الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 23، ألقاها
يعرض هذا المحور ثلاثة أحاديث من باب واقعة الجمل رواها البخاري بأسانيدها، متضمنة إرسال عليٍّ لعمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة. كما يوضح الحوار الذي دار بين عمار وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري، وإعطاء أبي مسعود حلتين لعمار وأبي موسى.
يشرح المقطع حديث أبي بكرة عن نفع الله له بكلمة سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم أيام واقعة الجمل، مبيناً ملابسات خروج عائشة وطلحة والزبير للمطالبة بدم عثمان. ثم ينتقل لذكر حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" عند علم النبي بولاية ابنة كسرى، مستدلاً به على عدم جواز تولي المرأة للإمارة والقضاء عند الجمهور.
يستعرض هذا المحور أقوال الأئمة في جواز شهادة المرأة وولايتها في العقود، ثم ينتقل لذكر وقعة الجمل وصفين وموقف عمار بن ياسر مستدلاً بحديث «تقتله الفئة الباغية» على حقية علي رضي الله عنه. وينقل مذهب النووي في حسن الظن بالصحابة وأنهم مجتهدون معذورون، وأن علياً كان المحق في تلك الحروب.
يؤكد المقطع حرمة النيل من أي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أنهم جميعاً مجتهدون مأجورون سواء أصابوا أو أخطأوا. ويشير إلى أن لهم حسنات عظيمة ومواقف مشرفة تدل على سابقيتهم ومكانتهم الرفيعة عند الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي مولاهم رحمه الله تعالى: «باب». قال: حدثنا عثمان بن الهيثم، قال: حدثنا عوف، وهو ابن أبي جميلة الأعرابي، قال: حدثنا - أو عن - الحسن، وهو ابن أبي الحسن البصري سيد من سادات التابعين، قال: عن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي صحابي جليل، قال: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل، لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارساً ملكوا ابنة كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». وقال رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن محمد، وهو ها هنا كما نص على ذلك الحافظ رحمه الله أنه المسندي الجعفي رحمه الله تعالى، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدثنا أبو حسين، وأبو حسين اسمه عثمان بن عاصم، قال: حدثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي، وهو كوفي، وقد نص أنه ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، ليس له في البخاري إلا هذا الحديث، وقد وثقه العجلي والدارقطني وغيرهما. قال: «لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي، فقدم علينا الكوفة، فصعد المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار، وقام عمار أسفل من الحسن، فاجتمعنا إليه، فسمعت عمار يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم أإياه تطيعون أم هي». وقال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا ابن أبي غنية، وأبو نعيم كما تقدم معنا أنه الفضل بن دكين، إمام من أئمة المسلمين وحافظ من حفاظ الأمة، غير أنه عيب عليه أخذ الأجرة على التحديث، وقد اعتذر عن ذلك أنه كان محتاجاً إلى ذلك، والمحدثون كانوا يشغلونه عن أن يتكسب لعياله، ولهذا كان يقول: يلومونني على الأجرة وفي بيتي ثلاث عشرة نفساً، وليس في بيتي رغيف، وليس في بيتي رغيف. ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن من كان يشغله الحديث وهكذا تعليم المسلمين عن أن يتكسب لعياله، يجوز له أن يأخذ الأجرة على التحديث، ولا شك أن من يستغني يغنه الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: حدثنا ابن أبي غنية، وهو عبد الملك بن حميد، وهكذا ذكروا عنه أنه ليس له في البخاري إلا هذا الحديث. قال: قال: عن الحكم، والحكم هو ابن عتيبة، قال: عن أبي وائل، وتقدم معنا أنه شقيق بن سلمة مخضرم. قال: «قام عمار على منبر الكوفة، فذكر عائشة، وذكر مسيرها، وقال: إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم». وقال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا بَدَل بن المحبر، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرنا عمر، والظاهر أنه ابن دينار الجمحي، أو ماذا؟ ذكر الحافظ رحمه الله أنه عمر بن مرة كما جاء مصرحاً به في رواية أحمد بن حنبل عن محمد بن جعفر، وهكذا أيضاً جاء عند الإسماعيلي وغيره. قال: عن عمر، أو قال: أخبرني عمر، كما سبق أنه ابن مرة، قال: سمعت أبا وائل يقول: «دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم، فقال: ما رأيناك أتيت أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت، فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمراً أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر، وكساهما حلة حلة، ثم راحوا إلى المسجد». وفي هذه الرواية ماذا فيها؟ احتمال من الذي كسى الآخرين حلة حلة؟ وسيأتي في الرواية التي بعدها أن أبا مسعود الأنصاري هو الذي كسى عماراً وأبا موسى حلة حلة؛ لأنه كان أيسرهما. وقال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عبدان، وهو عبد الله بن عثمان بن جبلة، قال: عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل الذي تقدم قريباً، قال: «كنت جالساً مع أبي مسعود، وأبو مسعود هو الصحابي الجليل عقبة بن عمر، وقيل ابن عامر، أنصاري بدري، قال: وأبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، وعمار، وهو بن ياسر، فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك، وما رأيت منك شيئاً منذ صحبت النبي صلى الله عليه وسلم أعيب عندي من استسرائك في هذا الأمر، قال عمار: يا أبا مسعود، وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا - يعني أبا موسى - ولا من صاحبك هذا شيئاً منذ صاحبتما النبي صلى الله عليه وسلم أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر - يعني مناصرة علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، فقال أبو مسعود، وكان موسراً: يا غلام، هاتي حلتين، فأعطي إحداهما أبا موسى والأخرى عماراً، وقال: روحا فيه إلى الجمعة». أورد البخاري رحمه الله تعالى في هذا الباب الذي كما ترون جاء في بعض النسخ ماذا؟ من غير ترجمة، وسقط في البعض الآخر ماذا؟ لفظة «باب»، لفظة «باب». وأورد في هذا الباب ثلاثة أحاديث، كلها تتعلق بواقعة الجمل، كلها تتعلق بواقعة الجمل. والحديث الثالث ذكره من رواية ثلاثة، من رواية ثلاثة. وذكر الحديث الأول، ألا وهو حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي رضي الله تعالى عنه، قال: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل». وقوله: «بكلمة»، هذا فيه دليل على جواز إطلاق الكلمة على الكلام الكثير، يقال: قام الخطيب فألقى كلمة، وماذا يكون؟ قد تكلم بكلام كثير، فهذا جائز في لغة العرب إطلاق الكلمة على الجمل العديدة، وهكذا على الكلام الكثير. قال: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل». وقوله: «أيام الجمل»، ماذا فيه؟ تقديم وتأخير. قوله: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل»، هذا فيه تقديم وتأخير، والتقدير: أي نفعني الله أيام الجمل بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أولاً سمع الكلمة من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم متى انتفع بها؟ حين أن وقعت واقعة الجمل، حين أن وقعت واقعة الجمل، وذلك في أواء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، رضي الله تعالى عنه. قال: «لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل». وقوله: «أيام الجمل»، أراد بالجمل ذلكم البعير العظيم الذي اشتراه يعلى بن أمية رضي الله تعالى عنه، وكان عاملاً لعثمان على صنعاء، قدم حاجاً، وكان مما فعله أن ساند طلحة والزبير، فاشتر - أعطاهما من الدنانير، وهكذا أعطاهما ما يحمل عليه الفرسان، وكذلك أيضاً اشترى هذا الجمل العظيم بثمانين ديناراً، بثمانين ديناراً، ووضع عليه هودج عائشة، فسميت تلكم الواقعة بواقعة الجمل، بواقعة الجمل. وكان سبب خروج طلحة والزبير، وهكذا عائشة، بأفيا في بداية خلافة أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ليس من أجل الملك والسلطان، وإنما مطالبة بالثأر من قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه. خرج طلحة والزبير معتمرين إلى مكة، فلقي أم المؤمنين عائشة راجعة من الحج، فتشاور معها، فعزموا على الذهاب إلى البصرة يستنفرون الناس لأخذ الثأر من قتلة عثمان رضي الله تعالى عنه. وخاف علي أن الأمر ينتشر وأن الفتنة تعظم، فخرج رضي الله تعالى عنه، وصار ما صار بعد ذلك من تلك الواقعة العظيمة التي هي عرفت فيما بعد بواقعة الجمل. نُصِبَ إلى جمل عائشة الذي كان قد اشتراه يعلى بن أمية، ذلك من الجمل كان يسمى «عسكر»، كان يسمى «عسكر». وعائشة رضي الله تعالى عنها لما بلغت إلى مكان قريباً من ديار بني عامر، عند بئر تسمى بالحوأب، فنبحت الكلاب، فسألت، فسألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أين نحن؟ قالوا: عند بئر الحوأب، فعزمت رضي الله تعالى عنها على أن ترجع، وذكرت، وذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تتكن تنبحها كلاب الحوأب»، كلاب الحوأب. فكانت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، فعزمت على أن ترجع، وألح عليها من كان معها أنها تقدم إلى البصرة، فيجعل الله على يدها صلحاً عظيماً، صلحاً عظيماً. فطلحة والزبير وعائشة ما خرجوا لأجل فتنة، وإنما خرجوا لأجل الإصلاح، وكذلك أيضاً أخذ الثأر ممن تجرأوا على قتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال: «لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن فارساً ملكوا ابنة كسرى». كسرى لقب يطلق على كل من ملك بلاد فارس. ومما ينبغي أن يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما راسل الملوك والأمراء، كان من أولئك الملوك كسرى، أرسل إليه كتاباً، لكنه أساء الأدب مع كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام ومزقه، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما فعله، دعا عليهم أن يمزقوا كل ممزق. فَسُلِطَ الله على كسرى هذا - صلى الله عليه - ابنه شيرويه، وشيرويه هو ابن أبرويز بن هرمز - صلى الله عليه - ابنه شيرويه، فقام وقتل أباه، قام وقتل أباه، لماذا؟ حرصاً على الملك. فبعد أن قتل أباه، قام وتآمر على إخوته، فقتلهم حتى لا ينازعوه الملك. ولم يدم طويلاً شيرويه هذا، فقد ذكروا أن أباه لما أحس بتآمر الابن عليه، قالوا: وضع له في بعض الخزائن سماً، وكتب على هذا السم: «حق الجماع»، أكذا ذكروا؟ رحمة الله عليهم، يعني أن من شرب منه كذا وكذا جامع كذا وكذا، فقام وشرب بعضه، فلم يستمر إلا نحواً من ستة أشهر، فمات بعدها. أكد ذكر ذلك بعض أهل العلم، ومنهم الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى، كما في كتاب المغازي من هذا الصحيح. فلما مات شيرويه، لم يبقَ أخ، ولم يبقَ ابناً ذكراً، وإنما أبقى ابنة واحدة، فخافوا أن الملك يخرج من هذا البيت، فقاموا وملكوا هذه البنت، قاموا وملكوا هذه البنت، وكانت تسمى «بوران»، بوران ابنة شيرويه، فملكوها. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قال هذه الكلمة العظيمة: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». قال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: قال في هذا الحديث: أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء. المرأة لا يجوز أن تولى الإمارة، لا تكون رئيسة ولا ملكة، ولا كذلك أيضاً محافظة ولا مأمورة، ولا غير ذلك من المناصب، وهكذا لا يجوز أن تلي القضاء، القاضية امرأة، هذا لا يجوز، وهو الذي عليه الجمهور من أهل العلم، خلافاً لمن أجاز ذلك كالإمام الطبري. وهكذا جاء رواية عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وعن أبي حنيفة أنه أجاز لها أن تلي ما يجوز لها، أو ما يجوز فيه شهادة المرأة، ما يجوز فيه شهادة المرأة كالأموال وغير ذلك، كالأموال وغير ذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. نعم. وهكذا أيضاً أخذ العلماء من هذا الحديث أن المرأة لا يجوز لها أن تزوج نفسها، أن تزوج نفسها، وهكذا لا يجوز لها أن تلي عقد غيرها، تأتي امرأة فتكون وكيلاً عن غيرها من النساء فتعقد لها، هذا كله مما لا يجوز، هذا كله مما لا يجوز. ثم ذكر كذلك أيضاً حديث أبي مريم عبد الله بن زياد الأسدي، ذكر: «لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، بعث علي عمار بن ياسر وحسن بن علي»، أي الحسن بن علي بن أبي طالب، فقدم علينا الكوفة، فصعد المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن. وذكر العلماء جواز أن يكون الصغير أرفع من الكبير؛ لأن عمار كان أكبر سناً من الحسن، لكن اعتذر في ذلك أن الحسن كان أميراً على من معه ومنهم عمار، وقيل: عمار رضي الله تعالى عنه جلس أسفل من الحسن تواضعاً وتقديراً لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا حفيده وسبطه، هذا حفيده وسبطه، وابن أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنهم. قال: «فاجتمعنا إليه، فسمعت عمار يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، والله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة». وهذا قد دلت عليه دلائل السنة، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم هن أزواجه في الدنيا، وكذلك أيضاً هن أزواجه في الجنة. قال: «ولكن الله تبارك وتعالى ابتلاكم ليعلم أإياه تطيعون أم هي». وكما هو معلوم، إنما طاعة في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وهكذا أيضاً ذكر العلماء أن هذا يدل على ما كان عليه عمار رضي الله تعالى عنه من صدق اللهجة، وأنه لم تحمله الخصومة عن أن ينال من أم المؤمنين عائشة، لكنه أنصفها وتأدب معها، وهكذا ينبغي على المؤمن أن يكون مع خصمه ومن يخالفه، ليس بمجرد خلاف يقع بينك وبين أخيك فلربما قلت فيه ما ليس فيه، وهكذا زدت وبالغت في الخصومة، فهذه ليست من خصال المؤمنين، وإنما هي من خصال المنافقين، قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا خاصم فجر». وهكذا استدل العلماء بهذا الحديث وأمثاله على أن الحق كان مع علي، لماذا الحق كان مع علي؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية»، «تقتله الفئة الباغية». وهكذا جاء بألفاظ أخرى غير هذا، غير هذا. فكان عمار مع علي، وقد قتل في صف علي في معركة صفين، في معركة صفين. فالذي عليه المحققون من أهل العلم أن علياً رضي الله تعالى عنه كان محقاً، سواء كان في واقعة الجمل، أو كان في واقعة صفين بينه وبين معاوية، ومن كان مع الفريقين، أو ما كان في غيرهما من المعارك كالنهروان التي كانت بين علي والخوارج، وهذه لا شك ولا ريب أن الخوارج كانوا بغاة، أن الخوارج كانوا بغاة. وهكذا ذكر ما يتعلق بقصة أبي موسى وأبي مسعود مع عمار رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وأن أبا موسى وأبا مسعود عابا على عمار إسراعه في مناصرة علي، وكان يريان أن الأليق والأنسب أنه يتريث، وأنه يتوقف، وأنه يعتزل الفريقين. وعمار رضي الله تعالى عنه - وعمار رضي الله تعالى عنه - كان يعيب عليهما إبطاءهما في مناصرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأن الله عز وجل قد أمر في كتابه، فقال: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، أين مناصرتكم وأين عملكم بهذه الآية؟ فكل منهما كان يعيب على الآخر. وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أن هذا يدل على أن كلا الطائفتين كان مجتهداً، وكان يرى أن الصواب معه، وكان يرى أن الصواب معه. ولهذا سبق معنا، ولهذا سبق معنا من كلام الإمام أبي زكريا النووي رحمه الله تعالى فيما يجب على المؤمن تجاه هذا القتال وهذه الفتن التي حصلت بين الصحابة. ذكر النووي رحمه الله تعالى: قال: «واعلم أن الدماء التي جرت بين الصحابة رضي الله عنهم ليست بداخلة في هذا الوعيد»، يعني: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قال: «ومذهب أهل السنة والحق إحسان الظن بهم والإمساك عما شجر بينهم وتأويل قتالهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض دنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ، فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه اجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. قال: وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب، هذا مذهب أهل السنة، هذا مذهب أهل السنة. وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين، ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته، منهم ثم تأخروا عن مساعدته، منهم». ولهذا سبق معنا أنه لا يجوز أن ينال من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا من علي، ولا من طلحة، ولا الزبير، ولا عائشة، ولا معاوية، ولا عمرو بن العاص، ولا المغيرة بن شعبة، ولا غيرهم، وإنما يذكرون بالجميل ويترضى عنهم، وما شجر بينهم، الجميع مجتهد، فمن كان مصيباً فله أجران، ومن كان مخطئاً فله أجر على اجتهاده. وهكذا لهم حسنات عظيمة، ولهم مواقف كبيرة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا بعده عليه الصلاة والسلام، تدل على سابقيتهم، وتدل على ماذا؟ شرفهم ورفعتهم ومكانتهم العظيمة عند الله عز وجل. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر