كتاب المساجد ومواضع الصلاة 73

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 73

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 73، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل تعليم العلم في المساجد وتاريخه

يبرز أهمية تعليم العلم في المساجد كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون، ويشير إلى استمرار هذه السنة إلى يومنا هذا. يُظهر المقطع البركة والأجر العظيم في تعليم العلم في بيوت الله مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

أهمية المحافظة على الصلاة في جماعة

يُشدد على أهمية أداء الصلاة في جماعة داخل المساجد كدلالة على الإيمان وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويحذر من التهاون في أداء الصلاة في المساجد. يشير إلى أن التخلف عنها قد يكون علامة على النفاق.

أحكام وفضل صلاة الجماعة

يُبين أن صلاة الجماعة واجبة على كل مسلم، وأن التخلف عنها بغير عذر يعتبر نفاقًا، ويحذر من ذلك مستندًا إلى تحذير النبي صلى الله عليه وسلم. يشير إلى الأجر العظيم لمن يحرص على صلاة الجماعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم. له أخوان، هما عثمان بن أبي شيبة والقاسم بن أبي شيبة. عثمان ثقة، مما أخرج له البخاري ومسلم، أما القاسم ففيه ضعف. قال: حدثنا محمد بن بشر العبدي، وهو أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ. قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، واسمه ها كن، يروى عن أبي يحيى الهمداني الكوفي. قال: حدثنا عبد الملك بن عمير، وهو ابن ابن سويد، أبو عمر، ويقال أبو عمر القرشي. في حديثه اضطراب، كما قال الإمام أحمد وأبو داود، وهو هنا في الشواهد. الإمام مسلم أخرج له في الشواهد. قال: عن أبي الأحوص، وهو عوف بن مالك بن نظلة، وهو ثقة. قال: أدركت الناس ولا يعرفون إلا المساجد -يعني في طلب العلم والافتقار في الدين- لا يعرفون إلا المساجد. كانوا يعتنون بإحياء بيوت الله جل وعلا بالعلم، بتحفيظ القرآن وتدريس الحديث. وهذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم -يعني مجالس العلم والتحديث- في المسجد. وتخرج الصحابة رضوان الله عليهم من مجالس النبي صلى الله عليه وسلم فصاروا علماء ودعاة ومعلمين. وهكذا فعل الصحابة رضي الله عنهم بعد النبي عليه الصلاة والسلام، فكانوا يعلمون العلم في بيوت الله. كانوا يعلمون العلم في بيوت الله. وهكذا التابعون وأتباع التابعين، ولا زالت هذه السنة باقية بحمد الله إلى يومنا هذا. فلا زال أهل العلم يحرصون على تدريس العلم في بيوت الله. فإن في بث العلم في بيوت الله بركة، فيها بركة وخير عظيم، مع ما في ذلك من الأجر العظيم. فتعليم العلم في بيوت الله، ومن إحياء بيوت الله بذكره. والله عز وجل يقول: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. فهذه من إعمار بيوت الله، إحياء المساجد بالعلم وبثه، هذا من إعمار بيوت الله بذكره. فذكر الله عز وجل يشمَل الصلاة وقراءة القرآن، وهكذا أيضًا العلم، بث العلم ونشر العلم من ذكر الله جل وعلا. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، وَعَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا». أي أن الدنيا مطرودة مذمومة، لا قيمة لها ولا منزلة، إلا ذكر الله وما والاه، أي ما كان من ذكر الله من شِيَع الطاعات والعبادات والقربات. ويدخل في ذلك العلم، ثم خص العلم لزيادة شرف وفضل، إلا عالِمًا أو متعلمًا، عالِمًا يعلم الناس أو متعلمًا يتعلم العلم ويجالس أهل العلم. قال: عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله -وهو عبد الله بن مسعود، أبو عبد الرحمن الهذلي، صحابي جليل من السابقين في الإسلام، شهد بدرًا وسائر المشاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من علماء الصحابة- كان يقول: لو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لرحلت إليه. وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكَ غُلَامٌ مُعَلَّمٌ». وهذا في صغره. وهكذا أيضًا كان من أشبه الناس هديًا وسمتًا بالنبي صلى الله عليه وسلم. قال: قال عبد الله: لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق قد علم نفاقه أو مريض. إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة. وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا الفضل بن دكين -أبو نعيم- عن أبي العميس، عن علي بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن. فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى. ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحط عنه بها سيئة. ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف. هذا الحديث حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه يحث على المحافظة على الصلاة في جماعة في بيوت الله، وأن المحافظة عليها من دلائل الإيمان. كما سمعنا في الآيات السابقة: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. وهكذا الآية الأخرى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فلزوم العبد لبيوت الله جل وعلا لأداء الصلاة هذا من دلائل إيمانه. وجاء في الحديث: «من رأيتم يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان». وهذا حديث ضعيف، لكن معناه صحيح. وهذا معنى قوله: «من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بها». أين ينادى بها؟ في المساجد. ينادى بها في المساجد. يعني من أراد أن يلقى الله وهو مسلم حقًا، حق الإسلام والإيمان، فعليه أن يحافظ على هذه الصلوات في بيوت الله حيث ينادى بها. وإن المحافظة على الصلوات في جماعة في بيوت الله هذه من سنة النبي عليه الصلاة والسلام وطريقته ودينه. وهذا معنى قوله: «إن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى». يعني من طرائق الهداية والرشاد أن تؤدى الصلاة في بيوت الله. وليس معنى أنها من سنن الهدى أنها مستحبة، فإن سنة النبي عليه الصلاة والسلام منها ما هي مستحبة، ومنها ما هي واجبة. منها ما هي واجبة. فما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام هو من سنته، لكنها تكون واجبة إذا لم تدل قرينة أخرى على أن المراد بها الاستحباب، فيصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. وإلا الأصل كما هو مقرر في الأصول أن الأمر للوجوب. أن الأمر للوجوب. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بأداء صلاة الجماعة، بأداء الصلاة في جماعة في بيوت الله، فهي من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أي من دينه وطريقته وهديه، وهو من الواجبات على الصحيح. والفرائض التي تجب على كل مسلم بعينه. ولهذا نبه رضي الله عنه أن من ترك صلاة الجماعة من غير عذر وصلى في بيته، أنه قد ضل ووقع في الضلال؛ لأنه ترك واجبًا من الواجبات. ترك واجبًا من الواجبات. ثم بين رضي الله عنه أنه لا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا من كان منافقًا. كان منافقًا. كانوا يعلمون، يعرفون المنافق بتخلفه عن صلاة الجماعة، وخاصة صلاة الفجر وصلاة العشاء. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء». كانوا إذا صلوا الفجر يلتفتون، فمن رأوه متخلفًا اتهموه بالنفاق. لو كان صلاة الجماعة سنة أو فرض كفاية لم يتهموا من تخلف بالنفاق؛ لأن من ترك فرض الكفاية أو ترك السنة المؤكدة لا يعد منافقًا. لا يعد منافقًا. هذا دليل من الأدلة السابقة على أن صلاة الجماعة فرض عين، وليست فرض كفاية. وهكذا أيضًا كما ذكرنا أن شهود الصلاة في جماعة هو من دلائل الإيمان. ولهذا من تخلف من غير عذر اتهم بالنفاق. والمنافق لا شك أنه ضعيف الإيمان، ضعيف الإيمان. وربما أظهر الإسلام في الظاهر وأبطن الكفر في الباطن، وهو المنافق الاعتقادي. فيظهر عليه صفات أهل النفاق في أقواله وأفعاله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَعْرِفَنَّهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾. وهكذا قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. إذن الكسل عن أداء صلاة الجماعة والقيام إلى الصلاة هذا من صفات المنافقين. هذا من صفات المنافقين. وفي المسند يقول هنا: «وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق». يعني يعلم أن هذا منافق. هذا الذي يتخلف عن صلاة الجماعة ما يصلي في جماعة إلا لأنه منافق، فيتهم بهذا، يتهم أنه منافق. ثم ذكر رضي الله عنه أن من حرص الصحابة رضوان الله عليهم على حضور صلاة الجماعة أن الرجل يكون مريضًا، والمريض معذور له أن يصلي في بيته، له أن يصلي في بيته. ومع ذلك لحرصه ومحبته للخير ولهذه الطاعة والعبادة يحرص أن يخرج ويصلي مع جماعة المسلمين، فيهادى به بين الرجلين، يحمل يأتي رجل يحمله، الآخر من الشمال، ربما على أكتافهم، حتى يذهبون به إلى المسجد ويصلي مع الناس. يهادى به بين الرجلين حتى يقام في الصف. حرص على أداء الصلاة في جماعة، هذا من دلائل الإيمان ومحبة الخير. وذكر رضي الله عنه ذلك شيئًا من فضل الذهاب إلى صلاة الجماعة، وأنها مكفرة للذنوب. من تطهر -يعني فأحسن الطهور- أي أحسن الوضوء، واصل أعضاء الوضوء. ثم خرج إلى المسجد لأداء الصلاة، كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ورفع بها درجة، وحط عنه بها سيئة. انظر إلى هذا الأجر العظيم. كل خطوة حسنة، يعني لو بينك وبين المسجد مئة خطوة، مئة حسنة. ألف خطوة، ألف حسنة تكتب لك، وترفع لك ألف درجة، وتحط عنك ألف سيئة. هذا في الفريضة الواحدة. يعني في الخمس الفرائض، خمس آلاف حسنة، وخمس آلاف درجة، وخمس آلاف سيئة تحط عنك. إذا كان أبعد من ذلك أكثر، أجر عظيم. وهذا وإن كان من قول ابن مسعود، لكن لا حكم للرافع؛ لأنه ثبت من قول النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث أخرى، يرويه أبو هريرة في الصحيحين وغيره. فهذا أجر عظيم يدل على فضل أداء الصلاة في جماعة. فيحرص المسلم على أداء صلاة الجماعة في بيوت الله جل وعلا، وأن لا يتخلف إلا لعذر من نوم، من غير قصد التخلف، أو مرض أو سفر أو نحو ذلك من الأعذار.