الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث البخاري الناهي عن جلد الزوجة جلد العبيد ثم مجامعتها، ويبين أن الضرب المذكور في الآية يكون غير مبرح أي خفيفاً غير مؤذٍ. ويضرب المثل بضربة النبي ﷺ لعائشة في صدرها تأديباً برفق، مؤكداً أن الغرض تأديب رحيم لا عنف ولا قسوة.
تناول المقطع أحاديث نبوية تنهى عن ضرب الزوجة ضرباً مبرحاً كضرب العبد أو البعير، وشبه النساء بالقوارير لرقتهن، وأباح ضرباً غير مبرح عند الحاجة. مع ذكر نهي عمر بن الخطاب عن ضرب النساء.
يبيّن المقطع أن ضرب الزوجة مباح فقط كآخر وسيلة للتأديب عند النشوز، بشرط أن يكون تأديبياً لا انتقامياً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ذم المكثرين من الضرب. وقيد العلماء ذلك بألا يتجاوز عشرة أسواط قياساً على حد التأديب في غير الحدود الشرعية.
يوضح المقطع نسب الصحابي عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب، ويبين أنه ابن أخت أم سلمة رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس أخا سودة بنت زمعة. وأنه أسدي من قريش.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب ما يكره من ضرب النساء». وقوله جل وعلا: ﴿ واضربوهن ضربا غير مبرح ﴾. هذا تفسير الضرب عند العلماء، قاله غير واحد في تفسير الآية. قال رحمه الله: حدثنا محمد بن يوسف - وهو التنيسي الدمشقي -، قال حدثنا محمد بن يوسف، أقصد: الفريابي الحمصي، قال حدثنا سفيان - وهو ابن سعيد الثوري، أبو عبد الله الإمام - عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عبد الله بن زمعة، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم». ففي هذا الباب أراد أن يبين كيف هو ضرب النساء، وهل هو على الإطلاق أم أنه يفعل ذلك إذا لم يجد السبيل، وعند نشوز المرأة وغير ذلك. وإن ضربها، فيضربها ضربا غير مبرح. والمبرح هو الشاق. ونقل عن الحسن أن المبرح هو غير المؤثر، أنه ضرب لا يكسر كما يقولون عظما، ولا يوجع لحما. ومثل بعض العلم فعل النبي عليه الصلاة والسلام عندما ضرب عائشة في صدرها لما تبعته إلى المقبرة، فضربها في صدرها، قالت: حتى وجدت ذلك، فقال: «أتخافين أن يحيف الله عليكم ورسوله». فمثل هذا الضرب الذي يكون خفيفا، ويكون أيضا برحمة، ما يكون بعنف وقسوة. وأيضا هذا من الأساليب التي ذكرها الله عز وجل في تأديب النساء، وهو الضرب، لكن كما ذكرنا وذكره العلم أنه لا يكون فيه شدة، وأيضا بقسوة وعنف، وإنما يكون ضرب رحمة، والضرب تأديب يسير. لأن الإنسان إذا ضربها ضربا شديدا، كأنه يضرب الفحل أو يضرب عبدا، فإنه سيضاجع هذه المرأة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم». وجاء في لفظ: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد الفحل ثم هو يضاجعها». ثم هو يضاجعها، أي يحتاج إلى أن يضاجعها. كيف يضربها ثم بعد ذلك يضاجعها؟ فلهذا الذي يحتاج إلى مضاجعة المرأة، وأيضا أنه سيجتمع معها، لا يجلد ذلك الجلد الذي يكون جلدا شديدا، كأنه يجلد فحلا، أي بعيرا من الأباعر. فهو يضرب آدمية، ومعلوم أن المرأة سرعان ما تتكسر، وسرعان ما تتوجع. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال في الصحيحين في حديث: سماهن قوارير، لما كان أنجشة يحادي بالعبال، فكانت العبال تركض، فقال: «يا أنجشة، رويدك، مهلا بالقوارير». أراد النساء. فلهذا فلا يكون من هذا الضرب الذي يوجع كثيرا، يوجع اللحم أو يكسر العظم. أيضا في هذا الحديث قال: «ثم يجامعها»، يجامعها. وجاء في لفظ آخر: «لعله يعانقها»، وهو في البخاري كذلك. وجاء في لفظ في الترمذي: «ثم لعله أن يضاجعها من آخر يومه». وأيضا جاء في بعض الروايات: «جلد البعير» أو «جلد الفحل». وأما مسألة الضرب، فقد جاء في بعض الأحاديث: في حديث لقيط بن صبرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ولا تضرب ضعينتك ضرب أمتك». وجاء في لفظ عند ابن حبان في نفس الحديث قال: «ولا تضرب ضعينتك ضرب كضربك إبلك». وفي حديث عمر بن الأحوص عند الترمذي قال: «واضربوهن ضربا غير مبرح، ضربا غير مبرح»، وهو حديث صحيح. وقد جاء النهي عن عمر، أنه كان ينهى عن ضرب النساء. والظاهر كما قال الشافعي رحمه الله - ذكر البيهقي في المعرفة والسنن من حديث عمر النهي عن ضرب النساء، ثم ذكر كلام الشافعي رحمه الله فقال: «يحتمل أن يكون نهى عنه على وجه الكراهية، وأدنى فيه بأن يكون مباحا لهم الضرب في الخوف، أن هم إذا كان هناك ما يدعو إلى الضرب للتأديب، فلا بأس، وإلا فلا». ولهذا لما أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالضرب للنساء، جاء في اليوم الثاني نساء كثير يشتكين ضرب أزواجهن، فقال: «ما هم بخياركم». وجاء في رواية: «قال: أولئك شراركم». يعني هؤلاء الذين يضربون نساءهم. وجاء في لفظ: «لا يضرب خياركم». يعني خيار الناس ما سيضرب زوجته، وإنما يضربها شرار الناس، أي من يكون بينه وبين زوجته شيء من المخاصمات وغير ذلك. فالضرب، خلاصة الكلام، أن الضرب مباح لكن مضيق في أمره، لا يستعمله الإنسان إلا إذا احتاجه في نشوز المرأة، أنه يؤدبها لأجل نشوزها وعدم طاعتها. وأيضا هذا الضرب يكون ضرب تأديب، وليس ضرب انتقام، لأن هذه المرأة تعتبر جزءا منهم، تعتبر أيضا شريكته في الحياة، كما يقولون. فلهذا لا يجلدها ذلك. وأيضا بعض العلم قيد هذا الضرب أن لا يكون أكثر من عشرة أسواط، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح مسلم قال: «لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله». لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله، أي في شيء محرم، كما فسره كثير من العلم. أما في شيء مباح، أو شيء يحتاج إلى معالجة ويحتاج إلى الضرب، فلا يضرب فوق عشرة أسواط. وهكذا أيضا المدرس والمعلم لا يضرب الطالب فوق عشرة أسواط، لأن هذا ليس حدا، وإنما هو من باب التأديب. فغالب، أو غالب الضرب الذي يكون من باب التأديب لا يكون فوق عشرة أسواط. طيب، هذا ما يذكر في هذا الحديث. والصحابي في الحديث هو عبد الله بن زمعة، وهو ابن الأسود بن المطلب، ابن أخت أم سلمة، وليس هو أخو سودة بنت زمعة، وإنما هو ابن أخت أم سلمة رضي الله تعالى عنها زوجة النبي، وهو أسدي من قريش. طيب، هذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر