الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 79، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع باب النقيع والشراب غير المسكر في العرس، مبيناً أن النبيذ نوعان: مسكر حرام، وغير مسكر جائز بشرط عدم تركه فوق ثلاث ليال خوف الإسكار. ويؤكد القاعدة النبوية: كل مسكر خمر وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام، مستشهداً بأشربة أهل اليمن كالبتع والمزر.
يبيّن المقطع أن فقهاء الكوفة أجازوا شرب النبيذ المسكر المصنوع من غير التمر والعنب المسمى «الطلاء»، مستندين إلى أن أكثرهم يشربونه، بينما خالفهم جمهور العلماء وأفتوا بتحريمه مستدلين بأحاديث: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» و«كل مسكر خمر». ولم يحرمه من الكوفيين إلا قلة كسفيان الثوري وعبد الله بن إدريس، ثم ساق الراوي حديثاً عن النبيذ الذي صُنع من تمر منقوع ليلة في تور لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عرس أبي أسيد.
يبيح النص للزوجة خدمة زوجها وضيوفه في العرس بشرط أمن الفتنة، ويجوز شرب ما لا يسكر، بينما يحرم حضور الولائم التي تقدم فيها الخمر أو القات أو أي محرم إلا لحضور بقصد الإنكار والنصيحة. كما يشير المقطع إلى أن حضور الوليمة يصبح غير واجب إذا تضمنت منكراً، لأن وجود المنكر يسقط وجوب الحضور.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس». قال: النقيع المراد به الذي ينقع، والشراب هذا الذي لا يسكر مراد به النبيذ؛ لأن النبيذ ينقسم قسمين: نبيذ يسكر، ونبيذ لا يسكر. فإذا بدأت فيه النشوة وبدأ فيه التغير في الطعم، فهذا معناه أنه يسكر، أو يكون فيه طعم حامض لفساد هذا الطعام، فيصير خمراً، فيصير خمراً. فهذا النبيذ لا يجوز أن يشرب لأنه مسكر، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يترك النبيذ فوق ثلاث. نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يترك النبيذ فوق ثلاث، والعلة هو الإسكار. فإذا أسكر قبل الثلاث أيضاً لا يجوز شربه، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». كل مسكر خمر، وكل خمر حرام. وأيضاً كذلك ما أسكر كثيره فقليله أيضاً حرام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: أي الشيء إذا شربته كثيراً أسكر، وإذا شربت قليلاً لم يسكر، فهذا يعتبر أيضاً حرام: ما أسكر كثيره فقليله حرام. جاء في رواية: «فملء الكف منه حرام». فلذلك فالنبيذ غالباً في الأماكن الحارة سريعاً ما يتغير، ولهذا لا يتركه أكثر من ثلاثة ليالي، يعني يترك هذا الذي نبذه في الماء سواء كان تمراً أو عنباً أو غيره من البر أو من غيره مما ينبذ في الماء. وقد كان الناس يفعلون هذا النبيذ، معناه يجعلونه أو يسكرون به. فكان أهل اليمن كان عندهم البتع والمزر كما جاء في الأحاديث: البتع هو نبيذ العسل، والمزر هو نبيذ البسر. كانوا يفعلونه حتى يسكر ويشربونه. وأيضاً هذه المسألة مسألة الشراب: إذا أسكر فهذا لا يجوز شربه، سواء كان من التمر والعنب أو من غيره. بخلاف قولي أهل الكوفة: أهل الكوفة يقولون يجوز أن يشرب نبيذ غير التمر والعنب إذا أسكر. ولهذا ما يسمى عندهم الطلاء يشربونه، أو يشربوا أكثرهم، أكثرهم الكوفة يشربون هذا الطلاء، وهو غالباً ما يسكر، غالباً ما يسكر. فلذلك كانوا يجيزونه، وأكثر العلماء على أنه لا يجوز، ويستدلون لهم بحديث: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وأيضاً حديث: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». فلذلك ما تجد من أهل الكوفة إلا نفراً يسيراً ممن حرم هذا الطلاء، كسفيان الثوري وعبد الله بن إدريس وغيرهما، وإلا أكثر أهل الكوفة يجيزون هذا الطلاء ويشربونه. حتى وكيع بن الجراح رحمة الله عليه. قال: «باب النقيع والشراب الذي لا يسكر في العرس». قال: حدثنا يحيى بن أبي كير، وهو يحيى بن عبد الله بن أبي كير المصري، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن القارئ، وهو مدني، قال: قال عن نبي حازم، وأبو حازم هو فقيه أهل المدينة، سلمة بن دينار، قال: سمعت سهل بن سعد يقول: أن أبا أسيد الساعدي دعا النبي عليه الصلاة والسلام لعرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ وهي العروس. فقالت أو قال: تدرون ما أنقعت؟ أن يقول أبو أسيد أو سهل بن سعد: تدرون ما أنقعت لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور. فعن أنقعتها هذا النبي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب النبيذ. وأيضاً كان شرابهم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. فأنقعت له تمرات من الليل في تور، والتور كما تقدم معنا هو الإناء الذي يكون من أي شيء، سواء كان من طين أو من جلد أو من غيره يسمى تور. فأنقعت له تمرات من الليل، فلما أصبح، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرس، أعطته إياه، أعطته إياه حتى يشرب من هذا النبيذ. فهذا الحديث قد تقدم أكثر من مرة، وفيه خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسه، وهذا إذا لم يكن هناك فتنة. وكما قال بعض الشراح: أن هذا قد يكون قبل الحجاب، أو أنها كانت محجبة، كانت محجبة وكانت تخدمهم. قالوا فيه: أنه لا بأس أيضاً أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه ويستخدمهن لهم. معناه: أنه يجوز ذلك إذا لم تخشى فتنة. إذا لم تخشى فتنة فيجوز أن تكون هذه المرأة هي التي تخدمهم، أي زوجته. وأيضاً كما تقدم فيه أيضاً: أنه يجوز أن يشرب الشراب الذي لا يسكر في العرس. وأما إن كان يسكر فلا يجوز حضور هذه الوليمة، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في النساء عن حضور الرجل المائدة وفيها المسكر، وفيها الخمر. والحديث لا بأس به، وصححه الشيخ الألباني رحمة الله عليه. فلا يجوز أن يحضر عرس فيه من يشرب الخمر، أن يشرب أمامه الخمر وهو يحضر هذا العرس، فهذا لا يجوز. وأيضاً كذلك يدخل فيه كل محرم: من جاء بشيء محرم في سواء كان طعاماً أو شراباً أو غيره مما يأكل أو يشرب، جاء به في الوليمة، فإنه يسقط كما تقدم، يسقط حضور هذه الوليمة. فإذا جاء بقات مثل ما يفعل بعض مناطق في الشمال وفي يافع وغيرها، تجد أنهم يحضرون القات وقت بعد الوليمة، يعني يحضرون القات، وأيضاً يأكلون بعد ذلك، القات موجود بعد أن ينتهوا من الوليمة يأكلون القات. فأيضاً مثل هذا لا يجوز حضورها إلا لمن أراد أن ينكر، من أراد أن ينكر عليهم، فلا بأس أن يحضر لأجل أن ينصح، لأجل أن ينصح. وإلا كما تقدم أن الوليمة التي فيها منكر يسقط بهذا المنكر وجوب الحضور. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.