كتاب المساجد ومواضع الصلاة 74

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 74

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 74، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر، ويرى أكثر أهل العلم أن هذا الفعل مكروه. يشرح المقطع حكم الخروج بعد الأذان مبينا أن الخروج لعذر جائز.

حكم الخروج بعد الأذان وأهمية الصبر

يتناول هذا الفصل حكم الخروج من المسجد بعد الأذان، ويبين أن الخروج لعذر جائز بينما الخروج بدون عذر مكروه عند أكثر أهل العلم. كما يشدد على أهمية الصبر في أداء الطاعات وتحمل مشاقها.

أهمية الصبر في الطاعات وطلب العلم

يؤكد هذا الفصل على أهمية الصبر في بر الوالدين وطلب العلم وتحمل مشاق الطاعات وترك المعاصي. كما يشير إلى ضرورة مجاهدة النفس لتحقيق المقامات العالية عند الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، أن إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، حدثهم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو الأحوص، واسمه عوف بن مالك، أبو الأحوص سلام بن مالك، عن إبراهيم بن المهاجر، أبو إسحاق البجلي الكوفي، تكلم فيه ابن معين، ضعفه، والنسائي، يوم القطان، قال: ليس بالقوي. ولما، محمد -يعني ابن سيرين- يقول: لا بأس به. لهذا قال الحافظ في التقريب: صدوق، لين الحفظ، وهو هنا في الشواهد، فروايته هنا عن أبي الشعثاء قد تابعه أشعث بن أبي الشعثاء في السند الذي بعده، قال: عن أبي الشعثاء، وهو السليم بن أشود بن حنظلة المحاربي، قال: كنا قعودا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. قال: لو حدثنا ابن أبي عمر المكي، وهو محمد بن يحيى، أبو عبد الله العدني المكي، أصله من عدن، ثم نزل مكة، قال: حدثنا سفيان، هو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي، وهو لازم -أي ابن أبي عمر لازم ابن عيينة كثيرا- قال: عن عمرو بن سعيد، وهو نافع المكي، ابن أبي هلال المسروق، الثوري -وهو أخو سفيان أخو الإمام سفيان بن سعيد الثوري، ولهم أخ ثالث اسمه مبارك، كلهم ثقات، وأوثقهم وأشهرهم سفيان الثوري- قال: عن أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي، وهو أبو يزيد المحاربي، ثقة، قال: عن أبيه، وهو أبو الشعثاء، قال: سمعت أبا هريرة، ورأى رجلا يجتاز المسجد خارجا بعد الأذان، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. هذا الأثر، أثر أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال فيمن خرج من المسجد بعد الأذان: أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. فهذا الحديث يكون له حكم الرفع، بمعنى أن أبا هريرة رضي الله عنه قد سمع النبي عليه الصلاة والسلام ينهى عن مثل ذلك، أي عن الخروج بعد الأذان من المسجد. فلهذا قال في هذا الذي رآه يخرج بعد الأذان: إنه عصى النبي عليه الصلاة والسلام، أبا القاسم، أي النبي صلى الله عليه وسلم. فدل هذا الحديث على النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان. وهذا حمله أهل العلم إذا كان لغير عذر، إذا كان الخروج لغير عذر، فقول أكثر أهل العلم: إنه ينهى عن ذلك. بل قال سعيد بن المسيب رحمه الله: لا يفعله إلا منافق، لا يفعله إلا منافق، يعني يخرج بعد الأذان لغير علة ولغير عذر