وصف الرحلة الدعوية إلى عدد من المراكز العلمية

المحاضرة بعنوان وصف الرحلة الدعوية إلى عدد من المراكز العلمية، والتي كانت بدار الحديث بطيبة - الشحر يوم الجمعة 10 جمادى الأولى 1442هـ الموافق 25 ديسمبر 2020م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

فضل زيارة مراكز أهل السنة

يُبين أهمية زيارة مراكز أهل السنة والجماعة وطلاب العلم والعلماء، مشيرًا إلى الفوائد العظيمة والأجور الكبيرة لهذه الزيارات. يُنصح بزيارة أهل الخير والصلاح لأنها تعزز الإيمان وتزيد من الحسنات.

أثر العلم في صلاح المجتمع

يُوضح أهمية العلم في صلاح الدنيا والآخرة، ويُشير إلى دور انتشار العلم في تقليل الشر ونشر الخير في المجتمع. كما يُبين اهتمام أهل السنة بالعلم ودور مراكز العلم في نشر التوحيد.

زيارة دار الحديث وتفقد مراكز العلم

يتناول تفاصيل زيارة دار الحديث بالفيوش ومركز الشيخ أبي الحسين، واستقبال الشيخ بحفاوة وتناوله لمواضيع مختلفة مثل العجلة والغفلة. كما يُشير إلى لقائه بعدد من الطلاب والمشايخ من مختلف المناطق.

  • 27 جمادى الأولى 1442هـ - 10/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أجارنا الله وإياكم من البدع والضلال والنار. أيها المسلمون عباد الله، كما تعلمون عنوان هذه المحاضرة، وهي في الأصل لشيخنا أبي يوسف حفظه الله تعالى، ولكن مشاركةً يسيرة بين يدي وصفه لهذه الرحلة لمراكز أهل السنة والجماعة. أولًا نحمد الله عز وجل الذي أنعم علينا ونشكره سبحانه وتعالى على نعيم فضله أن يسر لنا زيارة مراكز أو بعض مراكز أهل السنة والجماعة في بعض بلادنا اليمنية، وهذا من توفيق الله ومن رحمته ومن نعمه علينا التي تحتاج منا إلى شكر، فنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. كما أننا نشكر كل من ساعد وساهم وأعان ويسر على إقامة هذه الرحلة، سواء بماله أو بكلمته أو بسيارته أو بإرشاده أو باستقباله أو بأي شيء مما أعان فيه على هذه الزيارة. فلولا الله سبحانه وتعالى ثم إعانة هؤلاء ما كانت هذه الرحلة، ولكن هذا من فضل الله عز وجل علينا. ثم أعلموا وعلموا عباد الله أن زيارة مراكز أهل السنة والجماعة فيها الخير العظيم والفوائد الكثيرة التي لا يعلمها إلا من وقع له ذلك وشاهد هذا الأمر. فزيارة المسلم لأخيه المسلم فقط فيه فوائد وأجور عظيمة، فكيف إذا كانت الزيارة لكثير من المسلمين، وكيف إذا كانت الزيارة لمراكز أهل السنة والجماعة لطلاب العلم بل للمشايخ والعلماء؟ فإن فيها فضل وفوائد تزداد وتتضاعف أكثر وأكثر. فالأنبياء عليهم السلام سعوا إلى زيارة الصالحين وسعوا إلى زيارة أهل الخير وأهل الصلاح ومن كان عندهم علم. فلابد أن نسعى نحن كذلك إلى زيارة أمثال هؤلاء الذين يوجدون في المراكز ونحوها. هذا موسى عليه السلام لما سمع بالخضر على القول الصحيح أنه نبي عليه السلام، سعى إليه وزاره واستفاد منه كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾. انظروا كيف سعى إلى زيارة نبي الله الخضر عليه السلام لأنه من أهل الخير وأهل الصلاح. فزيارة الصالحين وزيارة المراكز وزيارة الأخيار هو من دأب الصالحين، بل هو من دأب الأنبياء، بل من دأب وفعل نبينا عليه الصلاة والسلام. يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس في الصحيح: «ما لك ما تزورنا أكثر مما تزورنا؟» تمنى النبي عليه الصلاة والسلام أن جبريل يزوره أكثر مما يزوره. