باب الصدق من رياض الصالحين 1

باب الصدق من رياض الصالحين 1

الدرس في باب الصدق من رياض الصالحين 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تعريف الصدق في القول والفعل

يشرح المقطع مفهوم الصدق كما ورد في رياض الصالحين، معرفاً الصدق في القول بمطابقة الخبر للواقع، وفي الفعل بتطابق الباطن مع الظاهر وإخلاص العمل لله. ويضرب مثالاً بالمنافقين الذين ظاهروا الإيمان وباطنهم الكفر فنفاهم الله عن الصدق.

قصة الثلاثة الصادقين في غزوة تبوك

يبيّن المقطع أن الصدق مطابقة القول للواقع والظاهر للباطن، ويعرض قصة الكذابين والمنافقين الذين اعتذروا بأعذار كاذبة عند عودة النبي من تبوك، مقابل الثلاثة الذين اعترفوا بذنبهم بصدق فنزلت فيهم آية ﴿كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وأمر النبي بهجرهم.

توبة المتخلفين وفضل الصدق في القرآن

يسرد المقطع قصة توبة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك ونزول قرآن بتوبتهم، مستدلاً بآيات تحث على الصدق وتبيّن أن عاقبته حميدة ومغفرة وأجر عظيم، مقابل تحذير من عاقبة الكذب والنفاق.