ولغير سبب، ما يريد بذلك إلا عدم شهود الصلاة، وهذا شأن المنافقين، التخلف عن صلاة الجماعة، هذا هو عمل المنافقين. وأما إذا كان الخروج لعذر، فلا بأس أن يخرج بعد الأذان، لا بأس أن يخرج بعد الأذان، مثل إذا أراد أن يتوضأ، لا بأس يخرج ولو بعد الأذان يتوضأ ثم يرجع، أو كذلك أيضا أراد أن له حاجة أراد أن يقضيها بعد الأذان، أو أراد أن يصلي في مسجد آخر لأجل أن يحضر درسا أو أن يلقي كلمة، فلا بأس. نعم، إذا العذر قد يكون شيئا يتعلق بأداء الصلاة، من الوضوء أو نحو ذلك، وقد يكون العذر أمرا آخر، لأجل الذهاب إلى مسجد آخر لمصلحة، كإلقاء كلمة أو إلقاء درس أو نحو ذلك، هذا أيضا جائز. وقد يكون العذر للخروج لوجود مانع يمنع من أداء الصلاة في هذا المسجد، كأن يكون فيه بدعة، ويوجد هناك مسجد سنة. ولما دخل وأذن وعلم أن في هذا المسجد بدعة، خرج لأجل أن يصلي في مسجد آخر سنة، هذا لا بأس به. ومثله ما فعله ابن عمر رضي الله عنه، ما في سنن أبي داود، لما دخل مسجدا فأذن المؤذن، فثوب في الأذان في صلاة الظهر أو العصر، ثوب يعني قال: الصلاة خير من النوم، فقال ابن عمر لمن معه: قم، هذه بدعة، وخرج من المسجد. خرج من المسجد، فدل هذا على أنه لا بأس بالخروج من المسجد إذا كان فيه بدعة، فيذهب إلى مسجد آخر سنة، هذا أيضا عذر سائغ وجائز للخروج من المسجد. ولهذا الإمام البخاري رحمه الله بوب في صحيحه: باب هل يخرج من المسجد لعلة -يعني بعد الأذان- ثم ذكر حديث جابر رضي الله عنه، لما أقيمت الصلاة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام للناس: مكانكم، ثم ذهب فأبطأ عليهم، ثم خرج ورأسه يقطر -أي اغتسل عليه الصلاة والسلام- ثم أتى فصلى بالناس. الشاهد قوله: مكانكم، وخرج، ذهب عليه الصلاة والسلام ليغتسل، نسي أنه على جنابة، فدل هذا على أنه يجوز الخروج من المسجد لعذر ولحاجة. وأما من غير عذر، فكما سمعتم قول أكثر أهل العلم: هو المنع والنهي عن ذلك، لهذا الحديث. هذا إذا كان الأذان يعني في وقت الصلاة، أما إذا كان في غير وقت الصلاة، كأذان الفجر الأول، لا بأس أن يخرج، يذهب ليجد يتسحر أو شيء من ذلك، لا بأس، لأن هذا الأذان ليس أذان الصلاة. وأما إذا كان أذان الفجر الثاني الذي يعني يحل الصلاة ويحرم الطعام، فهنا لا يخرج إن لم يكن عنده عذر. وهكذا إذا أذن المؤذن في غير الأذان، أخطأ مثلا، أو كان يؤذن في غير الوقت، لا بأس للإنسان أن يخرج، للإنسان أن يخرج، لأن هذا ليس هو الأذان الشرعي. بر جميع الطاعات، جميع الطاعات تحتاج إلى صبر، ولهذا الله عز وجل قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. نعم، وهكذا أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». وكما تعلمون أن الصبر على ثلاث أقسام: الصبر على الطاعة في فعلها والمحافظة عليها، وصبر عن المعصية في تركها واجتنابها، وصبر على أقدار الله في تحملها. فجميع الطاعات تحتاج إلى صبر، جميع الطاعات. الصلاة تحتاج إلى صبر، أن يجاهد الإنسان نفسه في أداء هذه الفريضة وهذه الطاعة، قد يترك نومه ويترك فراشه ويترك راحته حتى يقوم ويؤدي هذه الصلاة، هذا يحتاج إلى صبر ومجاهدة لهذه النفس. وهكذا الصيام يحتاج إلى صبر في ترك شهوات النفس، وكذلك يعني ما تحبه هذه النفس من المأكل والمشرب والمنكح إلى آخر ذلك، تحتاج إلى صبر. وهكذا يعني الصدق في الأقوال وترك الكذب، وهكذا الأمانة في حفظ الأمانات إلى آخر ذلك. كذلك بر الوالدين، بر الوالدين يحتاج إلى صبر في تحملهما، وخاصة إذا كبرا في السن، إذا كبرا في السن، فيكون البر لهم أعظم، والصبر في ذلك كذلك أشد. ولهذا الله عز وجل قال: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. إذا كبرا في السن يعني كثرت طلباتهما، وكذلك أيضا ربما كان عند الوالدين شيء من العناد بسبب الكبر، بسبب كبر السن، قد يكون عنده شيء من الغلظة في التعامل، في رفع الصوت ونحو ذلك، فهذا كله يحتاج إلى صبر، لا بد أن تصبر إذا أردت أن تبر بوالديك، فلا بد أن تصبر عليهما كما صبر عليك في صغرك، وتحملك، فأنت كذلك يجب عليك أن تتحملهما، وأن تصبر عليهما، وأن تخفض لهما جناح الذل من الرحمة. وإن يعني رفع صوتهما، وإن أغلظ عليك في القول، وإن فعل ما فعل، فلا بد من الصبر، لا بد من الصبر. ولهذا ما جعل يعني هذا الأجر العظيم في بر الوالدين، وأنه ما سبب من أسباب دخول الجنة إلا لأن هذا الأمر يحتاج إلى صبر. ولذا تجد الكثير يعني من الأبناء الذين لا يصبرون على بر آبائهم، ماذا الذي يفعلونه معهم؟ يأخذونهم إلى محل الرعاية العجزة، ويرمونهم في ذاك المكان، ثم لا يدري بهم حتى يتخلص من القيام بعنايتهم. لكن أنت المسلم وطالب العلم الذي يعرف قدر الوالدين، وما لهما من حق عظيم، وما لهما من بر وإحسان، فهو يصبر لأجل ذلك، يريد الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، فلا بد من الصبر والتحمل. وهكذا أيضا طلب العلم يحتاج إلى صبر، طلب العلم عبادة وطاعة عظيمة تحتاج إلى صبر، صبر يعني في الطلب، وصبر في الاستمرار والمداومة، وكذلك صبر على المعلم الذي يعلمك. وهكذا أيضا يعني صبر في تحصيل العلم والعمل به، وجهد النفس على ذلك، فلا بد من الصبر. الصبر يعني أمر من الأمور الأساسية في حياة الإنسان، في سائر شؤونه، في سائر تقلباته، لا بد من الصبر. لا يستغني الإنسان عن الصبر في سائر يعني أعماله، من الطاعات في فعلها، وهكذا المعاصي بتركها، وهكذا أقدار الله عز وجل في تحملها. والصبر مر كما قيل: والصبر كاسمه مر مذاقته، لكن عقباه أحلى من العسل. الصبر تعرفون، الصبر هذا الذي يباع يستعمل دواء، هو في غاية من المرارة، ذوقه مر، لكن عقبته حسنة، يعني ما يحصل من استعماله من إبراء الأمراض وذهاب السقم، عاقبة طيبة. وهكذا الصبر، الصبر فيه مرارة، فيه مرارة على النفس، لأنه حبس للإنسان لما تريد هذه النفس من شهوات وملذات، فهو يصبر لأجل العاقبة الحسنة، وهو ما سيجده من الثواب العظيم. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ولا يدخل المسلم الجنة إلا بالصبر، هذا يقول الملائكة يوم القيامة لأهل الجنة: «سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار». صبروا على ماذا؟ صبروا على الطاعات، صبروا على الطاعات في فعلها واللزومها والمحافظة عليها، صبروا على المعاصي في تركها واجتنابها، صبروا على أقدار الله في تحملها، فكانت العاقبة أنهم دخلوا دار الصابرين، وهي الجنة، وهي الجنة. إن العاقبة عظيمة، والأجر عظيم، فلابد للمسلم أن يصبر، وأن يتحمل، وأن يجاهد نفسه حتى يبلغ بها إلى أعظم المقامات وأرفع المنازل. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته.