الدرس في التعليق على الجواب الكافي 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب والمعاصي توهن القلب والبدن وتضعف إيمان المؤمن وتوكله على الله. هذا الضعف يؤدي إلى هزيمة المسلمين أمام أعدائهم.
ترك طاعة الله والمعصية يؤدي إلى ضعف المسلمين، كما أن حب الدنيا وكراهية الموت يسببان الوهن. هذا ما بينه حديث النبي ﷺ.
المعاصي تسبب ضعف قلوب المسلمين وخوفهم، بينما العزة بدين الله تجعلهم أقوياء ويقاتلون بنجاح. التاريخ يشهد بذلك في مواجهة التتار.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فذكرنا في جواب الكافي ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله في بعض آثار هذه الذنوب والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: ومنها - أي من هذه الآثار على آثار الذنوب والمعاصي - أن المعاصي توهن القلب والبدن. أما وهنها للقلب، فأمر ظاهر، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية. وأما وهنها للبدن، فإن المؤمن قوته في قلبه، وكلما قوى قلبه قوى بدنه. وأما الفاجر، فإنه إن كان قوي البدن، فإنه عند الحاجة يكون أضعف شيء، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه. وتأمل قوة أبدان فارس والروم، كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم. فهذا أيضا من آثار هذه الذنوب والمعاصي، أنه توهن القلب والبدن معا. والوهن هنا - أي المراد به - الضعف، تضعف القلب، تضعفه في إيمانه، وكذلك في توكله على الله، وشدة الاعتماد على الله، فيوهن القلب، يضعف. فإذا ضعف القلب، ضعف البدن. وليس المراد بضعف البدن أن يكون نحيفا، إنما المراد أن لا يكون مقداما، يكون جسورا، فيستلهم فيه الضعف، ويستوثق فيه الضعف، حتى لا يستطيع أن يواجه. ولهذا ضرب شيخنا الحافظ ابن القيم مثالا بأهل فارس، كان عندهم من القوة ما كان عندهم، لكن بسبب أنهم خالفوا أمر الله، فأوهنهم ذلك الأمر، حتى ما استطاعوا أن يقابلوا أهل الإسلام. أهل الإسلام كانوا قليلا بالنسبة لأنجيوش الروم وفارس، كانت كثيرة جدا، معنى أضعاف أهل الإسلام، لكن هزمهم الله، وألقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب. وهذا بسبب أنهم تركوا أمر الله. وأما كما قال الإمام أبو الدرداء - كما مر معنا - لما دخلوا قبرص، بكى. يا أبا الدرداء، وكان أهلها يبكي بعضهم لبعض، فقال له جبير بن نفير: يا أبا الدرداء، ما لك تبكي في يومنا عز الله في الإسلام؟ فقال: يا جبير، إنما هذه أمة كانت قائمة، فتركت أمر الله، فصاروا إلى ما ترى. وأراد رحمه الله - رضي الله عنه - أن يبين أن من ترك طاعة الله وألزم المعصية، فإنه سيذهب إلى مثل هؤلاء. كانت أمة قائمة، لكن تركوا أمر الله، فصاروا إلى ما ترى، ضعفوا، فصار أهل الإسلام هم الأعلى منهم. ولهذا الله عز وجل يقول دائما لأهل الإسلام: إنهم لا يضعفون، بل يقدموا، ولا تهنوا، ولا تحزنوا، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. فهذا من باب أنه يبين لهم أنهم الأعلون، فلهذا لا يدخلكم الضعف، بل كونوا شجعانا، وأيضا كذلك متوكين على الله جل وعلا. فلهذا فالمعاصي توهن القلب والبدن معا. ومما يدل أيضا على هذا ما جاء عند أحمد بإسناد لا بأس به، من طريق أبي أسماء الرحبي عن ثوبان. وجاء كذلك عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي عبد السلام عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها». قالوا: من قلة نحن يا رسول الله؟ قال: «لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل». الغثاء: هو الذي يكون في السيل مما يحمله. ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة، وليجعلن الله عز وجل في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». الوهن هو الضعف، لكن ما السبب الذي جعل هذا القلب وهذا البدن يوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». ومن نظر في تاريخ أهل الإسلام، فضلا عن تاريخ غيرهم، رأى هذا قد شاهده الناس قديما في تاريخهم، ونقلوا ذلك. وانظر إلى دخول التتار إلى بغداد وإلى الشام، فكان قد وقع الخوف في الناس، وانتزعت المهابة من قلوب عدوهم. وهذا كله بسبب المعاصي، انهمكوا في المعاصي والذنوب، حتى أغلقت عليهم قلوبهم، فضعفت، فصار أهل الإسلام أجبن الناس، حتى أن الرجل إذا قيل له: إنك مقتول أو كذا، يخرج بأهله ليسلم نفسه؛ لأجل أن يقتل، لا يدافع عن أهله، ولا يدافع عن عرضه، بل يؤشر النساء من عنده، وهو لا يتكلم. أصابهم الذل والهوان بسبب المعاصي والذنوب، العياذ بالله. أغلق الله عز وجل على قلوبهم، وأحبوا الدنيا، وكرهوا الموت، وجاءهم الموت من حيث لا يشعرون. لكن لو عزت قلوبهم بدين الله جل وعلا، لكان أمرهم آخر. ولهذا نفس هؤلاء، وفي نفس عصرهم، طائفة من الناس أعزهم الله بدينه، وتعززوا بالإسلام، وطردوا هؤلاء التتار، وقاتلوهم، مع أنهم قلة، إلا أن الله عز وجل أعزهم، وهزم أولئك الكفار، فكانوا كما قال من قرأ في التاريخ: كان التتار يخافون من شيء يقال له الجهاد في سبيل الله، لكن يحبون الاستسلام، يستسلم أهل الإسلام، فيعاهدونهم على أنهم لا يقتلونهم، ثم يدخلون ويقتلونهم. وما فعلوه في بغداد لم يفعل في أحد أبدا، أن استباحوا النساء، وقتلوا الرجال، حتى يقال: إنه قتل أكثر من مليون مسلم، وقيل: أقل من ذلك. فهذا كله بسبب الوهن الذي أصاب الناس في ذلك الوقت. أو في غيره، الآن مثلا تجد كثيرا من الناس أيضا ضعفت قلوبهم عن العزة بدين الله، وانشغلوا بالدنيا. لو أراد أحد أن يأخذ منهم دنياهم لنازعوه، لكن لو أراد أن يأخذ دينهم لما نازعوه، وتركوه، واستسلموا له. أهم شيء عندهم الدنيا. وهذا الوهن الذي وقع في قلوب الناس: حب الدنيا وكراهية الموت. فهذا أثر أيضا من الآثار التي تخلفها المعاصي والذنوب، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد. والحمد لله رب العالمين.