الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح استخدام القرعة في حالة نسيان الزوجة المطلقة أو عدم معرفتها، حيث يلجأ الزوج إلى القرعة لمعرفتها وتصبح المطلقة معروفة بحكم شرعي. القرعة تستخدم لإزالة الغموض في حالة النسيان.
ناقش الإمام ابن قدامة وابن القيم التفريق بين حالة نسيان المطلقة وحالة الغموض في عدد الطلقات، حيث تُستخدم القرعة في حالة النسيان وتُبطل عند التذكر. يُعمل بالنص عند وجوده ويُلغى الاجتهاد في حالة وجود نص شرعي.
مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن الطلاق بالمنع من أكل التمر لا يحنث ولا يحرم وطء الزوجة، ويوجب كفارة يمين. هذا الرأي هو الصحيح واختاره أبو الخطاب، حيث يعتبر الطلاق هنا يمينًا وليس طلاقًا حقيقيًا.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "إغاثة اللهفان" في قول الشيخ أبي محمد -قدس الله تعالى روحه- ويريد بأبي محمد أي المقدسي، وهو الآن يشرح كلامه ويبين ما استدل به الإمام ابن قدامة رحمه الله على التفريق بين استعمل القرعة في الزوجة المبهمة إذا طلقت، وفي المعينة إذا نسيت. قال: إنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحل إحداهما بالقرعة، كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها عقد، وهذا كلام الإمام ابن قدامة رحمه الله: بأن هذه التي نسيها وقد طلقها قد اشتبهت بمن هي زوج له، بمن هي زوج له، وهذه التي طلقها صارت أجنبية، فكيف تحل بالقرعة؟ قال: كما لو اشتبهت بأجنبية لم يكن عليها عقد، يعني لو اشتبهت زوجته بأجنبية أخرى لم يعقد عليها، فإنها لا تحل بالقرعة. قال: جوابه بالفرق بين حالتي الدوام والابتداء، وهناك قاعدة شرعية عند أهل العلم، وهو أن الاستدامة أقوى من الابتداء، فقد يكون الشيء ممنوعا على جهة الابتداء، وأما على جهة الاستدامة والاستمرار فإنه يكون له حكم آخر. قال: فإن هناك شك في هذه الأجنبية، هل حصل عقد أم لا؟ والأصل فيها التحريم، الأصل فيها التحريم، أي هذه الأجنبية التي ما عقد عليها، فالأصل فيها أنه محرم عليه، فإذا اشتبهت بها الزوجة لم يقدم أو يقدم على واحدة منهما، وها هنا ثبت الحل والنكاح، وحصل الشك بعده، يعني في الصورة التي طلق فيها ثم نسي، هي زوجة له قد حلت له بالعقد، لكن حصل بعد ذلك الشك والنسيان بعد ثبوت النكاح. وفرق بين المسألتين، قال: هل يزول في هذه أو في هذه؟ فإما أن يحرم جميعا، أو يقال له اختر من ينزل عليه التحريم، أو يوقف الأمر أبدا، يعني يتوقف فلا يقرب هذه ولا هذا، أو يستعمل القرعة. والأقسام الأربعة الأولى باطلة، يعني تحريمهما جميعا، أو كذلك اختيار من ينزل عليه التحريم، يعني على جهة الرغبة يرغب في إحداهما فينزل عليها التحريم، أو يتوقف الأمر فلا يقرب هذه ولا هذه، أو يستعمل القرعة. قال: والأقسام الأربعة الأولى باطلة لا أصل لها في السنة، ولم يعتبرها الشارع بخلاف القرعة. وبالجملة، فلا يصح إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى، إذ هناك تحريم متيقن، وهي كون هذه المرأة أجنبية، وهذه تحريمها لا شك فيه، ونحن نشك في حله، وهنا حل متيقن نشك فيه تحريمه بالنسبة إلى كل واحدة. وقوله: "ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، ولا ترفع الطلاق على من وقعت عليه"، أي قول الإمام ابن قدامة رحمه الله في رده على استعمال القرعة في المنسية، قال: لأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، يعني