هدي النبي العدنان في شعبان

هدي النبي العدنان في شعبان

الخطبة بعنوان هدي النبي العدنان في شعبان، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر بتاريخ 4 شعبان 1447هـ الموافق 23 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صيام شهر شعبان وفضله

تستعرض الخطبة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الإكثار من الصيام في شعبان مستندة إلى أحاديث عائشة وأسامة بن زيد، وتوضح أن السبب يعود إلى غفلة الناس عن هذا الشهر ورفع الأعمال فيه إلى الله. كما تحذر من تأخير قضاء رمضان إلى ما بعد شعبان بغير عذر شرعي.

الغفلات الدنيوية في شعبان والتحذير من زيارة قبر هود عليه السلام

يحذر الخطيب من أنواع الغفلات في شعبان كالتفرغ للاستعدادات الدنيوية لرمضان على حساب الواجبات، وإقامة الفعاليات الترفيهية المحرمة. ويخص بالذكر زيارة قبر هود عليه السلام في الثامن من شعبان في حضرموت وما فيها من محاكاة لمناسك الحج.

تفصيل بدع زيارة القبر المنسوب لهود وشركياتها وأكاذيبها

ينتقد الخطيب زيارة القبر المنسوب لهود حيث يلبس الزوار ثياب الإحرام ويهلون لهود لا لله، ويصاحب ذلك اللهو والألعاب والأحاديث المكذوبة التي تزعم فضل الزيارة على الحج. ويؤكد أن زيارة القبور شرعت لتذكر الآخرة لا للشرك والبدع، محذراً من الكذب على النبي وآل البيت.

