الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 72، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول أهمية علم الحديث ودور الجرح والتعديل في حماية السنة النبوية. يبرز موقف الإمام ابن معين من بعض الرواة ويوضح أن كلام أئمة الجرح والتعديل ليس بغيبة بل من باب النصيحة لدين الله.
يفسر حديث النبي مع رجل أعمى سأله عن الصلاة في البيت، ويبين أن هذا الحديث يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين. يشرح كيف رخص النبي للرجل في البداية ثم أمره بالذهاب إلى المسجد بعد سؤاله عن سماع النداء.
يشرح حديثا يدل على وجوب صلاة الجماعة لمن سمع النداء، ويوضح الشروط والاستثناءات لهذا الحكم. يبين أن من لم يسمع النداء أو كان له عذر شرعي فلا يجب عليه حضور الجماعة.
يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع صلاة الجماعة، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني، نعم قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، أبو رجاء البغلاني، قال: وإسحاق بن إبراهيم، وهو أبو يعقوب، أبو يعقوب، من من إسحاق بن إبراهيم، أبو راهويه، المشهور بابن راهويه، نعم إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أبو يعقوب، المشهور بابن راهويه، نعم، كان من الحفاظ المتقنين، وهو إمام، لقبه الإمام أحمد رحمه الله بأنه إمام من أئمة المسلمين، ولقب أيضا بأمير المؤمنين. وسئل الإمام أحمد عنه، فقال: لما قيل له، أو سئل -يعني- عن إسحاق بن راهويه، قال: إسحاق عندنا إمام، إسحاق عندنا إمام. قال: وسويد بن سعيد، وهو أبو محمد الهروي، أبو محمد الهروي، قال فيه الحافظ في التقريب: صدوق في نفسه، إلا أنه عمي، فكان يتلقى ما ليس من حديثه، فخلط، فخلط في الحديث. وأفحش فيه ابن معين القول، الإمام ابن معين أفحش القول في سويد، وشدد فيه. ذكر له أبو زرعة حديث سويد الذي رواه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من قال برأيه في القرآن فاقتلوه». فقال ابن معين: سويد يبدأ به فيقتل. قال ابن معين: لما ذكر أبو زرعة هذا الحديث من طريق سويد: «من قال برأيه في القرآن فاقتلوه»، فقال ابن معين: سويد يبدأ به فيقتل، يقول: هو أولا يحتاج أن يقتل؛ لأنه كأنه يقول: أتى بهذا الحديث من رأيه. وأيضا روى حديث: «من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا»، هذا من طريق سويد: «من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا». فقال ابن معين رحمه الله: لو كان لي سيف ورمح لغزوت سويدا؛ لأنه روى هذه المناكير. وابن معين -كما تعلمون- إمام من أئمة الجرح والتعديل، وله كلام رحمه الله كثير في الرواة. نعم، وهذا الكلام كلامه، وكلامه غيره من أئمة أهل الجرح والتعديل، هو من باب النصيحة، لا من باب الغيبة والتشهي في الكلام في أعراض الناس، وإنما هو دفاعا عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وحفاظا لدين الله جل وعلا، وكذلك أيضا دفعا لما قد يفعله أهل الباطل من إدخال أحاديث تنسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ليست من قوله عليه الصلاة والسلام. فقول القائل: أرى الخير في الدنيا يقل كثيره وينقص جدا، والحديث يزيد، فلو كان خيرا كان كالخير كله، ولكن شيطان الحديث مريد. ولابن معين في الرجال مقالة سيسأل عنها، والمليك شهيد، فإن يك صدقا فهو في الحكم غيبة، وإن يك كذبا فالعقاب شديد. هذا حقه باطل، باطل، باطل، بلا شك. نعم، هذا الكلام باطل، فعلم الحديث لا شك أنه من الخير، وهو من العلوم الشرعية التي يؤجر عليها الإنسان في دراستها، وفي تعليمها، وفي حفظها، هي من أشرف العلوم، علم الحديث من أشرف العلوم. كما قال