فضل الإسلام

الخطبة بعنوان فضل الإسلام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 1 جمادى الأول 1444هـ الموافق 25 نوفمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في فضائل الإسلام ومزاياه

يُعد الإسلام نعمة عظمى وفضلا من الله، ويتميز بمزايا فريدة تجعله صالحًا لكل زمان ومكان. يتسم باليسر والتيسير ووضوح معالمه.

فضل الإسلام على أهله وفي الآخرة

الإسلام جاء بتنظيم شامل لجوانب الحياة، واعتناقه سبب لمضاعفة الأجور ومحو السيئات. أهله يحظون بالإكرام في الآخرة ويكونون من أوائل من يدخل الجنة.

أهمية التمسك بالإسلام والاكتفاء به

يُبين أهمية الإسلام وفضله على أهله، ويحث على التمسك به والاعتزاز به. كما يشير إلى الاكتفاء بالإسلام وعدم الحاجة إلى دين غيره.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ففي يوم الجمعة من يوم عرفة في حجة الوداع، في تلكم الأزمان الشريفة، وفي الأماكن المنيفة، أنزل الله جل وعلا على رسوله وحيًا من السماء بآية هي تُعتبر من أعظم آي القرآن، وهي قوله جل في علاه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. نعم، إنه الإسلام، هي النعمة العظمى والمنة الكبرى، نعمة خصنا الله جل وعلا بها لا بحولنا ولا بقوتنا ولا بحسبنا ولا نسبنا، وإنما هو محض فضل من ربنا، اجتبانا الله على هذا الدين القويم وعلى هذا الصراط المستقيم من بين الخلائق أجمعين. هذا الدين الذي خصه الله بمزايا عديدة وفضائل عظيمة لا تعد ولا تحصى ولا تستنفذ ولا تستقصى، فضائل تكون في الإسلام في نفسه، وتارة من فضائل الإسلام على أهله وحملته، وتارة في فضائل الإسلام على غيره ممن لم يعتنق هذا الدين. فأما فضائل الإسلام في نفسه، فهو بما تمتع به من مزايا وخصائص لم تكن في الأديان التي خلت ولم توجد في الرسالات التي مضت، فهذا الدين هو صالح لكل زمان ومكان، فهو الذي يتلاءم مع فطرة كل إنسان أينما وجد وحيثما كان. هذا الدين الذي لا يقبل التغيير ولا التبديل ولا التصحيف ولا التحريف، فهو منذ أن شرعه الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هذا الدين القائم على اليسر والتيسير وعلى نفي الحرج والضيق والتعسير، ما جعل عليكم في الدين من حرج. هذا الدين الذي يتمتع بوضوح معالمه وسهولة معتقداته، يفهمه الصغير والكبير والذكر والأنثى والعالم والجاهل، فلا تعقيد في أحكامه ولا تعجيز عن فهمه وإدراكه، تمتع هذا الدين في نفسه من الخصائص العديدة ما لا يسع المقام إلى ذكرها. وأما من فضائل الإسلام على أهله، فهو حاصل لهم في الدين والدنيا والآخرة، فمن فضيلة الإسلام على أهله في باب الدنيا، فالإسلام قد نظم حياتهم وهيأ أمورهم في كل شأن من شؤونهم، في مأكلهم ومشربهم، في مدخلهم ومخرجهم، وفي ملبسهم وفي نومهم، وفي أفراحهم وفي أحزانهم، بل حتى في قضاء حوائجهم، جاء الإسلام بأدب الخلاء والحمام. فيا سبحان الله، جاء الإسلام في كيفية التعامل مع غيرنا، في تعاملنا مع الأنام، في التعامل مع الوالدين والأزواج والأقارب والأرحام، وفي التعامل مع الأصحاب والأولاد والجيران، بل حتى في تعاملنا مع الحيوان، جاء الإسلام وشرع لنا ما يعود إلى صحة أجسادنا وأبداننا، وإلى كيفية النماء لأموالنا وأرزاقنا، وإلى وضع السياسة الشرعية في تعاملنا مع غيرنا. فما ترك لنا الإسلام شيئًا من شؤون دنيانا إلا وهذبه وشرعه لنا وأمر به، وإن جئت يا عبد الله إلى معرفة فضل الإسلام على أهله في باب الدين، فحسبك أن تعرف أن ما يعترينا من أمراض وأسقام، ومن ضيق وأوجاع وآلام، وما ينتابنا من هموم وغموم وأحزان، فإن هذا كله معدود لنا من الحسنات العظام. بل إنه من شاب شيبة في الإسلام فإنها تكون حسنة ونورًا يوم القيامة، كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام، إذا كان هذا لنا من غير عمل ولا كسب منا، فما ظنك بما يحتاج إلى جد وكد واجتهاد من طاعات وعبادات، ومن نوافل وقربات، فإن الله جل وعلا بها يضاعف لنا من الأجور والحسنات، ويمحو عنا الكثير من الذنوب والسيئات، ويرفع لنا المقامات والدرجات. قال عليه الصلاة والسلام: «إنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الغدوة إلى منتصف النهار على قيرات فعملت اليهود، ثم قال: فمن يعمل لي من منتصف النهار إلى صلاة العصر على قيرات فعملت النصارى، ثم قال: فمن يعمل لي من بعد صلاة العصر إلى المغرب على قيرات، فأنتم الذين تعملون، ضعف لكم في الأجر، فغضبت اليهود والنصارى، قالوا: عملنا كثيرًا وعقينا قليلًا، قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء». نعم، إنه