتشمل بنائها وتشييدها وعبادة الله فيها. تعتبر المساجد من الأماكن المقدسة التي يجب أن تبنى وتُعمر للتقرب إلى الله.

رسالة المساجد وتوحيد الله

المساجد بنيت لتوحيد الله وإقامة العبادة، ولا يجتمع فيها مسجد وقبر، وتقام فيها الصلاة والذكر وتلاوة القرآن. تعتبر المساجد مكانًا للعبادة والتعبد.

فضل الصلاة في المساجد وعمارتها بالطريقة الصحيحة

الصلاة في المساجد لها أجر عظيم، ودور المساجد يشمل تعليم العلم والتعليم، وعمارة المساجد تكون بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن فيها. يُشدد على أهمية الصلاة في المساجد.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاء للمسلمين بالغفران والصلاة على النبي محمد، وأمر للمصلين بالقيام إلى الصلاة، ويشمل الدعاء الأحياء والأموات من المسلمين والمؤمنين. يختتم بالصلاة على النبي ودعاء للمصلين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من أعظم الأعمال ومن أجل القربات والأفعال التي يتقرب بها العبد إلى ربه المتعال جل في علاه هي عمارة بيوت الله، إن عمارة المساجد لهي من الأعمال التي متى ما وفق إليها إنسان كان ذلك دلالة وأمارة على وصوله لدرجة الإيمان. قال ربنا جل في علاه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إن عمارة المساجد لهي في الحقيقة هي عمارةٌ للأرض جمعاء. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب البقاع إلى الله مساجدها»، فهي أماكن مباركة، أماكن معظمة مقدسة. وقد ذكر العلماء أن عمارة المساجد إنما تكون بأحد أمرين قد جاءت تنويه عليهما في كتاب ربنا، قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. فقول سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي برفع بنيانها وبتشييدها، وهذه هي العمارة الحسية، وفي قول سبحانه: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أي بذكر الله وتعبد الله فيها، وهي العمارة المعنوية. فمن وفِّق لأحد العمارتين فهو من عمار بيوت الله جل في علاه. أما العمارة الحسية، فكما مضى ذكره يكون بتأسيس المساجد وبرفعها وبنائها وتشييدها، وهذه من الأمور التي رغب فيها الإسلام جدًا. روى الإمام أحمد في مسنده عن رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصنع المساجد في دورنا». بل إن الشريعة الإسلامية لتولي لقضية بناء المساجد أولوية قبل بناء أي شيء. ولا أدل على ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام حين وصل إلى دار الهجرة إلى المدينة النبوية، فكان من أول فعله عليه الصلاة والسلام أن أمر ببناء مسجده قبل أن يبنى ويأمر ببناء بيته ومسكنه. هي بيوت الله سبحانه وتعالى ينبغي أن تشيد وأن تبنى. وإن الدين الحنيف رغب في دفع الناس إلى بناء بيوت الله، فقد وعد ربنا جل وعلا بالجزاء الجزيل والعطاء الكثير في حق من بنى المساجد، فرغب وندب وحث على ذلك. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى مسجدًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة». الجزاء من جنس العمل، فالله يجازي العباد بما يكون منهم من أعمال. فمن بنى لله بنى الله له، من بنى مسجدًا لله بنى الله له بيتًا في الجنة. وليس من شرط المساجد أن تكون في غايةٍ من الضخامة، وإنما حسبك يا عبد الله أن تبني مسجدًا يكون محلًا للتعبد والعبادة ولو صغر حجمه. قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى مسجدًا لله ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة». إن الله لا يضيع أجر العاملين، ولا شك ولا ريب أن أجر الإنسان يعظم على قدر بذله وما كان من عطائه. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وإن من فضائل بناء المساجد أن الشرع جعلها من الصدقات الباقية ومن الأجور المستمرة التي تبقى لصاحبه في حياته وبعد مماته. قال عليه الصلاة والسلام: «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد مماته... أو مسجدًا بناه». قال الإمام ابن بطال رحمه الله: «وأجر المسجد جارٍ لمن بنى في حياته وبعد ما مات ما دام يذكر الله فيه ويصلى فيه». الأجر باقٍ يا عبد الله، يبقى ببقائك في هذا الدار، بل وبعد تلكم الدار، حتى تلقى الله ما دام أن هذا المسجد يذكر الله فيه ويصلى فيه. إن هذا لهو العطاء العظيم والجزاء الكثير، لمثل ذلك فليتنافس المتنافسون. وإن العلماء قد ألحقوا في حكم من بنى المسجد من قام بترميمه أو بتشييده وتجديده أو من قام بتوسعته، فكل هؤلاء يدخلون في حكم من بنى المساجد لله. وهكذا يدخل في الباب من كان قد دخل بالاشتراك بأن يقوم عدة أشخاص بالمشاركة في بناء بيت لله، فإن الأجر يعمهم وإن الفضل يشملهم. فالله الله يا أرباب الأموال، باغتنام الأعمال والأعمار في بناء بيوت الله ولو توسعةً أو تجديدًا أو ترميمًا. أما العمارة الثانية من عمارة بيوت الله، وهي العمارة المعنوية، وهو بترك المسجد يقوم بأداء رسالته والقيام بمهامه التي من أجلها بني. وإن هذه العمارة المعنوية لا تقل أهميةً عن العمارة الحسية، بل هي أعظم شأنًا وأرفع مقامًا. فما الفائدة من بناء مسجد بأن يشاد بنيانه وتقام أركانه، لكنه لا يؤدي مهامه ولا يبلغ رسالته؟ أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا ما يتعلق بفضيلة عمارة المساجد، وأن عمارتها على نوعين اثنين: بعمارة حسية، وذلك بتشييدها والإقامة لبنيانها، وبعمارتها بما يكون عليها قوامها. والعمارة الثانية هي العمارة المعنوية، وذلك بترك المسجد يؤدي رسالته التي لأجله أمر الله جل وعلا ببنائه. ومن هنا علينا أن نعلم عباد الله أن من أعظم رسائل المسجد التي لأجله بني أنه إشارة ودلالة على وحدانية الله جل في علاه. قال سبحانه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فلا دعاء دعاء عبادة ولا طلب ولا عبادة لأحد إلا الله في بيوت الله. فالمساجد معلم من معالم وحدانيته سبحانه، ولهذا منعت منعا تاما بإقامة أي مظهر من مظاهر الشرك والكفر. ولما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم الأصنام حول المسجد الحرام قام بتنكيسها وأمر بتطهيره من هذه الأزلام ومن هذه الأوثان والأصنام. ومثله قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». لما كان إقامة المساجد على القبور وسيلة من وسائل الشرك، منع هذا المظهر وهذا الأمر. فالمساجد تقام على القبور، ولأن القبور تدخل في المساجد حصانة لوحدانية الله، وأن تقوم القلوب وتعلق بباريها. والأمر كما قال العلماء: لا يجتمع في دين الله مسجد وقبر. وإن من رسالة المسجد الذي من أجله بني أن يكون محلًا للعبادة والتعبد. كما قال سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. هي محل يدخل إليه العباد والزهاد وأهل التوبة والإنابة والاستقامة والاستجابة، الكل يتلذذ فيه في تعبده لربه. ذاك بقراءته للقرآن، وذاك بذكره لله آناء الليل وأطراف النهار، وذاك باعتكافه، وذاك بوتره وقيامه. وأعظم العبادات التي ينبغي أن تقام في بيوت الله الصلوات المكتوبة، الصلوات المفروضة التي محلها للرجال إنما تقام في بيوت الله. قال عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه بخمس وعشرين درجة». وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرج إلا للصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع الله له درجة وحط عنه خطيئة. وإذا دخل المسجد فهو في صلاة، فهو في صلاة ما انتظر الصلاة. فإذا صلى أحدكم فإن الملائكة تدعو له: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». إنها فضائل عظيمة أجراها ربنا في حق من أتى لبيوت الرحمن في أداء الصلوات المكتوبة. ولهذا كان القول الصحيح في صلاة الجماعة في المساجد أنها واجبة، ينبغي على الناس من ذكورهم أن يأتوا من كل فج عميق ليحضروا صلاة المسلمين فيؤدوها في بيوت الله حيث أمر الله بها. واعلم يا عبد الله أن أجرك يعظم عند الله بمقدار مجيئك إلى بيت من بيوت الله. قال عليه الصلاة والسلام: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح». نزلا، مأدبة وضيافة ومكرمة أعدها الله لك على كل ذهاب وقدوم إلى بيت من بيوت الله. فاحرص يا عبد الله في أن يكون من صميم تعبدك لله كثرة الإتيان إلى بيوت الرحمن. وأيضا من رسالة المسجد التي لأجله بني أن يكون منارة للعلم والتعليم وللنصيحة والترشيد. فهي منارة في تنوير المسلمين الصغير والكبير والذكر والأنثى والغني والفقير والعظيم والحقير. في هذه المساجد تقام الكلمات النافعة والدروس الخاصة والعامة، بها يعلم القرآن وسائر أحكام الدين من شريعة وعقيدة وأحكام. قال عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». فضائل عظيمة حباها الله لمن كرس من وقته في أن يأتي إلى بيت من بيوت الله لتلقي العلم. قال عليه الصلاة والسلام: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرا أو يعلمه الناس كان كأجر حاج تامٍ من حجته». هذه هي رسائل المسجد لأهله ولأهل الإسلام قاطبة. فينبغي يا عبد الله أن تكون عظيم التعلق بالمساجد، فإن ذلك من أعظم المنازل ومن أبرك المحال. قال عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ورجل قلبه معلق بالمساجد». لعظيم تعلقه بالله رفع الله قدره وأعلى شأنه وظله بظله يوم لا ظل إلا ظله. وليس من عمارة المساجد يا عبد الله أن تكون هاجرا لبيوت الله كحال من لا يعرف المساجد إلا في رمضان، وما بعد رمضان لا هو يعرف المسجد ولا المسجد يعرفه. وليس من عمارة المساجد ما يكون من دخولك إليه يوم الجمعة فقط، وبعد الجمعة لا أنت تعرف المسجد ولا تعرف أهله ولا رواده. كن يا عبد الله عظيم التعلق ببيوت الله جل وعلا، فكن عامرا من عمارها، فإن عمار المساجد هم أهل الله وخاصته. قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله ينادي يوم القيامة: أين جيراني؟ أين جيراني؟ فيقول الله: أين عمار المساجد؟». فكن يا عبد الله عامرا لبيوت الله عمارة حسية، عمارة معنوية بالتعبد فيه. وليس من عمارة المساجد يا عبد الله أن تقام بالبدع والحوادث، بالضرب بالطبول وتحريك الرؤوس. وليس من عمارة المساجد إقامة السمر والسهر فيه أو بالقيل والقال وكثرة الكلام. وليس من عمارة المساجد أن تجعلها محلا للطلبة وللسؤال، فإن ذلك مما منعه العلماء. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.