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. انظروا كيف النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب أن جبريل يزوره لأنه ما يمكن للنبي عليه الصلاة والسلام أن يزور جبريل. إذن سعى في جبريل أن يزوره، فهذا من دأب الأنبياء، بل هو من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام أنه يزور ويزور الأخيار أيضاً. هو من دأب الصحابة زيارة الصالحين وزيارة المراكز التي فيها الصالحين والخير هو من فعل الصحابة ورضوان الله تعالى عليهم. كما في حديث أنس أن أبا بكر قال لعمر: «قم بنا نزور أم أيمن كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يزورها». فسعى أبو بكر الصديق وسعى كذلك عمر معه إلى زيارة أهل الخير وأهل الصلاح. فلما دخلوا عليها بكت، فقالا لها: «ما يبكيك وأنت تعلمين أن ما عند الله هو خير لرسول الله؟» قالت: «ما أبكي ولا أعلم أن ما عند الله هو خير لرسول الله، ولكن أبكي لانقطاع الوحي». فهيجتهما بالبكاء رضوان الله تعالى عليهما. فإذن نستفيد من ذلك أن الصالحين بل الصحابة كانوا يزورون مثل هؤلاء، فهذا يدعو إلى زيارة الصالحين، زيارة العلماء، زيارة المشايخ، زيارة المراكز التي يوجد فيها الخير والصلاح. لأن زيارتك يا عبد الله لمثل هذه المراكز تستفيد أجور عظيمة تكون سبب لنيل محبة الله عز وجل. كما في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أن رجلا زار أخا له في الله فأرسل الله على مدرجته ملك فلما أتاه فقال: أين تريد؟ قال: أريد أن أزور أخا لي في الله في القرية الفلانية. قال له: هل لك من حاجة تربها؟ يعني: هل لك شيء ترده مصلحة؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله. قال: فإني رسول من الله إليك لأن الله يحبك كما أحببته في الله». فزيارتك لماذا تزور المراكز؟ ما هو الفائدة من زيارة المراكز؟ هل لك مصلحة؟ إنما هي زيارة من أناس صالحين وطلاب العلم. فإذا من أجل محبتهم لله زرتهم، فإذا فإن ذلك يدعوك بإذن الله وربما تتحصل على هذا الأجر أن الله عز وجل يحبك كما أحببتهم في الله. فنسأل الله أن يجعلنا منهم. زيارتك يا عبد الله للمراكز ولأهل الخير ولأهل الصلاة وللمشايخ ولطلاب العلم لك أجور عظيمة. كما عند الترمذي وحسنه العلامة الألباني أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناد مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا». الله أكبر، زيارتك لهؤلاء لأهل الخير تكون ماذا؟ ربما سبب لدخولك الجنة. فينبغي لنا عباد الله أن نسعى دائما وأبدا في زيارة الصالحين وزيارة المراكز وزيارة أهل الخير. نعم فيها الفوائد العظيمة. من هذه الفوائد كذلك أنك تكون معهم هؤلاء أهل الخير تتحصل وتكون معهم في الدنيا والآخرة. كما في حديث أنس وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلا قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: والله ما أعددت لها من كثير صوم ولا صدقة ولا صلاة، غير أني أحب الله ورسوله. قال له النبي عليه الصلاة والسلام: المرء مع من أحب». فزيارتك لأهل الخير لأنك تحب أهل الخير، فإذا أنت منهم بإذن الله تعالى. لكن الذي يزور أهل الشر يكون منهم، العياذ بالله. ففرح الصحابة رضوان الله تعالى عليه بمثل هذا الحديث، قالوا: «فنحن نحب الله ونحب رسوله ونتمنى أن نكون معهم». فأنت تحب الصالحين وتحب طلاب العلم وتحب المشايخ والمراكز، فإذا مما يدل على أنك تحب زرهم. هل أنت تزورهم؟ بل المطلوب أن تبقى معهم وتقارنهم وتجعلهم هم أخلاءك. لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل». أنت تتغير تلقائيا بسبب جليسك وبسبب من تجالسه. إن كان الذي تجالسه هو طالب علم أهل الخير أهل الصلاح في المراكز في الخير، فإذا أنت ستكون معه. فلينظر أحدكم من يخالل، انظر من تصاحب، من دائما تزوره، من تكثر الزيارة عليه، من تأتيه دائما وأبدا. فإذا أكثر يا عبد الله من زيارتك لأهل الخير والصلاح، ففيها الفضائل العظيمة والخير الكثير، لا سيما في أيامنا هذه في أيام الفتن والنوازل. المطلوب للإنسان أن يحصن نفسه وأهله وذريته بمراكز أهل السنة والجماعة. فإن لم يتمكن الإنسان قد يقول: «أنا مشغول عندي بعض الأمور». يا عبد الله، إن لم تستطع فلا تبخل على نفسك بزيارتهم بين الحين والآخر، فإن ذلك ينشطه، فإن ذلك يزيدك ويعطيك المعنويات الأكثر، ويحثك على أهل الخير. تأتي مراكز أهل السنة والجماعة وترى ناس فرغوا أوقاتهم وأعمارهم طاعة لله عز وجل، يطلبون العلم يتعلمون ما قاله الله وما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، لا يريدون دنيا لا يتنافسون عليها. ترى المصلي ترى الذاكر ترى الذي يحفظ الأحاديث ترى الذي يحفظ الآيات ترى المتعبد ترى المصلي ترى الخاشع في صلاته ترى الذي يقرأ القراءة الصحيحة ترى الذي يتعلم الأحرف المبتدئ ترى المنتهي ترى المتعلم وترى المبتدئ وترى الشيخ وترى أشياء كثيرة. فإن ذلك يحثك ويدعوك لا بد أن يدعوك إلى أنك تزداد في هذا الخير. فأنصح نفسي وإياكم إخواني في الله وعباد الله أن لا نبخل على أنفسنا من زيارة أهل الخير وأهل الصلاح من زيارة مراكز أهل السنة والجماعة. وهذا هو كان عليه الأوائل وكان الناس عليه من قبل حتى في بلادنا هذه كانت بين الحين والآخر لربما في السنة أكثر من مرة يذهبون الرحلات لزيارة مراكز أهل السنة والجماعة، بل يذهبون شمال اليمن وجنوبها وشرقها وغربها حيثما توجد المراكز. ولكن بسبب الفتن الذي حصلت في بلادنا والمشاكل وقلة الأمن وغلاء الأسعار، ضعفت الهمم واستطاع بعض الناس تقليل من هذه الأمور، ولأسباب أخرى كثيرة. فإذا أحث نفسي وأذكر نفسي وإياكم بالإكثار والسعي بين الحين والآخر، حتى ولو أن الإنسان لربما الواحد منا يذهب هذه المنطقة وهذه البلد والبلد التي فيها مركز يكون له حاجة فيأخذ حاجته الدنيوية ويرجع، بينه وبين مركز أهل السنة ربما ربع ساعة. اذهب يا عبد الله، صلي فرض، فرضين، انظر، تحمس، ترى الناس المقبلة على الله عز وجل، لعل ذلك يدعوه، لعلك تحضر مجلس واحد فتحف فيه الملائكة، ويقال لهم: «قوموا مغفورا لكم». وأنت جئت لحاجة فقط تفاضلا ومرة واحدة، لكن تحصلت على هذا الأجر. لكن لما لا تزور المراكز؟ ولا تزور المشايخ؟ ولا تزور مجالس الذكر والخير؟ أنه يتحصل الإنسان على مثل هذه الأمور. لربما الناس في أمور الدنيا يبدلون الغالي والرخيص والأموال الكثيرة، رحلات دنيوية لأجل الفرح ولأجل الترفيه ولأجل أمور ما يستفيدون فيها في أمور دنيوية في أمور دينهم. ولربما تحصلوا على الإثم، ولا أحد ينكر عليهم. لكن لما يمشي مجموعة من طلاب العلم أو من آخرين إلى زيارة مراكز أهل السنة؟ إيش تريد؟ تزور مسجد؟ ابقى عندك مساجد كثيرة في منطقتك. فينبغي لنا عباد الله أن نبقى في هذه المراكز، ومن لم يستطع فلا يبخل على نفسه من زيارتها بين الحين والآخر. ولربما الواحد منا يعيش في بلده في بلد يوجد فيها مركز، لكن بسبب أعماله لا يتفرغ. فرق نفسك ولو ساعة، ولو يوم، ولو لحظة من يومك أو من أسبوعك أن تأتي وتزور طلاب العلم، وترى الجو المناسب والوقت المتفرغ والمكان الذي هو تفرغت فيه لأجل هذا العلم. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا لذلك. وأترك المجال والوصف الأكثر لهذه الزيارة لشيخنا أبي يوسف حفظه الله تعالى، فليتفضل مشكورا مأجورا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث حديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، جزى الله خيرًا أخانا عائض النمور على هذه الكلمات النافعات في فضل زيارة المسلم لأخيه المسلم، وما ينال من أجور عظيمة من نيل محبة الله جل وعلا التي إذا وفق لها العبد فقد وفق لخيرٍ عظيم في الدنيا والآخرة. ومن أسبابها التزاور في الله كما سمعنا في الأحاديث التي ذكرها. ومن أحاديث معاذ رضي الله تعالى عنه حين قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتباذلين فيَّ». رواه الإمام مالك في الموطأ، وابن حبان في صحيحه، وصححه شيخنا الواجعي رحمه الله في الجامع الصحيح. هكذا يخبر الله عز وجل بوجوب محبته للمتحابين فيه والمتزاورين فيه. أوجب الله عز وجل على نفسه تفضلًا وإكرامًا منه سبحانه وتعالى. وهكذا أيضاً ما يكون لهم من المنازل العالية في الآخرة. ففي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في صحيح الترغيب والترهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لله جل وعلا جلساء يوم القيامة عن يمين العرش وكلت يدي ربي يمين على منابر من نور، وجوههم من نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء». قالوا: «منهم يا رسول الله؟» قال: «المتحابون بجلال الله، المتحابون بجلال الله». انظر إلى هذه الرفعة العظيمة والمنزلة العالية التي ينالها هؤلاء أهل الإيمان الذين كانت محبتهم لله وفي الله جل وعلا. وهكذا كذلك تعلمون فضل العلم الذي هو من أفضل الطاعات والقربات التي يوفق الله عز وجل لها من عباده من شاء. وهو الهدى والنور الذي بعث الله عز وجل به نبيه محمد عليه الصلاة والسلام. كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. قال جماعة من أهل التفسير: «الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح». فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث بالعلم. وفي حديث