من قال من السلف: لا يحبه إلا رجال، ولا يبغضه إلا مخنثون. نعم، أهل الحديث هم أهل النبي، وإن لم يصحبه، أنفس أصحابه. وأما كلام ابن معين رحمه الله في الرجال -كما سمعناه- من باب النصيحة، وليس هو من باب الغيبة، كما يقول هذا القائل: إن يكون صدقا فهو في الحكم غيبة -يعني إن كان ما يقوله حقا والصدق فهو غيبة- وإن كان كذبا فهو أشد. نعم، هذا كلام باطل، بل هو من باب النصيحة، حماية لدين الله جل وعلا. كان يحيى بن سعيد القطان رحمه الله يقول: لأن يكون الناس خصمي يوم القيامة أحب إلي من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمي، يقول: لما لم تذب عن سنتي. والإمام يحيى بن سعيد القطان أيضا من أئمة الجرح والتعديل، يعني في كلامي في الرجال، يقول: لأن يأتي هذا الذي أتكلم فيه دفاعا عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لو يأتي يخاصمني يوم القيامة، هذا أحب إلي من أن يكون خصمي النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: لما لم تذب عن سنتي، لما لم تدافع، لما لم تبين ما عليه أهل الباطل، وهكذا أيضا ما عليه الضعفاء والمتركون. فهكذا كان شأن أهل الحديث، علماء الحديث، يتكلمون تدينا، لا مثل بعض الأغمار في هذه الأزمان، الذين سلوا ألسنتهم في أهل العلم بالقدح والطعن والثلب والتجريح، تشفيا، لا تدينا، يطعنون في من؟ في علماء أهل السنة وعلماء أهل الحديث، ويزعمون أن ذلك جرحا وتعديلا، وأنه من باب النصيحة، وهو في الحقيقة غيبة وفضيحة، نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. قال: ويعقوب الدورقي، نعم، أبو يوسف، وهو أبو يوسف البغدادي، هو ثقة، وأيضا كان من الحفاظ. قال كلهم عن مروان الفزاري، وهو أبو عبد الله الفزاري الدمشقي، وهو مروان بن معاوية، وهو ابن عم أبي إسحاق الفزاري. قال: قال قتيبة: حدثنا الفزاري. ما اسم الفزاري؟ ها، ما اسم الفزاري؟ عند من؟ ما اسم الفزاري؟ ها، الذين في الخلف، ها، يوسف، ما اسم الفزاري؟ ها، من أبو عبد الله هذا؟ كنيته، ما اسمه؟ ها، اسمه مروان. نعم، اسمه مروان، مرة معنا قبل قليل الذي قبله، نعم، مروان الفزاري. قال: عن عبيد الله بن الأصم، عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، قال: حدثنا يزيد بن الأصم، يزيد بن الأصم، والأصم هذا قيل: اسمه عمر، وقيل غير ذلك. وهب، أبو عوف الكوفي، قيل له: صحبة، والصحيح أنه ليس له صحبة، ذكر في حديث أنه كان مع خالته ميمونة -ميمونة من تلحارث، زوج النبي عليه الصلاة والسلام خالته- وجاء في حديث أنه كان عند خالته ميمونة، ودخل النبي عليه الصلاة والسلام عندها، فقالت: انظر إلى هذا الغلام. والحديث منكر، لا يصح، بعضهم اعتمد هذه الرواية على أن له صحبة، والصحيح أنه ليس له صحبة، هو تابعي. نعم، روى عن أبي هريرة، وابن عباس، وليس له صحبة، وهو ثقة. قال: عن أبي هريرة -وهو على الأشهر عبد الرحمن بن الصخر الدوسي، حافظ الصحابة- قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب. هذا الحديث: أن النبي عليه الصلاة والسلام أتاه رجل أعمى -وهو ابن أم مكتوم كما جاء في روايات أخرى- فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد -يعني ما عنده من يأخذ بيدي ويذهب بي إلى المسجد، وأنا رجل أعمى لا أبصر- فيريد أن يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي في بيته، فرخص له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر، فرخص له، فلما ولّى -أي رد أن يذهب- دعاه، فقال: هل تسمع النداء -يعني الأذان، النداء إلى الصلاة- قال: نعم، قال: فأجب -يعني لم يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته-. فهذا الحديث فيه دليل كذلك على أن صلاة الجماعة فرض عين، وذلك أنه لو كانت فرض كفاية أو سنة مؤكدة، قد حصل المقصود بمن حضر، وهذا رجل أعمى لا يبصر، وليس عنده قائد يقوده ويذهب به إلى المسجد، ومع ذلك لم يرخص له النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته. ولو لم تكن -لو لم تكن فرض كفاية، لو لم تكن فرض عين- لن خص له، لو كانت فرض كفاية، لأذن له أن يصلي في بيته؛ لأن الكفاية حصلت بمن حضر. إذن هذا جليل كذلك من أدلة من قال بأن صلاة الجماعة فرض عين. وفي هذا الحديث وجوب صلاة الجماعة على من سمع النداء، من سمع الأذان، والمراد بالأذان هنا، أو النداء، أي بالصوت الطبيعي، إذا أذن المؤذن بصوته الطبيعي من مكان مرتفع، فمن سمع نداءه وجب عليه حضور الصلاة، إن لم يكن له عذر شرعي في التخلف. قال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب، ما لك عذر؟ هذا منطوق الحديث، مفهومه أنه إذا لم يسمع النداء فلا يجيب؛ لأنه لم يسمع المنادي حتى يجب عليه أن يجيبه، فيكون معذورا إذا كان إنسان في مكان بعيد لا يسمع النداء، لا تجب عليه صلاة الجماعة. وأما إن كان يسمع النداء، وهو متعافى، ما عنده مرض، ولا عنده عذر من سفر أو خوف أو غير ذلك من الأعذار، وجب عليه أن يجيب أن يجيب المنادي، وأن يذهب إلى المسجد ويصلي مع جماعة المسلمين. كذلك أيضا فيه: أن من كان أعمى، وليس له قائد يقوده، لكن يستطيع أن يذهب إلى المسجد من غير أن يخاف على نفسه الضرر، أو كذلك حصول شيء من التلف، فهنا يجب عليه أن يذهب، أن يخرج ويذهب إلى المسجد. وأما إن كان لا يأمن على نفسه، كان يكون بينه وبين المسجد واد فيه سباع أو هوام أو أشياء يخاف على نفسه منها الضرر، وليس له قائد يقوده، فهذا له عذر أن يصلي في بيته. وعلى هذا يحمل حديث عتبان بن مالك في الصحيح، لما طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي إلى بيته فيصلي في موضع يتخذه مصلى، وكان أعمى، وكان أعمى، وليس له قائد يقوده، وبينه وبين المسجد واد وسباع، فأذن له النبي عليه الصلاة والسلام بالتخلف، وأن يصلي في بيته. إذن الفرق أن عتبان بن مالك بينه وبين الوادي وبينه وبين المسجد ما يخاف على نفسه منه الضرر، فأذن له نبي صلى الله عليه وسلم بالتخلف. وأما ابن أم مكتوم لم يكن بينه وبين المسجد ما يخاف على نفسه من الضرر، فلم يأذن له النبي عليه الصلاة والسلام بالتخلف. وبهذا كذلك أيضا نعلم أنه ليس كل مشقة تجلب التيسير، ليس كل مشقة تجلب التيسير. وإن كان هذا، والأصل للقاعدة الشرعية أن المشقة تجلب التيسير، لكن قد تكون هناك مشقة يحتملها المكلف، ولا يشق عليه فعل ما أمر به من الأمر، فإنه يأتي بهذا الواجب. مثل حال هذا الأعمى، لا شك أن خروجه إلى المسجد بلا قائد في شيء من المشقة، لكن مع ذلك لم يخفف عنه، ولم يؤذن بالتخلف عن صلاة الجماعة؛ لأن هذه مشقة محتملة، يستطيع أن يتحملها، وليس عليه شيء من الضرر في ذهابه إلى المسجد؛ إذ أنه ليس هناك شيء يخاف عليه على نفسه في طريقه إلى المسجد. إذن علمنا من هذا أن هناك من المشقة ما لا تجلب التيسير. وهكذا أيضا نستفيد من هذا الحديث وجوب صلاة الجماعة على من كان معافى، إذا كان هذا أعمى -هو لا يبصر- لم يأذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالتخلف عن صلاة الجماعة، فكيف بالصحيح المتعافي الذي يبصر ويسمع ويتحرك، ليس عنده مرض ولا سقم، ثم يسمع النداء فلا يجيب ولا يبالي؟ لا شك أن من ترك صلاة الجماعة من غير عذر أنه آثم، وتارك لواجب من الواجبات المتحتم عليه في كل يوم وليلة في صلاة الجماعة في بيوت الله. فدل هذا الحديث -كما سمعنا- على وجوب صلاة الجماعة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.