ختم باب الصدق والاكتفاء بالآيات والأحاديث

أشار المتحدث إلى أنه انتهى من عرض الآيات المتعلقة بالصدق ثم الأحاديث، واكتفى بهذا القدر في الجلسة الحالية، مختتماً بالقول: وإلى هنا، والله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصدق: بعدما انتهى من كتاب الصبر، شرع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر باب الصدق. والصدق من الأخلاق العالية والآداب السامية التي ينبغي للمسلم أن يتحلى بها. ومعنى الصدق: مطابقة الخبر الواقع. هذا هو الأصل في معنى الصدق. فإذا قلت مثلًا: "اليوم يوم الاثنين"، فهذا القول مطابق للواقع، وهذا الخبر مطابق للواقع: اليوم يوم الاثنين. لكن لو قلت: "اليوم يوم الأحد"، فهذا الخبر مخالف للواقع، فهو كذب. فالكذب هو ضد الصدق. والصدق كما أنه يكون في الأقوال، كذلك يكون في الأفعال. عرفنا الصدق في الأقوال وهو مطابقة الخبر للواقع، فما هو الصدق في الأفعال؟ الصدق في الأفعال: أن يكون الإنسان باطنه موافقًا لظاهره، في حيث أنه إذا عمل عملًا يكون موافقًا لما في قلبه. فمثلًا: الإنسان يصلي، فإذا كانت هذه الصلاة لله ومن أجل ابتغاء مرضاة الله، فهذا المصلي صادق في فعله، في فعله هذه الصلاة. لكن لو صلى المصلي وهو مراءٍ من أجل أن يراه الناس، كحال المنافقين، فهذه الصلاة وهذا الفعل لا يكون صاحبه صادقًا. لماذا؟ لأن باطنه خالف ظاهره، فقلبه ليس فيه إخلاص لله سبحانه وتعالى. وقس على ذلك. ولذلك، المنافقون نفى الله عز وجل عنهم الصدق وأثبت لهم الكذب، لأن بواطنهم تخالف ظاهرهم، كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. المنافقون يصلون مع الناس، وربما خرجوا في بعض الغزوات مع النبي عليه الصلاة والسلام، فظاهروا فعلهم هذا أنهم من المسلمين، لكن بواطنهم مليئة بالكفر والنفاق والغل والحقد على الإسلام والمسلمين. فهؤلاء ليسوا بصادقين. فإذا طابق باطن الإنسان ظاهره، فهذا هو الصادق في الأفعال. هذا هو الصادق في الأفعال. وكذلك قد يكون الفعل له علاقة بالقول. فلو قال إنسان مثلًا: "أنا سأفعل وسأفعل"، ولم يفعل شيئًا، فإذا خبره هذا مخالف للواقع فهو كاذب. لكن لو قال: "سأفعل وسأفعل"، وفعل ذلك، فهنا يكون صادقًا، يكون صادقًا. فقد يكون هناك علاقة بين القول والفعل، وقد يكون هناك علاقة بين الظاهر والباطن، فكل ذلك بحسب صدق صاحبه. فالصدق في الأقوال: أن يكون مطابقًا للواقع. والصدق في الأفعال: أن يكون ظاهره كباطنه، أي أنه صادق في فعله هذا، وليس هناك ثمة أمر يخالف فعله، يخالف فعله. نعم. ثم استدل المؤلف بثلاث آيات في كتاب الله عز وجل تحث على الصدق وتدعو إليه. الآية الأولى: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وهذه الآية ذكرها ربنا عز وجل بعد ذكره لتوبة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن هذه الغزوة وليس لهم عذر، ليس لهم عذر. فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من المعركة، جاءوا كغيرهم من الناس، وممن كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المتخلفين المنافقون، فيعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأعذار كاذبة. منهم من يقول مثلًا: "عندي عمل"، وهو ليس عنده عمل، أو "ليس عندي استطاعة"، وهو عنده استطاعة. يعني قوله يخالف فعله ويخالف الواقع الذي هو عليه، كما أخبر الله عز وجل عنهم، أي المنافقون: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. لكن هؤلاء الثلاثة صدقوا الله، فجاءوا وقالوا: "يا رسول الله، ما لنا عذر، وتخلفنا هكذا بدون عذر، النفس الأمارة بالسوء سولت لهم التأخر عن الغزوة هذه". فأتوا بالصدق. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "أمركم إلى الله"، اذهبوا. وأمر بهجرهم، أمر بهجرهم خمسين ليلة. وبعد انتهاء الأربعين من الخمسين، أمر باعتزالهم لنسائهم. فلما انقضت الخمسون ليلة، أنزل الله عز وجل توبتهم، وبيّن صدقهم، فقال: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ إلى آخر الآية. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وهذا فيه أن الصدق، أن الصدق عاقبته حميدة. فلما صدقوا الله وصبروا، ولم يبدلوا ولم يغيروا ولم ينحرفوا، بل ثبتوا على دين الله مع الشدة التي لقوها من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من الهجر ونحو ذلك، إلا أنهم صدقوا الله، فأنزل الله سبحانه وتعالى توبتهم من فوق سبع سماوات، وفي كتابه آيات تتلى إلى يوم الدين. فهذا فيه حث على الصدق، وأن الصدق عاقبته حميدة. وقال الله عز وجل: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في ذكر صفات المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والقانتين والقانتات، والصادق... إلى آخر الآية. ثم قال في آخرها: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. أي: أعد الله لكل من سبق ذكره في أول هذه الآية، ففيه أن الصادقين والصادقات لهم مغفرة وأجر عظيم، وأجر عظيم لأنهم داخلون في معنى هذه الآية. وذكر الآية الثالثة، وهو قول الله عز وجل: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾. أي: لو عاملوا الله بالصدق لكان خيرًا لهم. ولكن، أي المنافقون، عاملوا الله بالكذب، فنافقوا وأظهروا خلاف ما في قلوبهم. وهكذا عاملوا النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، فأظهروا أنهم متبعون له وهم مخالفون له. فلو صدقوا الله بقلوبهم وأعمالهم وأقوالهم لكان خيرًا لهم، ولكن كذبوا الله فكان شرًا لهم. ووجه الشاهد من هذه الآية: أن الصدق كله، أن الصدق كله خير، أن الصدق كله خير. فإذا صدقت الله، فالله عز وجل يصدقك، والله سبحانه وتعالى يوفقك، والله سبحانه وتعالى يتوب عليك. فالصدق عاقبته حميدة. وهكذا آيات كثيرة تحث على الصدق، منها قول الله عز وجل: ﴿يُجْزِي اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. فجزاء الصدق جزاء عظيم، وعد الله عز وجل أهله به في يوم القيامة، في يوم القيامة. هذه الآيات التي ذكرها في باب الصدق، ثم ذكر الأحاديث. فنكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.