لو أنها وقعت على غير المطلقة، فالتي طلقت حقيقة تعتبر مطلقة، والقرعة لا تزيل الطلاق منها. قال: ولا ترفع الطلاق على من وقعت عليه، فيقال: إذا جهلت المطلقة ولم يكن له سبيل إلى تعيينها، قامت القرعة مقام الشاهد، قامت القرعة مقام الشاهد والمخبر بأنها المطلقة للضرورة، حيث تعين الطريق، يعني ما عندنا طريق إلى معرفة هذه المنسية إلا بطريق القرعة، والقرعة كما علمنا أنها ثبتت من جهة الشرع، إذن فعلها وتمييز المنسية بها يكون بطريق شرعي، فتقوم مقام الشاهد والمخبر الذي يخبر بأن هذه هي التي وقع عليها الطلاق. قال: حيث تعين الطريق، فالمطلقة المجهولة قد صار طلاقها بعينها كالمعدوم، يعني كأن طلاق لم يقع لكونها جهلت. قال: ولو كانت مطلقة في نفس الأمر، فإن الشارع لم يكلفنا بما في نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا، الشرع يحكم بالظاهر، وأما البواطن فأمرها إلى الله سبحانه وتعالى. قال: فإن الشارع لم يكلفنا بما في نفس الأمر، بل بما ظهر وبدا، ولهذا لو نسي الطلاق بالكلية وأقام على زوجته حتى توفي، كانت أحكامه أحكام الزوج، والنسب لاحق به، والميراث ثابت، وهي مطلقة في نفس الأمر، ولكن ليست مطلقة في حكم الله. قال: واضح، يقول: لو نسي الطلاق بالكلية، طلق ونسي أنه طلق، يعني لم يذكر أنه طلق ونسي، بل نسي الطلاق من أصله، نسي أنه طلق، واستمر مع هذه المرأة يجامعها ويأتيها، ورزق منها بأولاد، ثم توفي، فكيف تعامل؟ تعامل معاملة الزوجة، ترث منه، وأولاده ينسبون إليه كغيرها من الزوجات، مع أنها في حقيقة الأمر مطلقة، لكن في المعاملة، وكذلك أيضا في حكم الله جل وعلا لا تكون مطلقة. قال: كما لو طلع الهلال في نفس الأمر ولم يره أحد من الناس، أو كان الهلال تحت الغيم، فإنه لا يترتب عليه حكم الشهر، ولا يكون طالعا في حكم الله تعالى، وإن كان طالعا في نفس الأمر. ونظائر هذا كثيرة جدا، فمثلا مسألة الهلال، رؤية الهلال في رمضان أو شوال، علق الشارع الحكم برؤية الهلال، فإن لم ير أكمل عدة شعبان ثلاثين يوما. فلو أن الناس لم يروا الهلال بسبب الغيم، والهلال موجود، الهلال قد طلع، لكن حال بينهم وبين رؤية الهلال الغيم، فالحكم هنا أنهم يكملون عدة شعبان ثلاثين، وإن كان في حقيقة الأمر أن هذا اليوم هو أول يوم من رمضان، لكن في حكم الله ليس كذلك، لأن الشارع علق هذا الحكم بهذا الأمر، إما أن يرى الهلال، فإن لم ير فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين، ثم يكون اليوم الذي بعده هو أول يوم من رمضان. قال: فغاية الأمر أن هذه مطلقة في نفس الأمر، ولا علم له بطلاقها، فلا تكون مطلقة في الحكم، كما لو نسي طلاقها. قوله: أي من ابن قدامة، ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذكر. جوابه: أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسيان، فإذا زال النسيان بطل عمل القرعة، كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه، فإن التراب إنما يعمل عند العجز عن الماء، فإذا قدر عليه بطل حكمه، ونظائر ذلك كثيرة. يعني مما استدل به الإمام ابن قدامة رحمه الله على التفريق بين الصورتين، أنه لو ذكر هذا الناس الذي طلق ثم نسي، لو ذكر المطلقة بعد أن أوقع القرعة، يقول: هنا لو ذكرها ما عاد بالذكر، يعني ما عمل بما تذكر، وهو الأمر المتيقن، فكيف يعمل بالقرعة وهو قد ذكر التي طلقها وأوقع عليها الطلاق؟ فقال الإمام ابن القيم رحمه الله: الجواب أن القرعة إنما عملت مع استمرار النسيان، يعني إذا كان نسيانه مستمر، أما إذا تذكر وزال النسيان حينئذ تبطل القرعة ويعمل بما تذكر، كما أن المتيمم يتيمم بالتراب إذا عدم الماء أو عجز عن استعماله، فإذا وجد الماء أو قدر على استعماله بطل حينئذ استعمال التيمم، وهكذا يقال أيضا في مسألة استعمال القرعة إذا تذكر. قال: منها أن الاجتهاد هنا ضائر، ذلك كثيرة، يعني أن يعمل الإنسان بشيء ثم يبطل هذا الشيء بوجود غيره مما هو أصل. قال: منها أن الاجتهاد إنما يعمل به عند عدم النص، فإذا تبين النص فلا اجتهاد إلا في إبطال ما خالفه، يعني لو أنه مجتهد بحث عن النص فلم يجده فاجتهد، اجتهد في القول بالحكم على هذه المسألة، ثم تبين النص أن هناك نص في هذه المسألة، هل يعمل باجتهاده أو يعمل بهذا النص؟ الجواب يعمل بالنص، واجتهاده يكون مردود. قوله: وقد قال الخرقي: فيمن طلق امرأته ولم يدري أواحدة طلق أم ثلاثا يلزمه الثلاث. ومن حلف بالطلاق ألا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة، لا تحل امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها. فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه دائين التحريم، فها هنا أو لا؟ فيقال: الخرقي نص على المسألتين مفرقا بينهما في مختصره، يعني بين المنسية والمبهمة، فقال: وإذا طلق واحدة من نسائه فأنسيها فأخرجت بالقرعة. وقال ما حكاه الشيخ عنه في الموضعين. فأما من شك هل طلق واحدة أم ثلاثا، فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب، والخرقي اختار الرواية الأخرى، وهي مذهب مالك، وقد تقدم مأخذ القولين وبيان الراجح منهما، والراجح أنها واحدة، لماذا؟ لأن الأصل هو بقاء النكاح وعدم الطلاق، فإذا شك هل طلق واحدة أو ثلاثا، فإننا نعمل بالأقل وهي الواحدة، وما زاد على الواحدة فهو مشكوك فيه، فهو مشكوك فيه، فحينئذ لا نعمل بما زاد عليها. قالوا: على القول بلزوم الثلاث، فالفرق بين ذلك وبين إخراج المنسية بالقرعة، أن المجهول في الشرع كالمعدوم، فقد جهلنا وقوع الطلاق بأي الزوجتين، فلم يتحقق تحريم إحداهما، ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمها ولا إباحتها، ولا إباحتهما، والوقف مفسدة ظاهرة، فتعينت القرعة، بخلاف من أوقع على زوجته طلاقا وشك في عدده، فإنه قد شك هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أو لا يرتفع بها، فألزمه بالثلاث، فظهر الفرق بينهما على هذا القول، يعني على هذا القول أنه يلزم بالثلاث. وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال، يعني أنه تكون طلقة واحدة. قالوا: أما من حلف بالطلاق لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة، فقد قال الخرقي: إنه يمنع من وطء زوجته حتى يتيقن، وهذا يحتمل الكراهة أو التحريم، يعني هذا المنع قد يكون للكراهة وقد يكون للتحريم. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث ولا يحرم عليه وطء زوجته، وهو اختيار أبي الخطاب، وهو الصحيح. وإن أراد به التحريم فهو يشبه ما قاله هو ومالك فيمن طلق وشك هل طلق واحدة أم ثلاثا. ووجه ذلك أنه لا يحنث ولا يحرم عليه وطء زوجته، أنه أراد بذلك المنع منع نفسه من أكل التمر، فإذا أكل حينئذ لا يقع الطلاق، لأن المقصود بذلك المنع لا يقع الطلاق، وإنما يلزمه كفارة يمين. وبهذا يكون انتهى من هذا الفصل إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.