الدرس في كتاب النكاح من صحيح البخاري 97، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع حديث آلية النبي ﷺ من نسائه شهراً ونزوله لتسع وعشرين مع مناقشة رجال الإسناد، ثم يوضح معنى القوامة بأنها مسؤولية الرجل في النهي عن الحرام والنصح والتقويم مع التغافل عن المباحات لا جفاءً ولا تسليطاً.
يوضح المقطع حقوق الزوج في نصيحة الزوجة وزجرها وهجرها عند العصيان مستشهداً بهجر النبي ﷺ لزوجاته شهراً بسبب تآمرهن، ونزول الوحي بتحذيرهن وتخييرهن مع ذكر قصة عمر بن الخطاب مع حفصة.
يؤكد المقطع أن طاعة الزوجة لزوجها من أسباب دخول الجنة وأن القوامة تستلزم المشاورة والإحسان كما فعل النبي ﷺ، ويستعرض قصة إيلاء النبي ﷺ من نسائه وبيان أحكام الإيلاء في الشرع محذراً من التحريم باليمين.
يوقف المولي بعد انقضاء الأربعة أشهر ويخير بين الرجوع إلى زوجته أو طلاقها، ويجبره القاضي على أحد الأمرين حتى لا تبقى معلقة تطبيقاً لحدود الله في الإيلاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «باب قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾». قال: حدثنا خالد بن مخلد، وهو القطواني المدني، وفي حفظه شيء، إلا أن أئمة العلم كأبي زكريا يحيى بن معين يقولون: إن روايته عن أهل المدينة مستقيمة. كذلك قال أحمد، وخاصة في سليمان بن بلال المدني رحمه الله. ولهذا البخاري رحمه الله لم يخرج أحاديث خالد بن مخلد إلا من حديث سليمان بن بلال، وهذا من انتقائية البخاري من حديث خالد بن مخلد. ولهذا في حديثه في الأولياء، ذكر الذهبي قال: «لولا هيبة الصحيحين لضعفت هذا الحديث بخالد بن مخلد». لكن كما قلنا: إن خالد بن مخلد روايته عن أهل المدينة مستقيمة، خاصة عن سليمان بن بلال. قال: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان، وهو بن بلال المدني، قال: وهو ممن قيل فيه أنه لا يروي إلا عن ثقة. قال: حدثني حميد، وهو حميد بن حميد الطويل البصري، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال: آلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نسائه شهرًا، وقعد في مشربة له، فنزل لتسع وعشرين. فقيل: يا رسول الله، إنك آليت على شهر. قال: «إن الشهر تسع وعشرون». قال: «إن الشهر تسع وعشرون». هذا الحديث بوب عليه الإمام البخاري: «باب قول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾». والمراد أن الرجل يكون قائمًا، له القوامة على المرأة، لا يجعل المرأة هي التي تتصرف فيه، لا يجعل المرأة هي التي تتصرف فيه. وهذا الباب قد أشبعنا الكلام فيه في الأبواب التي سبقت، وخلاصته: أن الرجل ليس أن يكون جافيًا على المرأة، لا يلقي لها بالًا ولا يستشيرها في شيء، ولا أيضًا يعاشرها بالمعروف، ولا أيضًا كذلك يعطيها العنان ويكون الأمر والنهي لها وهو كأنه غير موجود، فالأوامر والنواهي كلها له، وهو أيضًا يكون طوعًا لها، بل حتى يتولد ذلك أنها يراها تفعل الحرام، أي من المعاملات المحرمة أو الأشياء المحرمة، وهو يسكت لأجل أنه لا يستطيع أن يكلمها، فهذا عين الهوان للزوج، وأنه ليس كفؤًا، وليس أيضًا قوامًا. فلذا فالقوام هو الذي ينهى زوجته عن ما يحرم، وما يؤدي إلى الحرام، وأيضًا ينصحها ويقومها إذا رأى عوجًا منها، وأيضًا له أن يتغافل، لكن ليس معنى التغافل أنه يسكت عن الحرام، فأيضًا هذا الأمر لا بد