الأمر بذكر الله العظيم وشكره على النعم

تختم الخطبة بتحريض المؤمنين على ذكر الله العظيم وشكره على نعمه، مبينة أن ذكر الله أكبر من كل شيء وأن الله عليم بما يصنعون. وتدعو إلى استشعار عظمة الذكر بوصفه أفضل الأعمال وأجل القربات.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله. أشهد بأنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. فصلوات ربي وسلامه عليه. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، روى الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى في صحيحيهما من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وكان أكثر ما يصوم من شعبان. وروى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده، والنساء، وغيرهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا كما تصوم من شعبان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، ترفع فيه الأعمال إلى الله، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم». في هذه الأحاديث بيان هدي النبي العدنان عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام في شعبان، وأنه كان عليه الصلاة والسلام يصوم أكثر شعبان. ذكر هذا أحب الناس إليه وأقرب الناس إليه، زوجه الطاهرة عائشة رضي الله عنهما، وحبه وابن حبه أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما. ولذلك كان من وفاء عائشة رضي الله تعالى عنها لنبيها وزوجها عليه الصلاة والسلام أنها كانت تؤخر قضاء ما عليها من رمضان إلى شعبان، تقول: «ذلك»، ثم تقول: «لمكان رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم». وفي هذا بيان أنه لا يجوز لأحد أن يؤخر ما عليه من قضاء رمضان إلى بعد شعبان، إلا لمن كان له عذر آخر. حد لقضاء ما فات من رمضان لمن لزمهم ذلك القضاء أن يقضوه في شعبان، فإن لم يقضوا فدخل رمضان وهم غير معذورين، فيكونون آثمين. وفي هذا الحديث -حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما- بيان سبب تخصيص النبي عليه الصلاة والسلام شعبان بكثرة الصيام، قال عليه الصلاة والسلام: «يغفل عنه الناس»، وقال: «ترفع فيه الأعمال». فلغفلة الناس، ولكون هذا الشهر ترفع فيه الأعمال إلى الله جل وعلا، كان عليه الصلاة والسلام يكثر الصيام فيه. وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته، حيث أنه أخبر في هذا الحديث عن غفلة الناس في هذا الشهر خاصة. وفيه تحذير من الغفلة، وأن لا يغفل المسلم عن مواسم الطاعات، مواسم الخيرات، خاصة المواسم التي ترفع فيها الأعمال إلى الله جل وعلا، وتعظم فيها الدرجات. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو الصادق المصدوق. فإن الناظر في أحوال كثير من الناس يرى أنواعًا من الغفلات في سائر الشهور، وهكذا في شهر شعبان. فمن هذه الغفلات: ما يغفل به الكثير في جمع المطعومات والمشروبات والاستعدادات لرمضان، وليس ذلك بحرام، لكن أن يكون هذا على حساب التقصير في أداء الواجبات، والتأخير عن الصلوات، بل والأعظم ترك الصلوات، وضيع الحقوق والواجبات، فهذه غفلة مذمومة، وأصحابها آثمون؛ لأنها غفلة أنتجت التقصير في حق الله جل وعلا. وكل غفلة أنتجت تقصيرًا في حق الله عز وجل فهي غفلة مذمومة منهي عنها، أصحابها آثمون. ومن هذه الغفلات: غفلة من يزعم أنه يستعد لرمضان بإعداد الدوريات، وإعداد المباريات، والمسرحيات، والتمثيليات، والفوازير، والمسابقات، وإلى آخر ذلك. كل هذا من قبيل الغفلة المذمومة؛ لما في إعداد مثل هذه الأمور من المحرمات والمنكرات في سائر الشهور، فكيف بشهرَي الخيرات وتكفير السيئات ورفع الدرجات؟ والله المستعان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله، ألا وإن من أعظم أنواع الغفلات بشهر شعبان خاصة، في البلاد الحضرمية خاصة، ما يقام في الثامن من شعبان مما يسمى بزيارة قبر هود عليه السلام، وما يكون في هذه الزيارة من الشركيات والبدع والمحدثات والخرافات والذنوب والمنكرات، والمضاهاة لشعائر بيت الله الحرام في هذا الشهر. فأي غفلة عن الله جل وعلا أعظم من الغفلة بالشرك به جل وعلا، غيره من الأموات والمقبورين والأولياء والصالحين؟ وأي غفلة أعظم من الغفلة بالبدع والمحدثات؟ وأي غفلة أعظم من الغفلة بالمضاهاة لشعائر الإسلام في هذه الزيارة؟ يا عباد الله، من الأمور المنكرة ما يقدم هناك من يستغيث، ومن يطلب من نبي الله هود عليه السلام المدد والحاجات، كما يدعون إلى ذلك دعاة من يدعو إلى هذه الزيارات، فيقول: «هود نبي صالح، قبره في الوادي، صحيح، زر زره، واحذر تكسل، واطلب مرادك عند الضريح، واطلب مرادك عند الضريح، زر، حذر تكسل، واطلب مرادك عند الضريح، ماذا تريد؟ اطلب من هود عليه السلام». والله المستعان. وأكد عباد الله ما يكون من تخصيص هذه الزيارة في هذه الأيام خاصة، اليوم الثامن والتاسع والعاشر، كأيام حج بيت الله الحرام. فإنه يبدأ في اليوم الثامن بالذهاب إلى منى، وهؤلاء يذهبون إلى السبع القباب في عينات بمثابة الذهاب إلى منى، وكأنهم يحرمون من ذلك الموضع، فهذا ميقات هذه الزيارة عندهم. ثم بعد ذلك يطوفون سبعة أطواف، وقد يطوفون بمقبرة الفرض التي في بلاد تريم. ثم تبدأ مناسك الزيارة من الوقوف، فهناك وقوف في هذه الزيارة كما أن هناك وقوفًا في عرفة. وهناك اليوم العاشر فيه الذبائح كما يكون في يوم عاشر للحج، وهناك الحلق، وهناك الرمي لحصاة المحضار في ذلك الموضع كما ترمى الجمار. وهكذا هناك أيضًا الحلق في ختام هذه الزيارة. ماذا بقي يا عباد الله إلا لباس الإحرام، لبس الإزار والرداء؟ وهم لا يفعلون ذلك لأنهم يعلمون أنه سينكر عليهم، لكنهم يأتون بالتلبية كما يؤتى بالتلبية في الحج: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». لكن هنا التلبية، لكن هنا التلبية ليست لله الواحد القهار، ليست هي تلبية التوحيد، وإنما هي تلبية شركية، تلبية لهود عليه السلام: «لبيك يا هود، لبيك يا هود». أيه غفلات أعظم من هذه الغفلات؟ ألا يتق الله هؤلاء المروجون لهذه الزيارات؟ وخاصة في هذه المواسم يشغلون الناس عن الطاعات، لماذا لا تصوموا؟ لماذا لا تصومون؟ لماذا؟ وإنما تلعبون وتلهون. لا تسلعن ما يقام من الألعاب الشعبية، والمرافع، والطاسات، وإلى آخر ذلك. فهكذا جعل الشرع الزيارة الشرعية للقبور لأجل أن نلعب عندها ونلهو، وأن نقول هجرًا، وأن نفعل البدع والمحدثات والمخالفات والمنكرات، فضلًا عن الشركيات. ألم يقل رسول الله عليه الصلاة والسلام كما في مسلم عن بريدة رضي الله عنه: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»؟ لماذا يا رسول الله نزور القبور وقد كنت نهيت عن زيارتها؟ نهى عليه الصلاة والسلام لأن القلوب لا زالت حديثة عهد بشرك، لدعاء اللات والعزة ومناة الثالثة الأخرى وهبل. فلما استقر التوحيد في قلوبهم، وانقطعت العلائق بغير الله عز وجل، أذن عليه الصلاة والسلام بزيارة هذه القبور، فإنها تذكركم الآخرة. كذب والله من يزور هذه الزيارات ويزور قبر هود، مع أنه لا يوجد قبر هود عليه السلام، فالأقوال فيه كثيرة، ومع هذا يقول: «نحن نزور زيارة شرعية»، يلعبون، يلهون، اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا. والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «ولا تقولوا هجرًا». أمر بزيارة القبور وأذن في زيارتها، وقال: «ولا تقولوا هجرًا». هجرًا: هذه كلمة يدخل فيها كل باطل، يدخل فيها كل كلام سيء. القبور تذكر الآخرة، يفعل عندها ما يخالف الشرع، فكيف بهذه المخالفات؟ وكيف بهذه الأنواع من أنواع الغفلات مما ذكر، مما يفعل في هذه الزيارات من الكذب، الأحاديث المكذوبة على رسول الله عليه الصلاة والسلام في فضل الزيارة، وأنها تغني عن الحج، وأن الضحك فيها بحسنة كاستغفار، كلما ضحكت فيه عند قبر هود فاكتب لك حسنة كأنك استغفرت، الضحك عند قبر هود كاستغفار. انظروا الكذب والافتراء، وكم وكم يطول المقام بذكر هذا الكذب على الله، والكذب على رسول الله، والكذب على آل البيت الذين كانوا على نهج المصطفى عليه الصلاة والسلام حقًا، ما كانوا يحدثون وما كانوا يبتدعون، وعلى رأس هؤلاء الخليفة الراشد علي، ومن جاء من ذريته. لكن يكذبون هؤلاء، يكذبون من هنا، والرافضة الشيعة يكذبون من هناك. في الجنوب يكذب هؤلاء على آل البيت، وفي الشمال يكذب أولئك على آل البيت، رضي الله عنهم أجمعين. والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل. اللهم صل على نبينا محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. بارك اللهم على نبينا محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة: بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وبقية العشرة، سائر الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروا على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.