التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 20

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مفهوم الاحتياط في الدين وحدوده

يناقش مفهوم الاحتياط في الدين وحدوده، ويحذر من اعتبار الأفعال المخالفة للسنة احتياطًا. الاحتياط الحقيقي يكمن في موافقة السنة وترك مخالفتها.

تطبيق الاحتياط في مسائل الطلاق

يُناقش مفهوم الاحتياط في مسائل الطلاق، ويُوضح أن الاحتياط يكون بالتمسك بالأصل وهو بقاء النكاح حتى يأتي دليل صحيح. يحذر من أن يؤدي الاحتياط إلى مخالفة السنة النبوية.

اتقاء الشبهات والاحتياط الفقهي

يناقش مفهوم اتقاء الشبهات من خلال حديث عن تمرة وجدها النبي صلى الله عليه وسلم. يقارن بين رأي الإمام مالك والجمهور في مسألة الطلاق ثلاثًا في حالة الشك.

نقد ادعاء الاحتياط عند أهل الوسواس

يُناقش ادعاء أهل الوسواس بأن أفعالهم المخالفة للسنة هي من باب الاحتياط، ويُبيّن أن هذا ادعاء غير صحيح. يُعتبر تنطعًا وغلوًا نهينا عنه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»، فصل في الجواب عما احتج به أهل الوسواس. قال: أما قولهم: إنما نفعله احتياطًا لا وسواسًا، وهذه حجة كثير ممن ابتلي بالوسواس، أنه إذا أنكر عليه ونصح، قال: هذا من باب الاحتياط، أن أفعل ذلك احتياطًا. قال: قلنا: سموه ما شئتم، فنحن نسألكم: هل هو موافق لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره، وما كان عليه أصحابه، أو مخالف؟ يعني هذا الفعل الذي تفعلونه وتزعمون أنه احتياط، هل فعله النبي عليه الصلاة والسلام وأمر به، وهل كان عليه أصحابه رضي الله تعالى عنهم، أو أنه مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ قال: فإن زعمتم أنه موافق، فبهتان وكذب صريح، فإذا لا بد من الإقرار بعدم موافقته وأنه مخالف له، فلا ينفعكم تسمية ذلك احتياطًا. وهذا نظير من ارتكب محظورًا وسماه بغير اسمه، كما يسمى الخمر بغير اسمها، الخمر محرمة، فيأتون فيغيرون اسمها، ما يقولون خمر، يقولون شراب روحي، مشروبات روحية، أو بيرة، أو بوضة كما تسمى في مصر، ونحو ذلك من الأسماء، فهل هذا الاسم أو تغيير الاسم يغير حقيقة هذا الشيء؟ الجواب: لا. قال: والربا معاملة، يعني يسمون الربا معاملة، وهو ربا محرم، وإن سموه معاملة فهي محرمة. قال: والتحليل الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله، نكاحًا، يعني نكاح التحليل، إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا، فحرمت عليه، وأراد أن يرجع لها، فإن تتزوج بشخص آخر لأجل تحليلها للأول، هذا نكاح التحليل محرم، لعن النبي عليه الصلاة والسلام المحلل والمحلل له، فيسمونه نكاحًا، وهو إن سمي نكاحًا فهو محرم، لا يغير من حقيقة هذا الأمر شيء. قال: ونقر الصلاة الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فاعله لم يصل، كما في حديث المسيء في صلاته، لما كان ينقر صلاته، قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي». قال: وأنه لا تجزيه صلاته، ولا يقبلها الله تعالى منه. تخفيفا يعني يسمون ذلك تخفيفًا، نقر الصلاة والإسراع فيها، يسمونه تخفيفا، فلا يقبل منهم، ويغير من هذا الحكم شيء من بطلان الصلاة؟ الجواب: لا. قال: فهكذا تسمية الغلو في الدين والتنطع احتياطًا، يعني وإن سميتموه احتياطًا، فهذا لا يغير من حقيقة هذا الأمر وأنه من الغلو والتنطع في الدين الذي نهينا عنه. قال: وينبغي أن يعلم أن الاحتياط الذي ينفع صاحبه ويثيبه الله عليه، الاحتياط في موافقة السنة وترك مخالفتها، فالاحتياط كل الاحتياط في ذلك، وإلا فما لنفسه من خروج عن السنة، بل ترك حقيقة الاحتياط في ذلك، يعني ترك ما يدعي أنه احتياط، هو الاحتياط الذي ينبغي أن يفعله حتى يكون موافقًا للسنة لا مخالفًا لها، وإنما الاحتياط المشروع والذي ينتفع به، ما كان موافقًا للسنة لا مخالفًا لها. قال: وكذلك المتسرعون إلى وقوع الطلاق في موارد النزاع الذي اختلف فيه الأئمة، كطلاق المكره، وطلاق السكران، والنية، يعني نية الطلاق من غير تلفظ، وجمع الثلاث، والطلاق بمجرد النية، أي يجمع ذلك أو ينوي الطلاق، ينوي طلاق الثلاث، لكن لم يتلفظ به. قال: والطلاق المؤجل المعلوم مجيء أجله، يعني مثلًا يقول: أنت طالق بعد شهر، أو نحو ذلك. قال: واليمين بالطلاق، يعني الحلف بالطلاق، وغير ذلك مما تنازع فيه العلماء، إذا أوقعه المفتي تقليدًا بغير برهان، وقال: ذلك احتياطًا للفروج، فقد ترك معنى الاحتياط، يعني لو زعم في هذه المسائل أن الطلاق يقع، وهي مسائل فيها نزاع وخلاف بين أهل العلم، فقال: يقع، تخليدًا لمن قال بذلك من الأئمة، وزعم أن ذلك من باب الاحتياط، من باب الاحتياط، قال: فقد ترك معنى الاحتياط، فإنه يحرم الفرج على هذا، ويبيحه لغيره، فأين الاحتياط ها هنا؟ والأصل في الفروج أنها محرمة، فأنت الآن بقولك أن الطلاق قد وقع، معنى هذا أنها تحرم على زوجها الأول وتحل لزوج آخر، والاحتياط أن يتثبت في وقوع الطلاق، والتيقن بوقوعه، وأن الأصل بقاء النكاح كما سيأتي. قال: بل لو أبقاه على حاله حتى تجمع الأمة على تحريمه وإخراجه عمن هو حلال له، أو يأتي برهان من الله ورسوله على ذلك، لكان قد عمل بالاحتياط، يعني لو قال: لا يقع الطلاق بهذه المسائل، والأصل بقاء النكاح حتى يأتي الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على وقوع الطلاق فيها، فهذا هو الاحتياط، هذا هو الاحتياط، لأنه أبقى الأصل وهو بقاء النكاح، بقاء النكاح وحله للأول وعدم حله لغيره، فهذا هو الاحتياط الذي ينبغي أن يسلكه المفتي في هذا الباب. قال: ونص على مثل ذلك الإمام أحمد في طلاق السكران، يعني أنه لا يقع، وتبقى المرأة في عقده، وخاصة إذا كان الطلاق من النوع الذي أزيل فيه العقل، وهو السكر الطافح، فهذا لا يقع طلاقه. فقال في رواية أبي طالب: والذي لا يأمر بالطلاق، فإنما أتى خصلة واحدة، والذي يأمر بالطلاق فقد أتى خصلتين، حرمها عليه وأحلها لغيره، يعني حرمها لزوجها المطلق وأحلها لغيره. قال: فهذا خير من هذا، يعني الأول، فلا يمكن الاحتياط في وقوع الطلاق إلا حيث أجمعت الأمة، يعني على وقوع هذا الطلاق، أو كان هناك نص عن الله ورسوله يجب المصير إليه. قال: شيخنا، يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والاحتياط حسن ما لم يفض بصاحبه إلى مخالفة السنة، فإذا أفضى إلى ذلك، فالاحتياط ترك هذا الاحتياط، يعني إذا أفضى