الدرس في التعليق على الجواب الكافي 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المعاصي تسبب ظلمة في القلب وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر على الوجه وتؤدي إلى الضلال. الله يطبع على قلوب الكافرين والمنافقين ويصيب المؤمنين بظلمة القلوب نتيجة للمعاصي.
الذنوب والمعاصي تؤدي إلى تراكم الران على القلب مما يجعل القلب لا يرى الطاعات ويتعلق بالمعاصي. التوبة تمحو هذه الظلمة وتُصفّي القلب.
المعاصي تسبب ظلمة في القلب مثل الظلمة الحسية للبصر وتؤدي إلى الضلال والبعد عن نور الطاعة. الطاعة نور والمعصية ظلمة وتؤثر على بصيرة العبد وقلبه.
الذنوب والمعاصي لها آثار سلبية متعددة على الفرد تشمل تغيرًا في المظهر الداخلي والخارجي وتأثيرات على الصحة والرزق ومكانة الفرد بين الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه. إن شاء الله تعالى نقرأ في الجواب الكافي لما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله عن آثار المعاصي. قال رحمه الله: ومنها - أي من هذه العثار - ظلمة يجدها في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم. ألم تر كيف تصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره؟ فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما غلبت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده. وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد. فهذا أيضًا من آثار ذنوب المعاصي: الظلمة التي يجدها العبد في قلبه. وقد ذكر ربنا جل وعلا الأمور التي تأتي بآثار الذنوب والمعاصي والكفر - والعياذ بالله - من الطبع والغلف، كما ذكر عن يهود قالوا: ﴿قلوبنا غلف﴾، والطبع الله عليها بكفرهم. وكذلك أيضًا الختم والكنة التي جعلها الله عز وجل على قلوبهم، وقالوا: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إنا عاملون﴾، فجعل الله عز وجل غلافًا بينهم وبين الحق، حتى إنهم إذا كثرت عندهم هذه الظلمات يغلق على قلوبهم، حتى إنهم لا يفهمون ولا يفقهون دين الله جل وعلا. بل كان بعض المنافقين يحضر عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا يفهم كلامه، وإنما هذا من الخذلان. ومنهم من يستمع إليك، حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم: ﴿ماذا قال آنفا﴾، كأنهم لا يسمعون. ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم﴾. فلهذا جعل الله عز وجل على القلوب طبعًا، وكذلك حتى المؤمن، فإنه أيضًا يصيبه من هذه الظلمة، تصيبه من ظلمة القلوب. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذه الآية بإجماع المفسرين أنها في حياة القلب وظلمته، المراد في هذه الآية ظلمة القلب وحياته. ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه﴾، أي كان قلبه ميتًا، ليس المراد به موت الإنسان، وإنما المراد به موت القلب. ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس﴾، ربنا جل وعلا ذكر صاحب القلب الذي فيه النور، أحياه الله عز وجل بعد أن كان ميتًا بالظلمة، كان ميتًا بالكفر والشرك، فأحياه الله عز وجل. فبين الله عز وجل أن هذا الذي قلبه فيه نور ليس كمثل من قلبه ظلمة ليس بخارج منها. فلهذا فالظلمة هذه تصيب أيضًا أصحاب المعاصي، كلما أذنبوا كلما زادت الظلمة في قلوبهم. ولهذا جاء عند أبي داود من حديث أبي هريرة - سيذكر لاحقًا - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب العبد ذنبًا نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو تاب سُقل قلبه، فإن عاد عادت، حتى يعلو على قلبه الران الذي قال الله عز وجل: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾». فإذا تاب سُقل قلبه، حتى ولو كان هذا الذنب كبيرًا، فإنه يخرج ويصفى قلبه. النبي صلى الله عليه وسلم عبر هنا بالسقل، قال العلماء: لأن الذنوب منها ما هو صغير ومنها ما هو كبير، لكن التوبة تخرج ذلك كله. قال: «وإن عاد عادت»، إذا لم يتب إلى الله جل وعلا ويرجع، عادت الظلمة وزادت الظلمة، قال: «حتى يعلو على قلبه الران»، فيغطى هذا القلب بالمعاصي، وظلمة الذنوب. فلهذا تجد قلبه لا يرى الطاعات، بل يحضر على هذه الطاعة، وقلبه دائمًا معلق بالمعاصي، حتى إنه يفعل المعصية دون أن يشعر أنها معصية، بكثرة ممارسته فتهون عليه المعاصي. وقلبه ينقلب، قلبه ينقلب، من لا يجد فيه ما يلومه، بل كلها فقلبه يكون ظلمات، إلا ما يشاء الله جل وعلا. ولهذا في الحديث الآخر الذي خرجه الإمام مسلم، حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نُكتت فيه نكتة سوداء، حتى تكون القلوب على قلبين: قلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر مربادًا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه». فالله عز وجل يكله إلى نفسه، فهي التي تمشي، تمشي شهواته. لهذا كثير من الناس الآن أصبح مثل الكفار - والعياذ بالله - أصبح صاحب شهوة، تمشي شهوته، لا يرد من شهوة. وهذا بسبب هذه المعاصي تطغى على قلبه حتى يصير مثل هذا الأمر. قال الإمام ابن القيم: «فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره»، أي يقول: كأن هذه الظلمة التي في القلب تصير مثل الظلمة التي في البصر، ما يرى النور، نور الكتاب والسنة، وهو لا يرى ذلك، ينصرف عن النور هذا ويذهب إلى الظلمات، ظلمات المعاصي - والعياذ بالله. ولهذا الله عز وجل يجعل هذا العبد يوم القيامة أعمى، قال: ﴿لما جعلتني أعمى وقد كنت بصيرًا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها﴾، هنا النسي معنى الترك، أي تركت هذه الآيات وأعرضت عنها. وكذلك اليوم تنسى جزاء ما أعطاه الله عز وجل العبد بصيرة، وفق وقلب حتى يفقه مثل هذه الأمور، ويرى النور أمامه، فيقوم ويجعل هذه الظلمة تستولي عليه. قال: «فإن الطاعة نور» كما سيأتي إن شاء الله تعالى، «والمعصية ظلمة»، كما تبين أيضًا في الآيات: ﴿أو من كان ميتًا فأحيناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس﴾، نور الطاعة. وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته، كلما قويت هذه الظلمة زادت حيرته، مثل ما جاء في الحديث: «حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر». بسبب تعود على المعاصي، فصار أنه لا يرجع إلى الله ولا يستغفر ولا يتوب، وإن استغفر استغفر بلسان، ليس استغفار قلب. بعض الناس مثلًا تجده يستغفر بلسان، ليس استغفار مثلًا عن ما يعمل من المعاصي. قال: «كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده»، وهو لا شك أنه سيتخبط. قال: «وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين»، أي يراها الناس من هذا الشخص. انظر إلى رجل مثلًا كان طائعًا، وانظر بعد أن ترك الطاعة إلى المعصية، وانظر إلى رجل كان عاصيًا ثم ترك المعصية ورجع إلى الطاعة، يرى في وجهه النور، نور الطاعة. وكذلك الذي خرج من هذه الطاعة إلى المعصية، تجد تظهر هذه المعصية في وجهه، تظهر وحشة المعصية وسوادها في وجهه، حتى يراها الناس. لكن من الذي يراها؟ يراها أهل الصلاح وأهل التقوى وأهل الطاعة. قال عبد الله بن عباس: «إن الحسنة ضياء في الوجه، ونور في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق»، هذه آثار من آثار الطاعة. «وإن السيئة سواد في الوجه، وظلمة في القلب، ووهن في البدن، ونقص في الرزق - أي رزق الحلال - وبغضة في قلوب الخلق»، فهذه أيضًا من آثار الذنوب والمعاصي.