فضل الإسلام، جعله الله جل وعلا لمن اعتنقه من الأنام، وإن جئت يا عبد الله إلى فضيلة الإسلام على أهله في الآخرة، فإن لهم الحفاوة والإكرام والإجلال والإعظام، لما كان من اعتناقهم لدين الإسلام، فهم من أول من يحاسب يوم القيامة، والناس من بعدهم تبع، وهم أول من يمر على الصراط، والناس من خلفهم تبع، وهم أول من يدخل الجنة، والأمم والملل والأديان من خلفهم تبع. نحن الآخرون السابقون، والأولون يوم القيامة، ونحن أكثر السكان من سكان أهل الجنة، فلا أحد يوازيهم ولا أحد يدانيهم، إنه فضل الإسلام على أهله. وإن جئت يا عبد الله إلى معرفة فضل الإسلام على غيره ممن لم يعتنق هذا الدين من المغضوب عليهم والضالين، فلو أن الكافر أنصف نفسه لعلم أن للإسلام فضل عليه عظيم، ففي شريعتنا لا غدر ولا خيانة لهم، ولا استيلاء على أموالهم، ولا الهدر والسفك لدمائهم، كحال المستأمنين والذميين والمعاهدين. قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل معاهدًا لم يجد رائحة الجنة»، وما تمتع الكافر بنعمة الأمن والأمان والعدالة والنزاهة والازدهار إلا لما كان تحت حكم الإسلام، فلما كانوا تحت حكم بني جنسهم من الأكاسرة والقياصرة، ذاقوهم الظلم والاستبداد والعنت والنكال. فما شعروا بالراحة إلا تحت ظل حكم الإسلام، وسل التاريخ ينبيك عن هذا بيقين، فإن الإسلام له فضل على الكفار. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم، الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا شيئًا مما يتعلق بفضائل الإسلام، سواء كان من فضائله في نفسه من خلال مزاياه وخصائصه، أو ما كان من فضائل الإسلام على أهله في الدين والدنيا والآخرة، أو ما كان في فضائل الإسلام على غيره ممن لم يعتنقه. وإنه من خلال ذلك سيتعرف إخواني في الله عباد الله على عظيم نعمة الإسلام، وأن الله جل وعلا قد أتمها علينا اليوم: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، فما هناك نعمة توازي ولا تداني نعمة الإسلام. فوالله لو سلبت منك سائر النعم، فجعلك الله فقيرًا معدمًا، أو مريضًا مقعدًا، أو طريدًا شريدًا مبعدًا، إلا أن الله حباك بالإسلام، فاحمد الله ليل نهار، صباح مساء، فإنها من أجل النعم ومن أعظم المِنن. فما هناك نعمة وأعظمها ولا تساويها، ومن هنا وجب على كل مسلم ومسلمة أن يستمسك بهذا الصراط المستقيم وبهذا الدين القويم، وأن يعتصم عليه بالنواجذ حتى يلقى رب العالمين، فقد كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «يا ولي الإسلام وأهله، مسكني به حتى ألقاك»، وفي رواية: «ثبتني عليه حتى ألقاك»، الثبات الثبات على هذا الدين. بل إنه مما أمر به رب العالمين: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، حذاري يا عبد الله من أن تتنازل عن دينك، فإن فعلت فقد خسرت دينك ودنياك وأولاك وأخراك. قال ربنا جل في علاه: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾، نسأل الله السلامة والعافية. كحال من يرتد من أمتنا ومن أبناء جلدتنا، يرتد عن الدين لأجل حطام من حطام الدنيا قليل، وأيضًا مما ينبغي علينا إزاء فضائل الإسلام أن نشعر بالافتخار والاعتزاز، ارفع رأسك يا عبد الله، فنحن قوم أعزنا الله جل وعلا بهذا الإسلام، أعزنا الله بهذا الدين، عزنا، مجدنا به، نرفع هامات رؤوسنا. إنما يكون بما يكون من تمسكنا بديننا واستمساكنا بإسلامنا، عقيدة وشريعة، قولًا وفعلًا، علمًا وحالًا، قال سبحانه: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾. قلها يا عبد الله واجعلها مدوية، فليشهد الثقلان أني مسلم، لا عار ولا شنار، فما نحن بحاجة إلى نظام شرقي ولا غربي، ولا إلى دين سماوي كتابي لكي نقتبس منه علمًا أو نستفيد منه عملًا أو نصلح به حالًا. لسنا بحاجة، وعندما رأى نبينا صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه ومعه صحيفة من التوراة، غضب عليه الصلاة والسلام فقال: «أمتهوكون أنتم؟ فوالذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي». إذا كان هذا في حق موسى، فما ظنك بمن هو دونه، فنحن لسنا بحاجة إلى دين غيرنا، بل إن غيرنا هم بحاجة إلينا، لأننا بحاجة إليهم، وإن كان الكفار يزعمون أنهم سيوصلون لنا ما فيه إصلاح لنا، فقل لهم: قوموا بإصلاح أنفسكم وأحوالكم أولًا. ﴿إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾، أقول قولي هذا وأسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الله مغفرة للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله. شكرًا.