أبي موسى في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا» الحديث. هكذا يمثل النبي صلى الله عليه وسلم الهدى والعلم الذي بعثه الله جل وعلا به كالغيث الذي ينزل على الأرض. ولذلك فالله جل وعلا أول ما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام من الوحي، أنزل عليه آيات فيها الحث على العلم، وهي أوائل سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. مما يدل على فضل العلم وأهميته. وهكذا امتن الله جل وعلا على نبيه عليه الصلاة والسلام بإنزال القرآن والسنة، قال: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فنشر العلم وبثه وتعليمه سبب عظيم لصلاح الدنيا وصلاح المجتمعات وصلاح الآخرة. يصلح العبد دنياه وآخرته بالعلم. وإذا كثر العلم كثر الخير وقل الشر، وإذا قل العلم كثر الشر وقل الخير. ولذلك تجدون المجتمعات التي يكثر فيها الجهل يكثر فيها الشرك في عبادة الله جل وعلا والتعلق بغير الله وعبادة الصالحين بل عبادة القبور والأشجار والأحجار وغير ذلك من البعبودات التي تعبد من دون الله جل وعلا. وتفشو فيها الذنوب والمعاصي والفواحش من الزنا والمنكرات وغير ذلك من المحرمات. وبالعكس فالمجتمعات التي تكثر فيها العلم وينتشر فيها العلم ينتشر فيها الخير ويقل فيها الشر. ترى التوحيد ظاهرا والشرك وإن كان موجودا فهو قليل. كذلك تجد الإقبال على الطاعة أكثر من الإقبال على المعاصي والذنوب. ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أشراط الساعة أن يقل العلم ويكثر الجهل ويظهر الزنا ويشرب الخمر ويقل الرجال ويكثر النساء. حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد كما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن قلة العلم سبب لقلة الخير وانتشار الشر فيكثر الجهل وتظهر الفواحش والمنكرات بسبب ذهاب العلم وقلته. ولذلك وفق الله جل وعلا أهل السنة والجماعة لسلوك طريق النبي عليه الصلاة والسلام في الاهتمام بهذا الهدى الذي بعثه الله جل وعلا به. فهم من أكثر الناس إرثا لإرث النبي صلى الله عليه وسلم، فإن إرثه هو العلم. كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر». وفي حديث معاوية في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». «ولتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، ليضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فذكر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث فضل التفقه في الدين، وأن من أفقه الله عز وجل لذلك فقد أراد الله عز وجل به الخير. حيث اختاره من بين خلقه لأن يتفقه ويتعلم أحكام هذا الدين. ثم ذكر بعد ذلك أنه لا تزال طائفة من أمته عليه الصلاة والسلام على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم. وفي بعض الروايات: «من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فما المناسبة بين ذكر الفقه في الدين في أول الحديث ثم ذكر هذه الطائفة الناجية؟ قال بعض أهل العلم: «في هذا دلالة وعلامة على أن من سمات وعلامات هذه الطائفة الناجية أو فرقة المنصورة وطائفة الناجية هو الاهتمام بالعلم، هو الاهتمام بالعلم». هذه من أظهر علاماتهم وسماتهم. فإذًا تجد أهل الحديث وأهل السنة والجماعة في كل مكان من بقاع الأرض من أشد الناس اهتماماً وإقبالاً على العلم. فأعمارهم وأوقاتهم وحياتهم كلها في العلم، تعليم للناس دين الله جل وعلا، أو في باب التأليف، أو في باب الدعوة إلى الله جل وعلا، وغير ذلك من أبواب العلم. وقد منَّ الله جل وعلا على أهل هذه البلاد اليمنية المباركة بمراكز للعلم ودور للحديث التي تجمع فيها من أحب أن يتعلم ويتفقه في دين الله جل وعلا، فينفع نفسه ويرفع الجهل عن نفسه، ويعبد الله عز وجل على علم وبصيرة. وكان من أوائل هذه المراكز مركز شيخنا الإمام المحدث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله، هذا المركز المبارك الذي نفع الله عز وجل به نفعا عظيما. وكان في بلاد صعدة في قرية دماج. كم نفع الله عز وجل بهذا المركز لصدق الشيخ رحمه الله، نحسبه كذلك والله حسيبه. فنفع الله به نفعا عظيما، وتخرج من هذا المركز من تخرج من حفاظ القرآن ومن الدعاة إلى الله جل وعلا ومن القادة ومن المشايخ والعلماء. وتفرعت عن هذا المركز مراكز عديدة. وكان من أشهرها مركز الشيخ الفاضل محمد بن عبد الله الإمام بمعبر، وهكذا مركز الشيخ المفضال عبد العزيز البرعي رحمه الله بمفرق حبيش. فكانت هذه من أوائل المراكز التي تفرعت عن مركز شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله. ثم يسر الله عز وجل بإقامة ذلكم المركز المبارك في جنوب اليمن، وهو مركز شيخنا الفقيه الراحل رحمه الله عبد الرحمن بن عمر بن مرعي رحمه الله، مركز دار الحديث بالفيوش. ثم يسر الله عز وجل بإقامة مراكز عدة في جنوب اليمن وفي شمالها. فأحب إخواننا وطلاب هذه الدار أيضا لا ننسى إقامة هذه الدار دار الحديث في الشهر، فهي أيضا قديمة. فأحب بعض طلاب هذه الدار أن يقوموا بزيارة لبعض مراكز ودور الحديث في اليمن. وكان القائم على هذه الرحلة والمدير لها أخونا عائض حفظه الله وبارك الله جل وعلا فيه. فكان المقصد وكانت النية لزيارة المراكز التي في جنوب اليمن وفي المناطق المحررة من بطش الحوثي، كمركز المخا. وكانت النية موجودة وإن كانت الأمور المادية كانت ضعيفة، لكن بتوفيق الله جل وعلا ومنه وفضله. ولعل ذلك من صدق القائمين على هذه الرحلة ورغبتهم في ذلك. يسأل الله سبحانه وتعالى هذه الأمور من حيث لا نحتسب، من حيث لا نحتسب فيسأل الله عز وجل ما نحتاجه في هذه الزيارة من التنقلات من هنا وهناك، من مسافات بعيدة. فأعان الله جل وعلا ويسر بفضله وكرمه وجوده. فتهيأ الإخوة حفظه الله لهذه الرحلة. وكان ابتداء ذلك في يوم الاثنين التاسع والعشرين من ربيع الثاني عام ألف وأربعمائة واثنين وأربعين للهجرة. فكانت تحرك الصباحا إلى الشبوة إلى مدينة عتق لزيارة مركز دار أو مدينة السلام التي يقوم عليها الشيخ الفاضل أبو الحسين حسن عليوة حفظه الله. وكان الوصول إلى تلكم الدار المباركة قبل العصر بربع ساعة تقريبا لطول المسافة. واستقبلنا الإخوة القائمون على هذه الدار استقبالا حافلا، ورحبوا بنا. وكان أيضا في استقبالنا الشيخ جميل الشجاع. وأما الشيخ أبو الحسين فإن لم نتق به لأنه كان في عدن بسبب مرض