منه، ولا بد من معرفته: هناك التغافل عن الأشياء المباحة التي ليست بحرام، وأيضًا ليس فيها ضرر، فممكن أنه يتغافل عن بعض التصرفات غير الصحيحة، يتغافل عن بعض التصرفات غير الصحيحة، مثل خروجها، مثل رفع صوتها، مثل كذا. أما شيء محرم، تفعل شيء محرم، لا يجوز أن تفعله، من كشف مثلًا وجهها، من شيء من التعامل، بعض الناس يخطئون في مثلًا يحسدن ويحقدن ويغتابن وينمن وغير ذلك، فينصحها، ينصحها من هذه الأشياء المحرمة، وله أيضًا أن يزجرها بالقوة، له أن يزجرها بالقوة، وإذا رأى فيها تفلتًا وعصيانًا فله أن يهجرها، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. النبي عليه الصلاة والسلام آلى من نسائه شهرًا بسبب أنهن تآمرن عليه، وكانت المرأة منهن كما جاء في حديث عمر: «تخاصم النبي عليه الصلاة والسلام اليوم كله». فقال عمر: «يا عدوات أنفسهن»، وقال لحفصة: «لا تفعلي ذلك، ولا تغتري بأن صاحبتي، بأن نظيرتك وضيئة»، يريد عائشة: «لا تفعلي شيئًا وتخاصم النبي صلى الله عليه وسلم، ألا تخشين أن يغضب الله لغضب نبيه صلى الله عليه وسلم؟». ولما هجرهن النبي عليه الصلاة والسلام، جاء عمر إلى حفصة وقال لها: «ألم أقل لك لا تفعلي؟». فالنبي عليه الصلاة والسلام خاصمهن وآلى منهن لعدة أمور: الأمر الأول: كما ذكر الله عز وجل في الشيء الذي حصل منهن في مسألة العسل، في مسألة العسل الذي كان يأكله عند صفية بنت حيي، فحصل خطب من عائشة وحفصة، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «والله لا آكل عسلًا»، فحرم على نفسه أكل العسل. فأنزل الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى آخر الآيات، حتى قال الله عز وجل مهددًا، مهددًا من تآمر على النبي صلى الله عليه وسلم، وكما قال عمر: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾. فنساء النبي صلى الله عليه وسلم ندمن بعد ذلك وتابن. ثم أن الأمر الآخر: أن الله عز وجل أنزل بعد ذلك تخييرهن. وقبل ذلك، وقبل ذلك أيضًا مخاصمة هن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن المرأة تسكت إلى اليوم الكامل، كما قالت امرأة عمر، وما في الحديث الذي قد مر أكثر من مرة: أن عمر كان يكلم امرأته فعارضته في كلامه، فقال: «أتعارضني؟» فقال: «هؤلاء نساء النبي صلى الله عليه وسلم يعرضنه، وتسكت إحداهن اليوم كله». فغضب عمر وذهب إلى حفصة يكلمها في ذلك. ولما دخل عمر رضي الله عنه المشربة، المشربة كما قلنا هي مكان غرفة عالية تكون في شجرة، أو تكون في جبل، أو في شيء يقال لها مشربة، وبعضهم يقول مشربة. وهذه المشربة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، دخل عمر عليه بعد الاستئذان، وقال: يا رسول الله، قد، قد كنا نغلب النساء، فلما جئنا إلى المدينة جئنا عند قوم تغلبهم نساؤهم. أن النساء نغلب النساء، أي أن النساء لا يعارضن كلام الزوج، المرأة لا تعارض كلام الزوج أبدًا، بل تمشي خلفه، إلا إذا كان حرامًا، لا يحل مثلًا أمرها بالحرام. وإلا أن أزواج، أو القرشيات تعلمنا، ومن عادتهن أنهن يطعن الأزواج. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير نساء العالمين نساء قريش، أطوعهن للزوج، وأحناهن للولد». أنا تطيع الزوج، وكلما كانت المرأة طائعة للزوج كانت من خيرة النساء. والنبي عليه الصلاة والسلام جعل طاعتها لزوجها من الأمور التي تدخلها الجنة: «إذا أدت فرضها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، دخلت من أي أبواب الجنة شاءت»، كما جاء في حديث بأمامة وغيرها. فلذا فقال عمر للرسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنا نغلب النساء، فجئنا إلى قوم تغلبهم نساءهم، فتعلم نساءنا من نسائهم». نساء القرشيات تعلمن من الأنصاريات أنهن يعارضن الزوج في كلامه. وليس هذا معناه أن الإنسان مثلًا يضغط على زوجته ويقسو عليها في الكلام، لا. المراد أن الكلمة تكون للزوج، والقوامة تكون للزوج. ولا بأس أيضًا أنه يشاور المرأة، بل هذا من الأمر المعروف، وأيضًا كذلك يسامحها، وأيضًا يدخل معها وينبسط. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فليس، ليس، ليس أن المراد يكون الرجل قاسيًا على أهله، ولا ينبسط لهم، ولا أيضًا يدخل معهم ويشاورهم ويكلمهم. بل النبي عليه الصلاة والسلام كان يكلم أزواجه حتى بعد العشاء، مع أنه يكره الحديث بعد العشاء، إلا أنه كان إذا كان له حديث مع امرأته جلس يكلمها. فلذا النبي عليه الصلاة والسلام آلى من نسائه شهرًا، ومعنى آلى: حلف أن لا يقربها، حلف أن لا يقربها شهرًا كاملًا. وقعد في مشربة له، معنى أنه فعل الأمرين. الله عز وجل يقول، معنى ذكر ربنا جل وعلا في تربية النساء: ﴿فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾. فالنبي عليه الصلاة والسلام هجرهن في المفرش، بل وفي البيت، وهذا للمصلحة، وهذا للمصلحة، وإلا الأولى، معنى الأفضل: إذا كانت هناك مفسدة ستكون، لا يخرج خارج البيت، وإنما يهجر في البيت فقط، يهجر في البيت وهو المراد الفراش، يهجر فراشها. فآلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنه حلف على أن لا يقرب زوجاته، فلذا خرج من بيته وجلس في هذه المشربة تسع وعشرين يومًا. فلما انتهت، دخل على أزواجه، أول من بدأ، بدأ بعائشة، فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، إنك حلفت شهرًا. فقال: «الشهر تسع وعشرون، الشهر تسع وعشرون». فهذا الحديث ذكره لأجل القوامة. وكما قلنا في باب: أن الزوج إذا نشزت المرأة، أو أنها كانت لا تطيع في بعض الأمور، أو ترى أنها لها الكلمة، فإنه يفعل مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، يفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. لكن لا ينبغي له أن يؤلي ويحلف مطلقًا، يقول: «والله لا أقربك»، «والله لا أقربك»، أو يقول: «والله أنت علي حرام». فهذا خطأ. فإن حرم بغير يمين فهو تحريم، ذهب جماعة من العلم، وقال ابن عباس: إنه يكفر عن يمينه. وأما إذا حلف فهو يتربص، وأما إذا حلف فهو يتربص أربعة أشهر. فبعد أربعة أشهر يقول له القاضي: إما أن ترجع إلى زوجتك، وإما أن تطلق. أنه لا يبقى بعد أربعة أشهر، كما قال الله عز وجل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، أي إذا رجعوا فإن الله غفور رحيم، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقد قال جماعة من أهل العلم، وهو قول أكثر الصحابة: أن المولي يوقف بعد الأربعة أشهر، يقول له: خلاص هذا حدك بعد الأربعة، إما أن ترجع إلى زوجتك، وإما أن تطلقها. إن يجبره القاضي بذلك، إما أن يرجع إلى زوجته وإلى فراشه، وإما أن يطلقها، لا يبقيها بعد أربعة أشهر معلقة. طيب، فهذا شيء ما يذكر في هذا المقام، أكتفي به، والله أعلم.