الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع سلسلة رواة حديث «إن بين يدي الساعة أياماً يرفع فيها العلم…» مع توثيق أحوالهم وألقابهم. ويوضح الفرق بين تشيع السلف الذي كان مجرد تفضيل لعلي على عثمان، وبين غلو الرافضة اللاحقين في تكفير الصحابة وسبهم، مفسراً لفظ «الهرج» بأنه القتل بلسان الحبشة.
يستعرض المقطع أسانيد وألفاظ أحاديث عن علامات الساعة، مبيناً معنى الهرج بالقتل، ورفع العلم بموت العلماء، وظهور الجهل بقلة الاهتمام به. وتوضح الأحاديث أن هذه العلامات تتتابع كحلقات العقد كلما قربت الساعة، مع ذكر أقوال المفسرين في معاني الألفاظ وأحوال الرواة.
يصف المقطع انتشار الفتن والقتل العشوائي في أواخر الزمان، حيث يُقتل الناس بلا سبب ظاهر، ويحرص الأعداء على إثارة الفتنة بين المسلمين. وتؤكد الأحاديث أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق بعد أن تقبض ريح طيبة أرواح المؤمنين، فيبقى الفساق يتهارجون تهارج الحمير علانية.
يختتم المتحدث المجلس بالحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله، مع الإقرار بعلم الله المطلق. ويدعو بالسلام والبركة في الختام.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: قال: حدثنا مسدد، وقد تكرر وتقرر أنه ابن مسرهد أبو الحسن البصري. قال البخاري رحمه الله تعالى: هو مسدد كاسمه. قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، وهو أبو محمد العبسي الكوفي. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فيه ثقة، كان يتشيع. ثقة، كان يتشيع. فما معنى قولهم: كان يتشيع؟ عندك إيش معنى كان يتشيع؟ نعم، عند من؟ عندك يا أخي، ما معنى قولهم: كان يتشيع؟ نعم، يعني قولهم: كان يتشيع، فماذا كان يميل إلى ماذا؟ إلى التشيع لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وقد كان كثير من، أو كان بعض السلف من المحدثين وغيرهم لربما كانوا يميلون إلى تفضيل علي على عثمان، تفضيل علي على عثمان. هذا التشيع الذي كان عند بعض المحدثين قديماً، وليس كحالة الرافضة اليوم الذين يكفرون الصحابة إلا قليلاً، ويتكلمون في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ويخالفون أهل الإسلام في كتابهم، وهكذا في رسولهم، بل وفي بعض الأمور التي تتعلق بالله عز وجل. فهؤلاء الروافض على شر عظيم، على شر عظيم. قال: عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي، كان يلقب إضافة إلى الأعمش بلقب آخر، فما هو عندك يا أبا عبد الرحمن؟ فعند عروة، ما لقب الأعمش؟ الأعمش، نعم، نعم، كان يلقب بالمصحف، وهذا لقوة حفظه رحمه الله تعالى. قال: عن شقيق، وهو ابن سلمة أبو وائل الأسدي الكوفي، قالوا فيه: ثقة مخضرم. قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى، فقال: أما عبد الله فهو ابن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي، وأما أبو موسى فهو الأشعري اليماني واسمه عبد الله بن قيس. فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل، ويرفع فيها العلم، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل». قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا عمر بن حفص، وهو أبو حفص عمر بن حفص بن غياث الكوفي، قالوا فيه: ثقة، ربما وهم. ثقة، ربما وهم. قال: حدثنا أبي، وأبوه هو حفص بن غياث النخعي أبو عمر الكوفي القاضي، قالوا فيه: ثقة فقيه، تغير حفظه قليلاً في آخره. وانظروا كيف يخرج من المحدث محدث مثله، فهذا حفص بن غياث، ابنه عمر محدث وإمام من أئمة المسلمين، وهذا يدل على العناية بالأبناء، فلا يكفي يا عبد الله أن تكون صالحاً في نفسك وأولادك ليس لهم حظ ولا نصيب في عنايتك وعلمك وتدريسك وأخلاقك وغير ذلك وغير ذلك. قال: قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا شقيق، قال: جلس عبد الله وأبو موسى فتحدثا، فقال أبو موسى: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة أياماً يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل». قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا قتيبة، وهو ابن سعيد أبو رجاء البغلاني الثقفي، قيل أن قتيبة لقب وأن اسمه يحيى، وقيل علي، وقيل علي. قالوا فيه: ثقة ثبت. قالوا فيه: ثقة ثبت. قال: حدثنا جرير، وهو ابن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الري، والري بلدة بالمشرق إليها ينسب جماعة من المحدثين والحفاظ الأعلام، وقد ذكروا عن جرير بن عبد الحميد الضبي أنه كان ثقة صحيح الكتاب، قيل: قيل كان في آخر عمره يهم، كان في آخر عمره يهم في حفظه أو يهم من حفظه. قال: قال رحمه الله تعالى: عن الأعمش، عن أبي وائل، وهو الذي تقدم أنه شقيق بن سلمة، قال: إني لجالس مع عبد الله وأبي موسى رضي الله عنهما، فقال أبو موسى: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم مثله، أي مثل الحديث أو مثل لفظ الحديث الذي تقدم قبل هذا: «إن بين يدي الساعة أيام يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل». قال رحمه الله تعالى: قال: والهرج بلسان الحبشة القتل. قال رحمه الله تعالى: قال: حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن بشار هو أبو بكر العبدي، كان يلقب بماذا؟ نعم يا بلبراء، كان يلقب ببندار، فما معنى قولهم: بندار؟ ما معنى قولهم: بندار؟ نعم، حافظ، نعم، يعني معناه: واسع العلم، أو من أوعية العلم، أو نحو ذلك. ومحمد بن بشار رحمه الله تعالى من ثقات مشائخ الإمام البخاري رحمه الله تعالى. قال: حدثنا غندر، فما اسمه غندر عندك يا خان محمد؟ غندر، ما اسمه؟ محمد بن جعفر، محمد بن جعفر الهذلي البصري، قالوا فيه: ثقة صحيح الكتاب، إلا أنه كان به غفلة، إلا أنه كان به غفلة. وقد تقدم معنا في مجال السابقة بعض ما ذكره أهل العلم مما حصل له من الغفلة، كقصة أكل السمك، كقصة أكل السمك. قال رحمه الله تعالى: وأيضاً، فما معنى غندر؟ ما معنى غندر؟ نعم يا باجابر، نعم، المشاغب الذي يشاغب أهله يقال له غندر، فليعلم الأولاد أجمع أن من كان منهم مشاغباً فقد يلقب بماذا؟ قد يلقب بغندر، قد يلقب بغندر. قال رحمه الله تعالى: قال: عن واصل، أو قبل ذلك، قال: حدثنا شعبة بن الحجاج أبو بسطام أمير المؤمنين في الحديث. قال: عن واصل، وواصل هو ابن حيان الأحدب الأسدي الكوفي، قالوا فيه: ثقة ثبت. قال: عن أبي وائل، عن عبد الله، وأحسبه رفعه، يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بين يدي الساعة أيام الهرج، يزول فيها العلم، ويظهر فيها الجهل». قال أبو موسى: والهرج القتل بلسان الحبشة. وقال رحمه الله تعالى: وقال أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري، قال: عن عاصم، وعاصم هو ابن بهدلة، ويقال ابن ابن نجود، ابن ابن نجود الأسدي مولاهم الكوفي، يكنى بأبي بكر، يكنى بأبي بكر، كان حجة في القراءات، كان حجة في القراءات، ورواية أو قراءة عاصم مشهورة، قراءة عاصم مشهورة. وأما في الحديث فقد ذكروا أنه كان عنده أوهام، أنه صدوق له أوهام، ولهذا فإن حديثه الذي في الصحيحين مقرون بغيره، مقرون بغيره، وعلى هذا فإن الشيخين لم يعتمدا عاصماً وإنما أخرجا له مقروناً، أي بغيره، بغيره. قال: عن أبي وائل، عن الأشعري، يعني أبا موسى، أنه قال لعبد الله، يعني ابن مسعود: تعلم الأيام التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، أيام الهرج، نحوه، أي نحو ما تقدم في الحديث الذي قبله. قال ابن مسعود، يعني بالسند المذكور قبله: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء». أورد البخاري رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في باب ظهور الفتن، ففي حديث أبي موسى وابن مسعود أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور التي تكون قبيل قيام الساعة، وعبر عليه الصلاة والسلام بقوله: «إن بين يدي الساعة»، أي قبيل قيام الساعة، «لأياماً»، وهذا يدل على أن ما ذكر في هذا الحديث يعتبر من علامات الساعة، يعتبر من علامات الساعة. وعلامات الساعة كثيرة، منها علامات صغرى قديمة كبعث النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، كهاتين، وهكذا ما يتبع ذلك من هذه العلامات، فيظهر بعضها بعد بعض، حتى إذا قرب قيام الساعة تتابعت وتوالت كحلقات العقد الذي إذا قطع تتساقط الأولى فتتبعها الثانية، وهكذا حتى ينتهي ذلك بقيام الساعة، بقيام الساعة. فعلامات الساعة منها الكبرى ومنها الصغرى، ومنها الصغرى، وكلما قرب العهد بقيام الساعة كلما كانت العلامات أكبر وأعظم، كلما كانت العلامات أكبر وأعظم. قال: «إن بين يدي الساعة لأياماً ينزل فيها الجهل»، ومعنى ينزل الجهل كما سبق معنا في الدرس الماضي أنه يظهر وينتشر، يظهر وينتشر، ومن انتشاره أن الناس تقل هممهم في تحصيل العلم، تنظر إلى مجالس العلم لا ترى فيها إلا القليل، قليلاً ممن يهتم بحمل هذا العلم، أما مجالس الدنيا ومجالس لهو ومجالس القيل والقال إلى غير ذلك، ترى الناس يتهافتون عليها ويتزاحمون على أبوابها، والعلم خير لهم لو كانوا يعلمون، والعلم خير لهم لو كانوا يعلمون. قال: «ويرفع فيها العلم»، وهذا كما سبق معنا أنهما أمران متلازمان، إذا رفع العلم فإن الجهل يظهر وينتشر ويكون هو الغالب على الناس. وسبق معنا أن رفع العلم يكون بموت العلماء، فإن موت العلماء يعتبر ثلمة في الإسلام لا تسد ما اضطرد الليل والنهار، ما اضطرد الليل والنهار، فبموت العالم يموت ويذهب معه كثير من ذلكم العلم الذي يحمله، الذي يحمله. قال: «ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل»، وهكذا القتل الذي يكون بسبب الفتن والاختلاف، والاختلاف، فماذا يكثر؟ ولا سيما في آخر الزمان، وهذا أمر يلاحظ عياناً في مجتمعاتنا، وهكذا في أزمنتنا هذه المتأخرة، ما تقوم فتنة في بلد ما إلا ويكون ضحاياها بالمئات، إن لم يكن بالآلاف، إن لم يكن بالآلاف. وكما جاء في بعض الأحاديث أنه من شدة القتل والقتال أن المقتول لا يدري لماذا قتل، لربما يكون الشخص في بيته آمناً مع أولاده، مع زوجته، مع والديه، فما يشعر إلا والباب يكسر ويصطلى على ذلكم البيت فيقتل من يقتل، وماذا ينهب؟ ما ينهب من الأموال، ولربما كان فيه اعتداء على الأعراض إلى غير ذلك، لا يدري الرجل ما سبب قتله، ما سبب قتله. وهذا هو الحاصل في أيام الفتن، لربما كان الشخص يمشي في الشارع لحاجته، ما يشعر إلا وتصيبه رصاصة، لا يدري من أين جاءت ولماذا قتل، إلى غير ذلك مما يكون بسبب ظهور الفتن. وأعداؤنا يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يشبوا نيران الفتن بين أوساط المسلمين، وكثير من المسلمين تبع لهم في ذلك، يحرضونهم عن طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، وهكذا المقروءة إلى غير ذلك، على إثارة هذه الفتن. وأعداؤنا يبيعون لنا السلاح، وهكذا ينظرون إلينا ونحن يقتل بعضنا بعضاً، وللأسف الشديد، فكثير من المسلمين لا يعقل ذلك، لا يعقل ذلك. وهكذا جاء في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الذي ختم به البخاري رحمه الله تعالى أحاديث هذا الباب، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء». من شرار الناس، من تدركهم الناس، من تدركهم الساعة، يعني القيامة، وهم أحياء. وهذا فيه دليل على أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، لا تقوم إلا على شرار الخلق. وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الساعة لا تقوم حتى لا يقال في الأرض: الله الله، في بعض الروايات، وفي بعض الروايات: حتى لا يقال: لا إله إلا الله، يعني ما هو إلا جهل، وما هو إلا شر عظيم وبلاء مستطير. وقد جاء في آخر حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وفيه بيان قصة الدجال وخروجه، وهكذا بعد ذلك خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فبينما هم كذلك بعث الله تعالى ريحاً طيبة، ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمير، فعليهم تقوم الساعة». قال عليه الصلاة والسلام: يعني بعد أن يرسل الله عز وجل ريحاً تقبض روح من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قال عليه الصلاة والسلام: «ويبقى شرار الناس يتهارجون، يتهارجون فيها تهارج الحمير، فعليهم تقوم الساعة». وقد ذكر العلماء أن معنى هذا: أن يجامع الرجال النساء علانية بحضرة الناس، يجامع الرجال النساء علانية بحضرة الناس، على مرأى ومسمع من من يمر بهم، وهم لربما في قارعة الطريق، يفعلون ما تفعله الحمر، ما تفعله الحمر، ولا يكترثون لذلك، ولا يكترثون لذلك. وهذا فيه أن المسلمين يقبضون آخر الزمان، ولا يبقى إلا شرار الخلق، قد قل حياؤهم وخفت أحلامهم، فيتهارجون، يتهارجون كالبهائم، ويتسافدون كالحمر، ويتسافدون كالحمر، وعليهم تقوم الساعة، وعليهم تقوم الساعة. وقد يشكل هذا مع ما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، في بعض الروايات: «حتى تقوم الساعة». وقد أجاب العلماء عن هذا بجوابين: الجواب الأول: أن أولئك الذين هم من أهل، من أهل الإيمان، وفيهم الخير حاصل، لا يعتبرون شيئاً بالنسبة لكثرة أهل الفساد وأهل الباطل، فهم قليل جداً بالنسبة إلى أهل الشر الكثير والكبير. هذا جواب. جواب آخر ذكره أهل العلم وهو أقوى، والأدل عليه أكثر، أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» إلى آخر الحديث، معناه أنهم يبقون إلى قبيل قيام الساعة، وقبل أن تقوم الساعة يرسل الله عز وجل هذه الريحة الطيبة فتقبض أرواح من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ثم بعد ذلك لا يبقى إلا شرار الخلق يتهارجون كتهارج الحمير، فعليهم تقوم الساعة، فعليهم تقوم الساعة. وهذا الأخير هو الصواب، والله تعالى أعلم. فنختفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم وسلم.