أحد أبنائه فتأخر في علاجه. فرحبوا بنا حفظهم الله ترحيبا طيبا، وأكرمون حفظهم الله. ثم كانت الكلمة في العصر عند أخينا محمد بن عبد الله بالرعية حفظه الله، فتكلم بما فتح الله عليه في ذلكم الوقت. ثم كانت جلسة بعد العصر مع الشيخ جميل الشجاع حفظه الله، هو الشيخ متواضع وكذلك ذو خلق حسن. فأجلس مع إخوانه وألقى نصيحة في الاهتمام بالنصيحة وذكر حديث أبي رقية تميم الداري في قوله عليه الصلاة والسلام: «الدين النصيحة». وما ينبغي أن يكون المسلم مع أخيه المسلم في بذل النصيحة وترك الفضيحة. ثم كانت المحاضرة بين مغرب وعشاء بيني وبين أخي عائض حفظه الله، فتكلم قبل ذلك أحد إخواننا القائمين على الدار ورحب بإخوانه. فتكلم أخونا عائض حفظه الله عن شرح حديث ابن عمر في ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن مثل المؤمن كمثل النخلة، وذكر أوجه عديدة وأمثلة كثيرة في وجه التشابه بين النخلة وبين المؤمن، فأجاد وأفاد جزاه الله خيرا. ثم كانت لنا كلمة بعد ذلك حول نصائح لطلاب العلم في طلب العلم والإخلاص فيه وغير ذلك من الأمور التي لا يستغني عنها طالب العلم في طلبه للعلم. وبعد صلاة العشاء ألقى الشيخ جميل حفظه الله كلمة معقبا على هذه المحاضرة، فجزاه الله خيرا على ما قام به. ثم كانت الضيافة فأكرمونا جزاهم الله خيرا في العشاء. ثم بعد الفجر كانت الكلمة عند أخينا الفاضل الخالد بسعد حفظه الله، فتكلم عن حديث أبي ذر الطويل في الفتنة والتحذير من الخوض فيها، فأجاد وأفاد جزاه الله خيرا. ثم صروا أن نفطر عندهم قبل أن نتحرك إلى مركز دار الحديث بالفيوش ومركز الشيخ أبي الحسين مركز عامر بالطلاب فيه نحو خمسين طالبا أو أكثر من ذلك، وفيه كذلك أيضا مدرسون كثر والخير فيه ظاهر جزاهم الله جل وعلا خيرا ونفع الله عز وجل بهم الإسلام والمسلمين. ثم كان الانطلاق في صباح يوم الثلاثاء الثلاثين من ربيع الثاني إلى مركز شيخنا أبي عبد الله عبد الرحمن بن عمر المرعي رحمه الله، وهو مركز دار الحديث بالفيوش، والفيوش هي تابعة لمنطقة لحج. فانطلقنا في الصباح في الساعة الثامنة. وكان الوصول إلى المركز كذلك قبل العصر أو بعد العصر. نعم وصلنا بعد العصر قبيل المغرب بنحو عشرين دقيقة كذلك لطول المسافة وثقل الباص، فالباص مليء بالطلاب يعني نحو ثلاث وثلاثون طالبا. نعم وتعرفون الباص الديزر الثقيل في المشي. فلذلك كانت كانت الوصول إلى المراكز المقصودة فيها شيء من التأخر. فوصلنا عندهم قبيل المغرب، فاستقبلنا الإخوة حفظهم الله وبعض المشايخ كشيخ فواز العدني حفظه الله. ثم كانت المحاضرة بين مغرب وعشاء، فقام أحد المشايخ هو الشيخ صديق الشميري حفظه الله بالتقديم والترحيب بإخوانه. فتكلم أخونا عائض حفظه الله عن موضوع العجلة وذكر شيء من خطورة هذا الخلق الذي إذا تخلق به المسلم أوقع في الندم. ثم كانت الكلمة لي بعد ذلك في نفس الموضوع. وبعد ذلك كانت صلاة العشاء ثم اللقاء بإخواننا من طلاب العلم ومن المشايخ والدعاة. وكان من ذلك أيضا بعض إخواننا من بلاد كينيا الذين كانوا يدرسون في مركز كيليف الذين ذهبت عندهم قبل سنوات فرأيت مجموعة منهم جاءوا لطلب العلم جزاهم الله خيرا. وهكذا