الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما في ترك المشتبهات والاقتصار على ما تطمئن إليه النفس. ويبين تطبيقات هذه القاعدة في أبواب الحلال والحرام والمسائل الفقهية كاشتباه موضع النجاسة.
يوضح المقطع قاعدة شرعية تقضي بالبناء على اليقين وترك ما يريب في الصلاة والطواف وغسل الثوب. ويروي كيف علم النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي هذا الحديث مبيناً أن الصدق يورث الطمأنينة والنجاة.
الكذب يورث الريبة في نفس الكاذب وينفر الناس منه فلا يصدق حتى لو صدق. أما الصدق فيجلب الثقة والطمأنينة فيقبل الناس على الصادق ويثقون به مما يحقق الاستقرار النفسي والاجتماعي.
يشير المقطع إلى وجوب الابتعاد عن الكذب والالتزام بالصدق مستنداً إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم. ويختتم بالتأكيد على أهمية الصدق في حياة المسلم كسبب للنجاة والطمأنينة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في بابه "الصدق": قال: الحديث الثاني، عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة». رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح. قال النووي: قوله "يريبك" هو بفتح الياء وضمها، يعني: يريبك ويريبك. ومعناه: اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه. ومعنى هذا الحديث: يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن ابنته الحسن بن علي بهذه النصائح، بهذه النصائح الغالية والتوجيهات السديدة، فقال له: «دع» أي: اترك ما يريبك. وكما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: أي اترك ما تشك في حله، اترك ما تشك في حله في حله. وهذا باب عظيم من أبواب العلم، ومن أبواب التقوى: أن الإنسان إذا شك في أمر ولا تطمئن إليه نفسه، فالسلامة له أن يتركه، السلامة له أن يتركه. وهذا الباب يدخل في باب الحلال والحرام، بل ويدخل أيضاً في باب الفقه، وما يكون من الشكوك في أبواب النجاسات، أو الوضوء، أو عدد الركعات، أو نحو ذلك. فأمثلة ما يدخل فيه في الحلال والحرام: عرض لك عمل، لكن هذا العمل فيه شيء من الشبهة، فيه شيء من الشبهة، فنفسك لا تطمئن لهذا العمل، كأن يكون فيه التعامل مع النساء، أو فيه إعانة على شيء من الخطأ والزلل ونحو ذلك، فتترك هذا لأن نفسك لم تطمئن لذلك. وهذا في هذا الزمان كثير جداً، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. وكذلك في باب الفقه: مثلاً إنسان أصاب ثوبه نجاسة، نجاسة، لكن ما يدري أين بالضبط موقع هذه النجاسة، هل هي في أول الثوب أو في آخره؟ فإن غسل مقدم الثوب صار في ريبة لاحتمال أن تكون النجاسة في مؤخر الثوب، وإن غسل مؤخر الثوب صار أيضاً في ريبة لأنه لربما تكون النجاسة في مقدم الثوب. فإذا كيف تخرج من هذه الريبة؟ تخرج من هذه الريبة بأن تغسل أوله وآخره، مقدمه ومؤخره، فبهذا تكون قد سلمت من هذه الريبة. «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»: أي شيء الذي لا يريبك؟ أن تغسل الثوب من أوله وآخره. هذه هي ماذا؟ الذي ليس فيه ريبة، هذا الذي ليس فيه ريبة. كذلك في الصلاة: شككت، هل صليت ركعتين أو صليت ثلاثاً؟ فإذا ظننت أنك صليت ركعتين شككت، شككت، وإن ظننت أنك صليت ثلاثاً شككت. إذن تأخذ باليقين وبعدم الريبة. ما هو اليقين؟ اليقين أن تجعلها ركعتين، اليقين أن تجعلها ركعتين؛ لأنك لو جعلتها ثلاثاً يحتمل أن تكون صليت ركعتين فيكون هنا نقص في صلاتك، لكن لو صليت ركعتين ولو صليت ثلاثاً لكن أنت ما تعلم بهذا فقد أتيت باليقين، فصارت صلاتك كاملة يقيناً، صارت صلاتك كاملة يقيناً. وكذلك في الطواف: شككت، أهي خمس أو أربع؟ فتبني على اليقين فتجعلها أربعاً، وهكذا. فهذا الباب باب عظيم يدخل في أبواب كثيرة: في الحلال، وفي الحرام، وفي العبادات، وفي غيرها، وفي غيرها. فالعمل باليقين وما لا شك فيه راحة نفسية، راحة نفسية وطمأنينة، ليس فيها قلق، ليس فيها قلق. فهذا الذي علم نبينا عليه الصلاة والسلام الحسن بن علي، وهذا فيه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بتعليم الصغار، فالحسن كان صغيراً، حتى جاء في بعض الروايات أنه قال: «عقلت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، لأنه كان صغيراً فتحمل هذا الحديث، هذا الحديث ثم أداه وحفظه، ضبط حفظه فأداه لأمة. ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن الصدق طمأنينة»، هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث في هذا الباب. فالصدق طمأنينة، لا يندم صاحبه أبداً، لا يندم صاحبه أبداً، ولا يقول: ليتني لم أفعل، وليتني فعلت؛ لأن الصدق منجاه، والصادقون ينجيهم الله سبحانه وتعالى بصدقهم. فالصادق دائماً تراه مطمئناً، لا يتأسف على شيء حصل أو يحصل في المستقبل؛ لأنه صدق مع الله عز وجل، فصدقه الله، ومن صدق نجا، ومن صدق نجا. نعم. وأما الكذب فهو ريبة، الكذب ريبة، يعني: لا يطمئن، لربما الكاذب إلى نفسه، فضلاً أن يطمئن إليه الناس، فهم لا يصدقونه لما عهد عليه من الكذب. بل إن الكاذب لربما يرتاب بنفسه، يرتاب في نفسه، فيرتاب: هل يصدقه الناس أو لا يصدقونه؟ لأنه يعلم أنه كاذب، يعلم أنه كاذب. فإذا أتى بخبر صدق لكن الناس عرفوا أن هذا كذاب، فلا يصدقون قوله، ولو كان صادقاً فيه، ولو كان صادقاً فيه. فهو الذي عرض نفسه لريبة الناس فيه، ريبة الناس فيه. وكذلك في الأشياء العملية كما تقدم: أن الصدق قد يكون في القول، وقد يكون في الفعل. مثلاً: إنسان معه دكان أو معه محل يبيع ويشتري، وعرف عنه الكذب، يأتي الناس يشترون: "كيف هذه البضاعة؟ هذا طازج حق اليوم"، فإذا بها بضاعة مخزنة معه، وقد بدأ فيها العطب والخراب ونحو ذلك. فالناس إذا علموا كذبه فإنهم ينفرون منه ويبتعدون عنه، ولا يشترون منه مرة أخرى، لا يشترون منه مرة أخرى. الكذب ريبة، يكون هذا الرجل في موضع ريبة من الناس، في موضع ريبة من الناس. أما الصادق فالناس تثق فيه، والناس تقبل عليه؛ لأنه صادق في بيعه وشرائه، في بيعه وشرائه. ولهذا تجد أن الكاذب إذا أخبر بالخبر يكذب ويحلف، لماذا يحلف؟ لماذا يحلف؟ بعض الباعة لأنهم كذابون، فيريدون أن يوثقوا كلامهم بالحلف حتى يصدقهم الناس، لكن إذا علم الناس أن هذا حلفه كاذب فلا يصدقونه، لا يصدقونه. وهذا هو حال المنافقين الذين قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: وقاية، ﴿فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فهذا الحديث يدعو جميعاً إلى أن تحرّى الصدق، فهو طمأنينة في نفسك. فالصادق تجده مطمئناً، تجده كذلك ثابتاً، ثابتاً لا يتغير ولا يتزعزع؛ لأنه صادق مع نفسه، وصادق مع الناس، وصادق مع الله سبحانه وتعالى. بخلاف الكاذب، فإنه يرتاب من نفسه، ويرتاب فيه الناس لما عهد عليه من الكذب. الكذب إذن، نأخذ من هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يدع الكذب، وأن يتحرى الصدق؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «الصدق طمأنينة والكذب ريبة». طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلهنا الله تعالى، شكراً.