الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 395، ألقاها
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو دعاءً خاصًا عند النوم يظهر فيه التوجه إلى الله والاعتراف بالضعف. هذا الدعاء يشمل التوجه إلى الله بالوجه والنفس والظهر.
يجب الجمع بين الرغبة والرهبة في الدعاء والعبادة، مع الاعتراف بفقر الإنسان إلى الله وغنى الله عن عبادة العباد. هذا يظهر كمال التوكل على الله واللجوء إليه.
قول كلمات معينة قبل النوم مثل الإيمان بالكتاب والنبي يجعل من قالها ومات يكون على الفطرة. طاعة العبد أو معصيته تعود بالنفع أو الضرر على العبد نفسه.
بسم الله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه الأدب المفرد، في باب ما يقول إذا أوى إلى فراشه: حدثنا أبو سعيد الأشج، عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد، عن خازم أبي بكر النخعي، قال: أخبرنا العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن البراء بن عازب، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، ثم قال: «اللهم وجهت وجهي إليك، وأسلمت نفسي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجأ ولا ملجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت». قال: فمن قالهن في ليلة ثم مات، مات على الفطرة. هذا الحديث حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن. ومر معنا في الحديث السابق الكلام على ذلك، واستحباب النوم على الجانب الأيمن. وكان هذا من هديه عليه الصلاة والسلام في النوم، أنه كان ينام على شقه الأيمن. وبعض أهل العلم ذكر فائدة في ذلك، في النوم على الشق الأيمن، أنه يكون أدعى إلى سرعة الاستيقاظ، بخلاف ما لو نام على الشق الأيسر، فإن القلب يكون في شيء من الثبات في موضعه واستقراره، بخلاف النوم على الجانب الأيمن. ثم قال: «اللهم وجهت وجهي إليك، وأسلمت نفسي إليك، والجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا منجأ ولا ملجأ منك إلا إليك». هذه الجمل فيها توجه إلى الله سبحانه وتعالى، وإظهار للإنسان ضعفه وعجزه وحاجته إلى ربه جل وعلا، وأنه لا استغناء له عن الله. «اللهم وجهت وجهي إليك»، يعني وجهتي ونومتي في هذه النومة أتوجه إليك، يعني أطلب أن تعافيني، وأن تسلمني، وأن توفقني، وأن تعينني. «وأسلمت نفسي إليك»، فأنت المالك لها، وأنت المتصرف فيها، وأنت الحافظ لها، وأنت القابض لها إن أردت قبضها، فنفسي بين يديك. وأسلمت نفسي إليك، وكما مر معنا في الحديث السابق أن العبد إذا نام، ربما يقبض الله عز وجل الروح وهو نائم، يقبض روحه وهو نائم؛ لأن نفسه بيد الله، الله يتوفى الأنفس حين موتها. فأنت تعترف بذلك لله سبحانه وتعالى، وتلتجئ إلى الله، وأن أمرك بيد الله، وأن المتصرف فيك هو الله سبحانه وتعالى. «وألجأت ظهري إليك»، رهبة ورغبة إليك، فلجوه إليك، ودعائي وطلب ما أطلبه من الخير، وما أستعيذ به من الشر كله بيديك، وأنت القادر على ذلك، والمالك لذلك. دعائي وطلبي ورجائي رهبة ورغبة، رهبة أي خوفا من عدم قبول الدعاء وعدم استجابته، ورهبة وخوفا من عذاب الله ومن عقوبة الله، ورغبة في رجائك، وفي ثوابك، وفي عطائك، وفي استجابتك لدعائي، فأنا أدعوك وأتقرب إليك رهبة ورغبة. هذا كمال ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن في تقربه إلى الله سبحانه وتعالى، في عبادته وفي طاعته وفي دعائه، أنه يدعو الله عز وجل دعاء رهبة ورغبة، كما قال الله عز وجل في وصف أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، رغبا ورهبا هكذا جمعوا بين الرغبة والرهبة، رغبة فيما عند الله من الثواب والأجر وإجابة الدعاء، ورهبة وخوف من رد دعائهم وعدم استجابة الله لهم، وخوفا كذلك من عقوبة الله سبحانه وتعالى. وهذا أكمل ما يكون عليه المؤمن، أن يكون في دعائه وفي طاعته وعبادته وسيره إلى الله جل وعلا بين الرغبة والرهبة. «لا منجأ ولا ملجأ منك إلا إليك»، لا منجأ يعني ليس لنجاة أنجو بها إلا إليك، باعتصامي بك واللجوء إليك والقيام بطاعتك وسؤالك، ولا ملجأ منك إلا إليك، لا ملجأ ألجأ إليه إذا أردت بي سوءا أو أردت بي عقوبة إلا إليك، فلا يدفع ذلك عني إلا أنت، لا يدفع ذلك عني إلا أنت. هذا أيضا فيه كما سمعنا كمال اللجوء إلى الله جل وعلا، وحاجة الإنسان إلى ربه، وأنه عاجز وضعيف وفقير إلى الله جل وعلا، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أنتم الفقراء إلى الله، نحن فقراء إلى الله إلى عفوه وإلى رضاه وإلى ثوابه وإلى جزائه وإلى آخر ذلك، نحن فقراء إلى الله، والله هو الغني، الله عز وجل الغني عنه وعن دعائنا وعباداتنا وطاعاتنا، صلاتنا وصيامنا وقيامنا وركوعنا وسجودنا، الله عز وجل الغني عن ذلك، لا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل نحن الذين ننتفع بما نتقرب به إلى الله جل وعلا من طاعات وعبادات وقربات، ننفع بها أنفسنا، ونتقرب بها إلى الله حتى ننال الثواب والأجر، وكذلك نسلم من العقاب والعذاب. والله جل وعلا لا يضره معصية العاصين، ولا تنفعه عبادة الطائعين، وفي حديث أبي ذر: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك مما عندي شيئا». وهكذا قالوا: «أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك مما عندي شيئا». فالله عز وجل لا تضره معصية العاصي، ولا كذلك أيضا ينفعه طاعة الطائع، وإنما الذي ينتفع بذلك هو الإنسان نفسه، إن أطاع نفع نفسه بذلك، وإن عصى ضر نفسه بذلك. قال: «آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت»، آمنت بكتابك الذي أنزلت، هنا اعتراف وإقرار بالإيمان بالكتاب الذي أنزله الله جل وعلا، والمراد به القرآن الذي هو خاتمة الكتب وناسخ للكتب السابقة، الذي أنزله الله جل وعلا على نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ففيه اعتراف من العبد بإيمانه بهذا الكتاب الذي أنزله الله جل وعلا. آمنت أي مصدقا بقلبي ومقرا بذلك أن هذا الكتاب الذي أنزلته على نبيك ورسولك منزل من عندك، وأنه كلامك، وكذلك أيضا أنه آية أن يتبعه رسولك عليه الصلاة والسلام، فليس هو من قول البشر ولا من وضع البشر، وإنما هو منزل من عند الله جل وعلا. آمنت بكتابك الذي أنزلت، ولم يقل بكتابك الذي خلقت أو أوجدت، وهذا دليل على أن القرآن صفة من صفات الله وأنه ليس بمخلوق. «ونبيك الذي أرسلت»، كذلك أيضا في اعتراف بنبوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه مرسل من عند الله جل وعلا، وجمع بين النبوة والرسالة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نبيا ورسولا، فهو نبي نبأه الله عز وجل بالنبوة كما يقول بعض أهل العلم نبأه بإقرأ، وأرسله بالمدثر، ورسول أرسله الله عز وجل إلى الخلق كافة من الإنس والجن وجميع الثقلين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. قال: «فمن قالهن في ليلة ثم مات، مات على الفطرة». من قال هذه الكلمات عند نومه في ليلة ثم مات، أي بعد أن قالها ونام في فراشه، مات على الفطرة، مات على الفطرة أي فطرة الإسلام، فطرة التوحيد، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبدل لخلق الله، فيموت على فطرة الإسلام إذا قال هذه الكلمات، وآمن بتوحيد الله جل وعلا وبنبوة رسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه يموت على الفطرة. ولهذا جاء في بعض الروايات: «فإنك إن ميت ميت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرا». يعني مما قلته وجئت فيه إلى الله تنال الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في بعض الروايات هذا الحديث، قال: «واجعلهن آخر ما تقول». يعني من الدعاء عند النوم، يكون هذا الحديث وهذه الكلمات من آخر ما يقولها المسلم عند نومه، يجعلها آخر دعاء يدعو به، يختم به دعاءه، فإذا مات مات على الفطرة كما قال عليه الصلاة والسلام، وإن أصبح أصاب خيرا. وصل الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.