التقينا بالمشايخ الفضلاء الشيخ أنيس المهندس وهو النائب عن شيخنا عبد الله بن عمر حفظه الله في هذه الدار. فتعلمون بعد مقتل الشيخ عبد الرحمن رحمه الله كان الاختيار لشيخنا عبد الله بن عمر أن يقوم على هذه الدار. فكان ينوبه في القيام بشؤونها وإدارتها أخونا الشيخ أنيس المهندس اليافعي حفظه الله. وهكذا أيضا بقية المشايخ الشيخ أبو حاتم الظالعي والشيخ عبد الرحمن السقاف وهكذا الشيخ علي بن غالب اليافعي وهكذا الشيخ عبد الله بن سالم الردفاني وغيرهم من المشايخ الكثر الذين يقومون على هذه الدار المباركة. ودار الحديث بالفيوش هي تعتبر من أكبر الدور وأكثرها طلابا ومشايخ وأساتذة في جنوب اليمن. فهي أكثر الدور وكثرة الطلاب فيها ظاهر. وهكذا العوائل كذلك كثر. فالمسجد يعني مزدحم بالطلاب وحلقات العلم. وهكذا أيضا دعوة النساء كذلك فقد ذكرنا الإخوة أنه يوجد للنساء نحو طابقين قد يمتلئان. وهكذا الطابق الثالث كذلك يمتلئ من كثرة النساء بل ربما ردوا بعض النساء لعدم وجود سعة لقبولهم. انظروا إلى هذا الخير العظيم وهذا الإقبال الكثير على هذا المركز المبارك الذي أسسه شيخنا رحمه الله في حياته على صدق وإخلاص وإرادة للخير نحسبه كذلك رحمه الله جل وعلا رحمة واسعة. فلذلك أبقى الله عز وجل هذا الخير بعد موته بل انتشر وكثر بعد موته رحمه الله. ثم جلسنا عند الإخوة في مركز دار الحديث في الفيوش إلى يوم الأربعاء. وطلب أحد إخواننا إلقاء محاضرة في عدن في مسجد الفردوس الذي يقوم عليه أخونا الشيخ الفاضل عبد الغفور اللحجي حفظه الله. ففي يوم الأربعاء انطلقنا بعد الغداء قد أكرمونا حفظهم الله غاية الإكرام جزاهم الله خيرا. وهكذا أيضا كان في الضيافة مسؤول الضيافة أخونا محمد بن سالم اليافعي وهو يعني شاب ذو ابتسامة لا تفارق وجهه جزاه الله عز وجل خيرا على حسن إكرامه وعنايته بإخوانه. فتحركنا بعد الغذاء إلى عدن فتوجهنا إلى منطقة العريش إلى مسجد السنة في تلك المنطقة حيث يقوم على هذا المسجد أخونا الشيخ الفاضل عبد الرحمن بادح حفظه الله. فزرناه وفرح بهذه الزيارة فرحا شديدا فرحب بإخوانه. ثم ألقينا كلمة بعد صلاة العصر. ثم جلسنا معه حفظه الله جلسة مختصرة لأننا كنا على عجلة لإدراك الوقت في محاضرة الفردوس. ثم انطلقنا إلى جامع الفردوس الذي يقوم عليه أخونا الشيخ عبد الغفور اللحجي حفظه الله، هو جامع كبير وقد قيمت فيه دورات علمية باسم شيخنا عبد الرحمن رحمه الله، إما الدورة الأولى والدورة الثانية وكان الإقبال يعني عليها كبيرا. فبعد صلاة المغرب رحب حفظه الله بإخوانه ثم كانت المحاضرة بين مغرب وعشاء، فتكلم أخونا عائض حفظه الله عن الغفلة وبيان خطورتها وضررها. ثم كنت وأكملت هذا الموضوع وتكلمت كذلك عن الغفلة وذكر شيء من أسبابها والتحذير منها. وبعد صلاة العشاء جلسنا مع الشيخ حفظه الله في محل الضيافة وقاموا بإكرامنا حفظهم الله وبرك الله عز وجل في مالهم. وأيضا جلسنا جلسة ودية معه حفظه الله. ثم رجعنا بعد ذلك إلى مركز الفيوش وبتنا هنالك للاستعداد للسفر إلى منطقة المخا. وفي الصباح وألزم الإخوة على أن نفطر عندهم قبل أن نتحرك فأتوا بالفطور. ثم توجهنا في صباح ذلكم اليوم