الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل حكم الحلف بالطلاق على أمر غير متيقن، حيث يرى الأكثرون عدم وقوع الطلاق إذا ثبت صحة الحلف. بينما يرى الإمام مالك وقوعه بسبب الشك في الحنث، ويستعرض اختلاف الآراء حول هذه المسألة الفقهية.
يناقش هذا الفصل حكم الحنث في اليمين عند الشك، حيث يرى الإمام مالك أن الحالف يحنث إذا حلف وهو شاك. بينما يرى الجمهور أن الحالف يحنث بالمخالف لما حلف عليه، مع استثناء ما يغلب على الظن ثم يتبين خطأه.
يستعرض هذا الفصل آراء الإمام مالك وابن القاسم في حكم الحنث في اليمين بالطلاق عند الشك أو الهزل. حيث يرى مالك أن الحنث في حالة الشك مستحب وليس واجبًا، بينما يرى ابن القاسم أنه يجب مفارقة الزوجة عند الشك في الحنث.
يتضمن هذا الفصل الدعاء بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ويعبر عن التبجيل والتقدير للنبي محمد، ويُمثل الصيغة التقليدية المستخدمة في نهاية العديد من النصوص الدينية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «إغاثة اللهفان»: فصل، وأما من حلف بالطلاق أن في هذه اللوزة حبتين، ونحو ذلك مما لا يتيقنه الحالف، فبان كما حلف عليه، إذا حلف بالطلاق، يعني قال: علي الطلاق، أو امرأتي طالق إن كان في هذه اللوزة حبتين، أو مثلا كان في هذا البيت رجلان، أو نحو ذلك مما يحلف عليه المرء وهو غير متيقن بهذا المحلوف عليه، ثم ظهر أنه كما حلف، قال: فهذا لا يحنث عند الأكثرين. وكذلك لو لم يتبين الحال واستمر مجهولا، فإن النكاح ثابت بيقين، فلا يزيله بالشك. يعني إذا بان أنه كما حلف، فإنه لا يكون قد وقع في الحنث، وعلى هذا فلا يقع الطلاق، والنكاح باق وثابت. قال: ولمالك أصل نازعه فيه غيره، وهو إيقاع الطلاق بالشك في الحنث، إيقاعه بالشك في عدده كما تقدم. يعني إذا أوقع الطلاق بأمر مشكوك فيه، فإنه يقع، كما أنه يقع بالشك في العدد إذا شك هل طلق واحدة أو ثلاث، كما مر معنا في الدرس الماضي، فإنه يعتبره ثلاثا، وتحرم المرأة على زوجها. وهكذا أيضا إذا أوقع الطلاق بالشك في الحنث، فإنه يقع. قال: ويقعه بالشك في المطلقة، كما لو طلق واحدة من نسائه ثم أنسيها، ووقف الحال مدة الإيلاء، ولم يتبين عليه الجمع. وكما حلف أن هذا فلان أو حيوان، وهو غير متيقن له، بل هو شاك حال الحلف، فتبين أن الأمر كما حلف عليه، فإنه يحنث عنده، وتطلق امرأته. يعني مثلا لو قال: رأى يعني أحدا قادما، فحلف أن هذا القادم حيوان أو أنه إنسان، وهو غير متيقن، بل هو شاك: هو حيوان أو إنسان، ثم تبين أن الأمر كما حلف، قال: والله أن هذا القادم حيوان، فتبين أنه حيوان، فعند الإمام مالك رحمه الله يحنث بذلك. لماذا؟ لأنه عند الحلف لم يكن متيقنا، وهكذا مثله في إيقاع الطلاق. قال: فمن حلف على رجل أنه زيد، فتبين أنه غيره، يعني قال: هذا الذي قدم والله إنه زيد، فتبين أنه عمر، قال: أو لم يتبين أهو المحلوف عليه أم لا، حنث عنده، يعني عند الإمام مالك، وإن تبين أنه المحلوف عليه، وكان حال اليمين لا يعلم حقيقته، ولا يغلب على ظنه، ولا طريق له إلى العلم به في العادة، فإنه يحنث عنده لشكه حال الحلف. يعني عند الإمام مالك، لو حلف أن هذا القادم عمر، وهو شاك غير متيقن، فتبين أنه عمر، فيقول الإمام مالك رحمه الله: فإنه يحنث في هذه اليمين، وعليه الكفارة. لماذا؟ قال: لأنه حال الحلف لم يكن متيقنا، وإنما كان شاكا. قال: فالحلف يحنث بالمخالف لما حلف عليه، أما في الطلب، فبأن يفعل ما حلف على تركه، وأما في الخبر، فبأن يتبين كذبه. وعند مالك يحنث بأمر آخر، وهو الشك حال اليمين، سواء تبين صدقه أم لا. فهنا يقرر الإمام ابن القيم رحمه الله ما عليه أكثر أهل العلم، بأن الحالف يحنث بالمخالف لما حلف عليه. كان يقول مثلا: والله لا أكلم فلانا، ثم كلمه، هنا يحنث لأنه خالف ما حلف عليه، أو قال: والله لا أدخل بيت فلانا، ثم دخل، فهنا يحنث. وهكذا أيضا في الخبر بأن يتبين كذبه، إذا أخبر بشيء وبان خلاف ما قال، وهنا كذلك يحنث. إلا إذا كان هذا الأمر مما يغلب على الظن، فتبين خطأه، فهنا لا يقع في الحنث، ولا تلزمه الكفارة. كان يقول مثلا: والله إن فلانا قد قدم من السفر هذا اليوم، وقد سمع أو أخبره أحد أقاربه أنه قد حجز في الطائرة الفلانية في هذا اليوم، فحلف على ما علم وما أخبر به، ثم تأخرت الرحلة ولم يأت، فهل يحنث وتجب عليه الكفارة؟ الجواب: لا. أو مثلا قال: إن المسألة الفلانية في الكتاب الفلاني، على ما يغلب على ظنه، ثم تبين خلاف ذلك، فهذا أيضا لا يحنث، وتكون هذه اليمين من لغو اليمين التي لا يؤاخذ عليها الإنسان، لقول الله جل وعلا: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. وفسر لغو اليمين بتفسيرين: الأول ما يقع من الرجل من الحلف في بيته في قوله: لا والله، وبلا والله، مما تجري فيه اليمين على لسانه من غير قصد لها، فهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، كما صح عن عائشة رضي الله عنها في البخاري أنها قالت: «لغو اليمين قول الرجل: لا والله، وبلا والله». والتفسير الثاني: أن يحلف على شيء يظنه كما يقول، فتبين خلاف ذلك، فهذا أيضا يعتبر من لغو اليمين. أما عند الإمام مالك، فهو يقول: إذا حلف وهو شاك، ثم تبين أنه كما حلف، فإنه يحنث، فإنه يحنث في هذه اليمين، وهذا خلاف ما عليه الجمهور. قال: وأبلغ من هذا أنه يحنث من حلف بالطلاق على إنسان إلى جانبه إنسان أو حجر أنه حجر، ونحو ذلك مما لا شك فيه. قال: أنه يحنث من حلف بالطلاق على إنسان إلى جانبه إنسان أو حجر أنه حجر، أي هذا الذي بجانبه، إذا قال: المرأة طالق إن كان هذا الذي بجانبه إنسان أو حجر، فتبين أنه حجر كما قال، مما لا شك فيه، فإن الإمام مالك رحمه الله يحنث الحالف بذلك. قال: وعمدته في الموضعين أن الحالف هازل، فإن من قال: أنت طالق إذ لم تكون امرأة، أو إن لم أكن رجلا، لا معنى لكلامه إلا الهزل، فإن هذا مما لا غرض للعقلاء فيه. قالوا: وإن لم يكن هذا هزلا، فإن الهزل لا حقيقة له، وربما عللوا الحنث بأنه أراد أن يجزم الطلاق ثم ندم، فوصله بما لا يفيد ليرفعه، أي ليرفع الطلاق، وقد وقع بالحنث. قالوا: أما في القسم الأول، فأصله فيه تغليب الحنث بالشك. في القسم الأول، يعني إذا حلف وهو شاك، قال: فأصله فيه تغليب الحنث بالشك، يعني إذا حلف وهو شاك، فإنه يحنث، سواء كان الأمر كما قال أو كان على خلاف ما قال. قال: كمن حلف ثم شك هل حنث أم لا، فإنهم يأمرونه بفراق زوجته. إذا حلف ثم شك هل حنث أم لا، يعني لو قال مثلا: إذا دخلت بيت فلان فامرأتي طالق، ثم شك في الحنث: هل دخل أو لم يدخل، فيقولون: إنه يحنث بذلك، وتطلق امرأته. قال: وهل هو للوجوب أم للاستحباب؟ على قولين: الأول لمن القاسم، والثاني لمالك. يعني القول بالوجوب الفراق للإمام ابن القاسم، والقول بالاستحباب للإمام مالك. قال: فمالك يراعي بقاء النكاح، وقد شككنا في زواله، والأصل البقاء. وهذا قول جمهور أهل العلم. وابن القاسم يقول: قد صار حل الوطء مشكوكا فيه، فيجب عليه مفارقتها. والأكثرون يقولون: لا يجب عليه مفارقتها، ولا يستحب له. فإن قاعدة الشريعة أن الشك لا يقوى على إزالة الأصل المعلوم، وهو ثبوت النكاح ويقين النكاح، فهذا ثابت بيقين. قال: ولا يزول اليقين إلا بيقين أقوى منه أو مساوي له. وهذه القاعدة الشرعية أن اليقين لا يزول إلا بيقين، فمدام أن النكاح ثبت بيقين، فإنه لا يرفع إلا بيقين، أن يتيقن الطلاق، وحينئذ يرتفع النكاح. أما مع وجود الشك، فإنه لا عبرة بهذا الشك، ويبقى أصل النكاح على ثبوته. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.