الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 24، ألقاها
استعرض المقطع سلسلة رواة حديث ابن عمر في باب نزول العذاب العام، مبيناً أحوالهم العلمية والروائية كابن المبارك والزهري وحمزة بن عبد الله، وأكد على أهمية عناية الآباء بتعليم أبنائهم مستدلاً بآية التحذير من النار وحديث الراعي والرعية، وختم بذكر الحديث ومعناه: أن العذاب إذا نزل بقوم عمّهم ثم يُبعث كلٌّ على نيته وعمله.
أوضح المقطع أن العذاب إذا نزل بقوم أصاب الجميع، ويكون طهرة للمؤمنين ونقمة على الفاسقين، وأن السكوت عن المنكر مع القدرة على إنكاره يجعل صاحبه شريكاً في الإثم ومستحقاً للعذاب، محذراً من مجالسة أهل الظلم والمعاصي مستدلاً بآيات قرآنية وحديث زينب بنت جحش عن هلاك الأمم بكثرة الخبث رغم وجود الصالحين.
شرح المقطع حديث النعمان بن بشير عن مثل السفينة ليبين أن السكوت عن المنكرات يؤدي إلى هلاك الجميع، وأكد وجوب إنكار المنكر باليد أو اللسان أو القلب على الأقل، مستشهداً بأحاديث في البعث على النية والعمل.
أشار المقطع إلى حديث يُبيّن أن الناس يُحشرون على نياتهم، مما يبرز أهمية صلاح النية والعمل الصالح، فإذا صلحت النية والعمل، فقد يكون العذاب أو الهلاك طهوراً للمؤمن والصالح، واختتم بالتأكيد على هذا المعنى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب إذا أنزل الله بقوم عذابا». قال رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن عثمان، وقد تقدم معنا أنه ابن جبلة العتكي، أبو عبد الرحمن المروزي، الملقب بعبدان، وهو ثقة حافظ. قال: أخبرنا عبد الله، وعبد الله هاهنا هو ابن المبارك، أبو عبد الرحمن المروزي، كان إماما من أئمة المسلمين، ما من باب من أبواب الخير إلا وكان ابن المبارك إماما فيه، ولهذا قال ابن عيينة رحمه الله تعالى: «ماذا لم يسبقه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه». وهذا يدل على كثرة خصال الخير التي اجتمعت في هذا الإمام. قالوا: كان يجاهد عاما ويحج عاما، ومع هذه الإمامة التي كان عليها إلا أنه كان تاجرا من تجار المسلمين، كان يعمل بالتجارة، ولم تشغله التجارة عن العبادة، ولم تشغله عن طلب العلم، ولم تشغله عن الجهاد في سبيل الله، ولا حج بيت الله الحرام، ولا غير ذلك من الأمور التي كان إماما فيها، بل كان يقول لبعض أهل الحديث: «لولا أنتم ما اتجرتوا، لولا أنتم ما اتجرتوا»، فكان رحمه الله تعالى ينفق على جماعة من المحدثين، رحمة الله عليه. قال: أخبرنا يونس، وهو ابن يزيد الأيلي، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقة، إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ،كذا قال الحافظ رحمه الله تعالى في التقريب. قال: عن الزهري، الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله، الشهير بابن شهاب، أبو بكر، إمام متفق على جلالته وإتقانه، عيب عليه أنه كان يدخل على أمراء بني أمية، لكن اعتذر العلماء له أنه ما كان يدخل عليهم من أجل الدنيا، وإنما كان يدخل عليهم من أجل المناصحة. قال: أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر، وهو شقيق سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو ثقة، أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول، وهذا فيه رواية الأبناء عن الآباء، وهذا يدل على أن الآباء يهتموا بتعليم أبنائهم، كم من أبناء المحدثين ظهر محدثون، وكون الأب يهمي تعليم أبنائه، وهكذا تحفيظهم لكتاب الله عز وجل أو غير ذلك من أبواب الخير، هذا يعتبر من التقصير، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعايته» أو عن رعيته، وقبل ذلك قول الحق تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية. قال: أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم». أورد البخاري رحمه الله تعالى هذا الحديث، حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، في باب إذا أنزل الله بقوم عذابا، ولم يذكر تتمته أو ماذا حذف الجواب، وذلك اكتفاء بما وقع في الحديث، ومعناه: أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم. وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا الذي بين أيدينا يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أنزل الله بقوم عذابا»، ومعنى ذلك أن هذا العذاب عقوبة لهم على أعمالهم السيئة. قال: «أصاب العذاب من كان فيهم ثم ثم بعثوا على أعمالهم»، أي أنه يبعث كل واحد منهم على حسب عمله الذي كان قد عمله، إن كان صالحا فعاقبته صالحة، وإن كان العمل سيئا فماذا فهو متوعد بذلكم الوعيد الشديد وذلكم العذاب الذي ذكر في هذا الحديث يصيبه العذاب. فهذا العذاب إذا أصاب المؤمنين كان طهرة لهم، وإذا أصاب الفاسقين فإنه يكون نقمة وعذاب من الله عز وجل على هؤلاء. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل على أن العذاب في الدنيا يعم الكافر والمؤمن، يعم الكافر وهكذا المؤمن إذا كان المؤمن ساكتا عن الحق ولم يقم بما أوجب الله عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا ذكر الله عز وجل كما في قصة أصحاب السبت أنه أنجى الذين ينهون عن السوء وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس. ذكر العلماء أن ربنا عز وجل أخبر أنه نجى أهل الصلاح الذين كانوا ينهون عن السوء ويأمرون بالخير والمعروف، وهكذا أخبر أنه أهلك الظالمين الذين يرتكبون تلك المحرمات ويقترفون تلك أو تلك المخالفات، وسكت عن من كان من أهل الصلاح ممن كان ساكتا عن عن ماذا عن إنكار ذلك المنكر وتغييره. وقد ذكر بعض المحققين من أهل العلم أن من كان من أهل الصلاح وساكتا عن إنكار المنكر وأمر أولئكم المخالفين بالمعروف فماذا فإنه يعد ظالما، وقد أخبر الله عز وجل أن العذاب قد أخذ الظالمين، وهذا يدل على أهمية القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل على أن جزاء من أو ماذا في هذا الحديث دليل على خطورة مجالسة أهل الظلم والمعاصي والفسوق، فما يدريك يا عبد الله أنك إذا جالست هؤلاء وتآكلهم وتماشيهم وتضاحكهم وتصاحبهم أن يصيبك ماذا ما يصيبهم من العذاب. فربنا عز وجل قد نهانا عن مجالسة أولئك الظالمين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ مع القوم الظالمين. وهكذا أيضا في هذا الحديث دليل على خطورة السكوت عن الباطل وعن المخالفات، وأن هذا السكوت قد يكون سببا لنزول العقاب على من كان ساكتا مع من كان مخالفا. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾، والمعنى أنها قد تتعدى غير أولئك الظالمين ممن لربما يرى المنكر ويرى الشر ويرى الباطل ثم لا يحرك ساكنا ولا يغير، فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر. وسبق معنا قريبا حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج كهاتين»، وحلق بين أصابعه الإبهام والتي تليها. قالت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث». وهكذا في حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم بحدود الله عز وجل والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان فكان بعضهم أعلاها وكان بعضهم أسفلها، فكان الذين هم في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا صعدوا إلى من فوقهم، فقالوا: لو أن خرقنا في نصيبنا خرقا، هذا الذي هو أسفل أليس من نصيبنا؟ بلى. قالوا: لو أن خرقنا في نصيبنا يعني أسفل السفينة خرقا فلم نؤذي من فوقنا». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنهم تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا، غرقت السفينة بمن فيها سواء كان من الذين هم في أعلاها أم من كان في أسفلها. قال: وإنهم أخذوا على أيديهم يعني منعوهم من ذلك، قال: نجوا ونجوا جميعا». اليوم يتعامل الناس بالربا، اليوم كثر في الناس الزنا، وهكذا تناول المسكرات وغير ذلك من الأمور والمعاصي العظام التي لربما كانت سببا لخراب وهلاك المجتمعات إذا سكت أهل الخير وأهل الصلاح، وكل واحد منهم يقول: أنا ما لي، دخل ذنبه على جنبه، ذنبه على جنبه. وبعد ذلك يتطاول أهل الفساد، وهكذا ينتشر الشر وأهل الخير ساكتون، أهل الخير ساكتون. فماذا عندها إذا نزلت العقوبة من الله عز وجل فإنها لا تشمل الظالمين خاصة وإنما قد تعم الجميع، وإنما قد تعم الجميع. ولهذا لا يكفي أن الشخص يكون صالحا في نفسه، بل كذلك أيضا لابد أن يكون مصلحا لغيره على حسب ما يستطيع. ولهذا جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وذلك أضعف الإيمان. لابد من إنكار المنكر، لابد من إنكار المنكر على حسب ما تستطيع، وأضعف مراتب تغيير المنكر وإنكاره أن يكون ذلك الإنكار بالقلب، بقلبك يا عبد الله، فتبغض هذا المنكر ولا تجلس مع من يمارس هذا المنكر ويقترف هذه المخالفات. رأيت أقواما يسمعون الغنى، فبعض الناس يقول: أنا ما أستمع، أنا لحالي. طيب لا تجالسهم، لماذا تجالسهم؟ رأيت أناسا ماذا يتعاملون بالسباب والشتام أو يمارسون الغيبة أو النميمة أو غير ذلك من المخالفات، فإما أن تنكر عليهم بيدك إن كان الإنكار باليد لا يؤدي إلى منكر أنكر وأعظم، فإن لم فعليك أن تنكر عليهم بلسانك، تقول: الله حرام لا يجوز، وهكذا من أنواع الإنكار الذي يكون باللسان. فإن لم تستطع فماذا لا تبخل على نفسك يا عبد الله أن تبغض وتمقت ذلك المنكر ولا تجالس أهله، لا تجالس أهله. وكون العقاب يشمل الصالح وغير الصالح والمؤمن وهكذا الكافر لا يعني هذا الاشتراك في الموت أنهما سواء في المنزلة، أنهما سواء في المنزلة. فالمؤمن يبعث يوم القيامة على حسب نيته وعلى حسب عمله. ولهذا جاء في حديث جابر عند مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يبعث كل عبد على ما مات عليه، يبعث كل عبد على ما مات عليه». وهكذا جاء في حديث عائشة قالت: يغزو جيش الكعبة حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخصف بأولهم أو خسف بأولهم وآخرهم. قالت: يا رسول الله، يخصف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال: «يخصف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم، ثم يبعثون على نياتهم». فهذا يدل كذلك أيضا على أهمية صلاح النية وصلاح العمل. فبهذه الأمور لربما ماذا إذا صلحت النية وهكذا صلح العمل لربما كان ذلك الهلاك أو العذاب كان طهرة لهذا المؤمن ولهذا الصالح. فهذا بعض ما يذكر حول ما يتعلق بهذا الحديث، وبه نكتفي. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والله تعالى أعلم.