الاحتياط إلى مخالفة السنة ومخالفة هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الاحتياط أن تترك هذا الاحتياط. قال: وبهذا خرج الجواب عن احتجاجهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه»، وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وقوله: «الإثم ما حاك في الصدر»، فهذا كله من أقوى الحجج على بطلان الوسواس، فإن الشبهات ما يشتبه فيه الحق بالباطل، والحلال بالحرام، على وجه لا يكون فيه دليل على أحد الجانبين، يعني في ترجيح أحد الجانبين، هل هو الحل أو التحريم؟ قال: أو تتعارض الأمارات عنده، يعني العلامتان، علامة التحريم وعلامة الحل، فلا تترجح في ظنه إحداهما، فيشتبه عليه هذا بهذا، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى ترك المشتبه والعدول إلى الواضح الجلي، يعني إن وقع ذلك حصل الاشتباه، لا يدري هل هذا حلال أو حرام، وعنده ما هو حلال، فيترك هذا المشتبه ويأخذ بما هو واضح جلي في حله. قال: ومعلوم أن غاية الوسواس أن يشتبه على صاحبه: هل هو طاعة وقربة أم معصية وبدعة؟ هذا أحسن أحواله، والواضح الجلي هو اتباع طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سنه للأمة قولًا وعملًا، فمن أراد ترك الشبهات، عدل عن ذلك المشتبه إلى هذا الواضح، فكيف ولا شبهة -بحمد الله- هناك، إذ قد ثبت بالسنة أنه تنطع وغلو، فالمصير إليه ترك للسنة وأخذ بالبدعة، وترك لما يحبه الله تعالى ويرضاه، وأخذ بما يكرهه ويبغضه، ولا يتقرب به إليه ألبتة، فإنه لا يتقرب إليه إلا بما شرع، لا بما يهواه العبد ويفعله من تلقاء نفسه، فهذا هو الذي يحيك في الصدر ويتردد في القلب، وهو حزاز القلوب، ومعنى حزاز القلوب، يعني الشيء الذي يحز ويمتلك ويغلب على القلب، ومراده بذلك أن الحق والسنة أن يتبع الإنسان ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، والسير على هديه، وأما مخالفة السنة والزعم أن ذلك من الاحتياط، هذا من التنطع والغلو الذي هو مخالف للسنة، بل هو أقرب للوقوع في البدعة. قال: وأما التمرة التي ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلها، وقال: «أخشى أن تكون من الصدقة»، فذلك من باب اتقاء الشبهات وترك ما اشتبه فيه الحلال بالحرام، يعني قد يستدل بترك النبي عليه الصلاة والسلام من أكل التمرة التي وجدها، وقال: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها». فقال: هذا النبي صلى الله عليه وسلم حصل منه احتياط، فالجواب عن هذا، قال: فإن التمرة كانت قد وجدها في بيته، وكان يؤتى بتمر الصدقة، يقسمه على من تحله الصدقة، ويدخل بيته تمر يقتات منه أهله، فكان في بيته النوعان، يعني ما يجوز له أكله وما لا يجوز له أكله من تمر الصدقة، فلما وجد تلك التمرة لم يدري عليه الصلاة والسلام من أي نوعين هي، فأمسك عن أكلها، فهذا الحديث أصل في الورع واتقاء الشبهات، فما لأهل الوسواس وما له؟ يعني سلهم فيه حجة، ولا دليل على وسواسهم، وإنما هو من باب التورع وترك الشبهات. قالوا: أما قولكم إن مالكًا أفتى فيمن طلق ولم يدري: واحدة طلق أم ثلاثًا؟ إنها ثلاث احتياطًا، يعني أفتى الإمام مالك بذلك، أن رجلًا طلق امرأته وشك: هل طلق واحدة أو طلق ثلاث طلقات؟ فجعلها ثلاثًا. قالوا: هذا فعله الإمام مالك من باب الاحتياط، إذن الاحتياط في مثل ما نفعل أمر مشروع. قال: فنعم هذا قول مالك، فكان ماذا؟ أفحجة هو على الشافعي وأبي حنيفة وأحمد، وعلى كل من خالفه في هذه المسألة، حتى يجب عليهم أن يتركوا قولهم لقوله، وهذا القول مما يحتج له، لا مما يحتج به، يعني قول إمام مالك هذا مما يحتج له، ما هو الضائع له، هذا يحتاج إلى دليل، وليس مما يحتج به؛ لأنه ليس نصًا من كتاب الله أو من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، يوخذ به ولا يعارض بغيره. قال: على أن هذا ليس من باب الوسواس، وإنما حجة هذا القول أن الطلاق يوجب تحريم الزوجة، والرجعة ترفع ذلك التحريم، يعني إذا راجع رجل امرأته ارتفع الطلاق، إذا طلق طلاقًا رجعيًا كطلقة واحدة مثلًا، ثم راجعها، الطلاق يحرم الزوجة إذا استمر حتى تنتهي عدتها، والرجعة تحلها لزوجها. قال: فهو يقول: قد تيقن سبب التحريم، يعني الطلاق وهو الطلاق، وشك في رفعه بالرجعة؛ فإنه يحتمل أن يكون رجعيًا فترفعه الرجعة، ويحتمل أن يكون ثلاثًا فلا ترفعه الرجعة، فقد تيقن سبب التحريم وشك فيما يرفعه، يعني هذه حجة الإمام مالك رحمه الله بالقول بأن يجعلها ثلاث طلقات؛ أنه شك في رفع هذا الطلاق وهو الرجعة، وتيقن سبب التحريم وهو الطلاق، إذن فينبغي عليه هذا التحريم. قال: والجمهور يقولون: النكاح متيقن، والقاطع له المزيل لحل الفرج مشكوك فيه، وهو الطلاق؛ فإنه يحتمل أن يكون المأتي به رجعيًا فلا يزيل النكاح، ويحتمل أن يكون بائنًا فيزيله، فقد تيقن يقين النكاح وشككنا فيما يزيله، فالأصل بقاء النكاح حتى يتيقن بما يرفعه، وهذا هو الصحيح، الأصل بقاء النكاح، فنحن متيقنون بأن النكاح باق، لكن شككنا: هل وقع ما يرفع هذا النكاح ويزيله بالكلية، وهي الطلقات الثلاث، أو أنه وقع الطلاق واحدة مما يباح فيه للزوج أن يراجع زوجته ويبقى النكاح؟ فما دام أن النكاح متيقن، وما يزيله ويرفعه وهو الطلاق مشكوك فيه، فالأصل ماذا؟ بقاء ما كان، وهو النكاح، واليقين لا يزول بالشك. قال: فإن قلتم: فقد تيقن التحريم وشك في التحليل، قلنا: الرجعة ليست بحرام عندكم، ولهذا تجوزون وطءها، ويكون رجعة إذا نوى به الرجعة، يعني إذا طلق رجل امرأته طلقة واحدة أو طلقتين، ثم راجعها بالجماع، جامعها، فقلنا: رجعت، حصل بهذا الجماع رجوعها إليه كما هو الصحيح، وعلى هذا فهي باقية في عقده ويحله نكاحها. قال: فإن قلتم: بل هي حرام، والرجعة حصلت بالنية حال الوطء، قلنا: لا ينفعكم ذلك أيضًا؛ فإنه إنما تيقن تحريمًا يزول بالرجعة، ولم يتيقن تحريمًا لا تؤثر فيه الرجعة، وليس المقصود تقرير هذه المسألة، والمقصود أنه لا راحة في ذلك لأهل الوسواس. فخلاصة هذا الفصل أن ما يدعيه أهل الوسواس مما يفعلون من مخالفة السنة أنه من باب الاحتياط، فهو قول ليس بصحيح، وفعل مخالف لهدي النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا مخالف لما عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وليس هو من باب الاحتياط في شيء، وإنما هو من التنطع والغلو الذي قد نهينا عنه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.